Wednesday, May 22, 2019
اخر المستجدات

أنُحبّ الظلامَ طائعين مختارين!


| طباعة | خ+ | خ-

لم يكن من السهل على مجتمعات عاشت في ظل عهود خالطها من الظلام والجهالة والذِلّة والبطش -في كثير من فترات الأعوام ال 400 للحكم التركي للأمة العربية والاسلامية- أن تخرج الى النور الساطع بسهولة فترى حقيقة التقدم الذي وصل اليه العالم، وتتقبل ذلك بأريحية .

نكتشف أننا أصبحنا متأخرين عن ركب الحضارة التي شيّدناها زمنا طويلا، فلم يكن من السهل لنا أن نتقبّل ذلك فجأة، وفينا الرازي وابن رشد والزهراوي وابن الهيثم وابن خلدون وابن رشيق والمتنبي وصلاح الدين ومحمد الفاتح والفيروزبادي وابن طفيل وابن سينا والبيروني والقائمة تطول؟
ما حصل لنا هو تماما كساكن الغابة (أو الصحراء) عندما يعبرها لأول مرة متجها الى المدنيّة، فينبهر بما يرى، ما يحتاج معه لفترة زمنية قد تقصُر أو تطول ليفهم ويعي ويدرك ويتعلم .

هل أدركنا آنذاك أننا لم نعد خير أمة؟! إذ أن منارة العلم انتقلت شعلتها للغرب في غفلة من الأمة؟ ربما لأنها عاشت في ظل الاستبداد والظلم والقهر المترافق مع تجميد الفكر والاجتهاد المكرّس لطاعة ولي الأمر (السلطان أوالخليفة والوالي وشيخ الجامع والعمدة…) بلا جدال، ومنع العلوم الحديثة ما جعل كل من احتكوا بالحضارة الغربية لاحقا أن ينبهرون فيُصدمون، لينقلبوا ضد مجتمعاتهم وضد دينهم لتصورهم أنه أحد عوامل الجهالة، ما شكل لاحقا تبني فكرانيات (أيديولوجيات) مصادمة للاسلامية وإن نشأت في كنفها.

من العرب والمسلمين مَن رفع سيف العدالة والعلم ضد الاستبداد والظلامية والتجهيل، أو استفاد من حضارة الغرب ليعكسها في المناهج وطرق التفكير وأسس البحث والتقدم العلمي مع الاحتفاظ بأصالة مقاصد الدين ومرتكزات الحضارة العربية والإسلامية المتميزة كما فعل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وعبدالحميد بن باديس محمد عبده وخير الدين التونسي والمنصف باي وغيرهم.

في مثل هذا الخضم ولدت جماعة “الاخوان المسلمين” فاستفادت من الظرف بقَدَر وتأثرت بقدر، وعكست الجماعة نفسها بقوة الفكرة الجديدة التي حملها رجالاتها المؤمنين حقا برسالتها، وبنفاذ الوسيلة التي استخدمتها، وديمومة الفعل المتصل، حتى لترى في المجتمع العربي الغارق في الأمية والجهل والفقر من تبنى الفكرة مبكرا بلا عناء يُذكر.

كان المجتمع العربي  يتلمّس الطريق نحو الضوء، وهو نفسه المجتمع المتشوق للعلم والنور، ولمن يبعث فيه الأمل والرجاء ولمن يشد من أزره ويعِده بالتقدم والنهضة والاستقلال.

المجتمع آنذاك (بدايات القرن العشرين) كان مؤهلا للاستجابة لمن يدعوه لتربية النفس وتنظيم الناس ليقيم صحيح الدين ويُصلح شأن المسلمين فيستعيدون به ألَقَهُم ومجدهم وهيبتهم بعد انكسار آخر رموزهم ممثلا بالسلطان العثماني (خليفة المسلمين) لذا حصلت الاستجابة لدعوة “الاخوان” ذات الصبغة الدينية التربوية في بداياتها، بسلاسة الفطرة والرغبة في الخروج من البركة الآسنة.

في مثل هذا الجو المليء بالاحباط والرغبة بالنهوض معا، وفي ظل   التعبئة لاستعادة “مجد المسلمين” أو نهضة العرب أو دولتهم  نشطت الدعوات والاتجاهات، ومنها كان الاخوان المسلمين ظانّين أنهم يحملون على أكتافهم دون الناس أجمعين “الرسالة” الصحيحة للإسلام، و ظانين أنهم بذلك يصنعون تجمعا مسلما كمقدمة لدولة الاسلام التي أفل نجمُها مع سقوط “الخلافة” فيعيدونها، ويعيدون الأمة على “المحجة البيضاء” .

ما أن تشكلت عوامل (النهضة) ممثلة لدى الأخوان المسلمين بوقار الشخصية الجامعة في حسن البنا، وسلاسة الفكرة المطروحة وعاطفيتها الطاغية، وسماحة الدين المستخدمة في خلط  جذور الاعتزاز الى حد الغرور أحيانا والتميّز إلى حد التعالي عن الآخرين أحيانا، والتنظيم الصارم الى حد استخدامه في الإخضاع من جهة و الصدام أحيانا أخرى حتى كان الانتماء للجماعة البوابة الوحيدة للإسلام والنعيم المفقود والجنة الموعودة.

كيف لك أن ترفض مّن يمد لك يد العون لتعيد ألَق الأمة الإسلامية التي صحت فجأة على مجموعة من الكوارث والمصائب الكبرى، من هذه المصائب: الجهل والأمية والتخلف أمام أمة (الكفر)؟ وفوق هذا وذاك أنها مقيّدة بالاحتلال والاستعمار ينهب أرضها وشعوبها؟! والطامة الكبرى عند قطاع عريض لدى الأمة أن رمز العزة والمهابة والوحدة الذي يحمي “بيضة المسلمين” قد تلاشى في ليلة حالكة.

إن الحال تماما كما حال إمرأة شابة ليس لها من أسرتها إلا زوجها وحيث ارتبطت كل علاقاتها من خلاله، ومن تحت عباءته، وما يمثله من سلطان وأمان ووعي وعزة، فإذ بها تفقده فجأة فتترمل لتجد نفسها في مهب الريح بين مجموعة من الذئاب ليس لها إلا الاستسلام لضغوطاتهم، أوالتصدي لهم وطلب الاستقلال،أو تحصين النفس! فما بالك أن وجدت من يشدّ أزرها ويقدم لها العون مداعبا عواطفها وأحاسيسها! وعقلها أحيانا ؟… هذا ما كان من دعوة الاخوان المسلمين.

أنت في أعوام الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، حيث انتشرت دعوة الاخوان (المنظّمة) تنظيما جيدا والمشابهة لعمل الاحزاب، لكنها في بدايتها رفضت الحزبية مطلقا (حسن البناء المؤتمر الخامس) فركزت على إعادة صياغة الفرد والشخصية والمجتمع لحين التمكين (ما لحقه الحزبية المقيتة) بالحصول على القوة الثلاثية: ممثلة بقوة العقيدة وقوة الوحدة وقوة السلاح معا (قال د.محمد حبيب أننا غيرنا في المفاهيم الأولى للإخوان لكننا لم ننجح في تغيير فكرة قبول الآخر) فتنطلق لهدم طواغيت المجتمع وأصنامه من الحكام المستبدين (المسلمين).

في هذه الحالة في كل من مصر أو الشام أو فلسطين أو غيرها، وفي ظل أن غالب منابر العلم كانت مقتصرة على (الكُتّاب) ثم بعض المدارس والجامعات القليلة التي تُعلّم ما لا يبل الريق، وأنت في مواجهة أحزاب لا تصل إلى الشارع المتدين، وفجأة تجد أنك تستطيع أن تستبدل شيخ البلد وإمام الجامع والشيخ بالزاوية بالكِتاب الصغير، وتستبدل العمدة بخُطب وكتيّبات الاخوان المسلمين وتواصلهم، فما أنت فاعل ؟!

إن المقدرة التنظيمية والإعلامية والدعائية والتحريضية الفائقة التي تمتعت بها هذه الدعوة “للاخوان المسلمين” في فلسطين لاسيما والخلط المقصود بين الشأن الديني (السني-السلفي-الصوفي) والاجتماعي والقانوني والسياسي والرياضي والاقتصادي (تعريف البنا للاخوان) الى الدرجة المبالغ فيها جدا التي أصبح العضو فيها يظن نفسه يفهم في مختلف هذه الأمور لمجرد انضمامه للجماعة، ويعتقد تفوقه (الاستعلاء) على ما سواه من أمة المجتمع الجاهلي (فكر سيد قطب ومن تبعه) أو العلمانيين (خطاب الاخوان منذ السبعينيات) أو الكَفَرة (أبو الأعلى المودودي في بداياته، وحاليا تنظيمات الخوارج الجدد).

في ظل مجتمع افتقد منابر العلم أو التوجيه إلا من قائد عسكري يقوده للحرب أو أمام الجامع أو مدرس محدود العلم ، وينفتح فجأة على سيل من الكتيبات والخُطَب والمنشورات في معظم الشؤون، التي تدغدغ عواطفه الدينية وتُشعل فيه الحماسة، وإمكانية النهوض ثانية لا شك أنك أنت المسلم العادي ستركع ممتنّا لهذه الجماعة لاسيما وموارد الخبر أو الاعلام آنذاك كانت محدودة جدا إن لم تكن نادرة للغالبية، ممثلة بالشيخ أو العمدة أو راس العشيرة أو العائلة أو عبر مذياع يبث من على مقهى متواضع داخل البلد.

أما اليوم وبالعودة 80 عاما للوراء للمقارنة، فكيف نستطيع أن نتفهم مثل ذاك المستوى المُفرط من التقَبّل و(الطاعة في المنشط والمكره) والانتماء الأعمى والانسياق اللاعقلاني أو ما تعنيه بإطار آخر من اغلاق العقل أو تأجيره لمن يجعل كل العلوم في الخلاط ، ويعتقد أن بإمكانك أن تشربها في كأس واحد، لتعبر عن وعيك متعدد التخصصات.

الاسلام المقدس هو الحزب، والحزب المقدس هو القائد، وأنت من أتباعه المقدسين، والإسلام الحزبي (المقدس) الذي هو حزبك وأنت يعني الدين والدولة، ويعني أنك الحق والقداسة والصواب وما سواك باطل ويقع ضمن معسكر أو (فسطاط الباطل أو الكفار).

بلا شك أن الإخوان المسلمين من بين التنظيمات والأحزاب الأخرى قد لقيت مساحة قبول أكثر من غيرها في بداياتها التي حاولنا تصويرها في ما سبق من سطور، لكن المساحة ضاقت بافتقاد السماحة والبُعد عن حاجات الناس، وتحميل الاسلام العظيم ما لا يحتمل، خاصة عندما أنطلق قطار الدعوة لمقاومة التخلف والاحتلال طلبا للاستقلال والتنمية عبر حركات المقاومة والكفاح والثورة ضد الاحتلالات الانجليزي والفرنسي والايطالي التي لم يشاركوا فيها فقل شأنهم وضعُف سعيهم .

يعود “الاخوان” اليوم (مع الاشارة أنهم ليسوا كلٌّ سواء) مع تيارات الاسلاموية الجديدة في ظل فشل الدولة القومية والوطنية عبر ما قامت به من ممارسات سلبية ومن خلط المفاهيم الفكرية التي خالف بعضها الأمة، وبفرض الرأي وممارسة النزق السلطوي والاستبداد تماما كمن سبقوهم، وكأن منطق النزق والهوى والاستبداد الفكري أو الديمقراطي كعكة يتقاسمها كل أصحاب الفكرانيات أكانت اشتراكية أو قومية أو اسلاموية ويسقطون عبرها عُقم أساليبهم التي تُجرّد الفرد من حريته التي اكتسبها من الله وحده بعبادته، واستخدامها عبر العقل كمفتاح للنور.

لقد شكّل السعي الحثيث للسلطة وخوض الصراعات البغيضة، والهيلمان وتحكّم الهوى والأمزجة واستخدام الدين، وحصر الفكرة الصوابية في وعاء واحد، والتشدد في الرأي والتعصب للحزب وإعلاء شأنه على بقية العباد وحاجاتهم شكّل صدمة جديدة جعلت من الناس ينفضون أيديهم من أصحاب الشعارات حتى الاسلاموية.

أن كانت بدايات القرن العشرين قد امتلأت بأنبياء الجهالة في كل طريق وشِعْب ودرب فماذا يمكن أن نقول اليوم؟! وكيف نعذر أنفسنا أونعذر غيرنا إن جمّدوا الأداة العظمى التي حث الله سبحانه وتعالى طويلا على استخدامها ولم يملّ التذكير بها في عشرات الآيات الكريمة (تفكرا) و(عقلا) و (بيّنة) و (نظرا) و(تدبرا) لكن دون جدوى؟! ونُصِرّ على إن نركن دوما الى المنطقة الآمنة الممثلة في فضاء راحة (الجهالة) و(الظلم لأنفسنا)! ففي العلم والتفكر عناء شديد، ومالي وذلك! وأنا بما أنا عليه مستريح البال مطمئن النفس، وتظلّلني سُحب الإيمان الممطرة، وإغداقات الله والمتلبسين القداسة من شيوخ وقيادات يعِدونني بالجنة المضمونة.

كيف نعذر اليوم من يملك من أدوات التعليم والإعلام والتربية  ووسائل التواصل الاجتماعي الكثير الكثير، الذي نراه أصبح مرتعا للجهل والأميّة والترفيه وإغلاق العقل بدل من أن يكون منفذا حرا للعقل والفكر فكأنك (يا أبو زيد ما غزيت) وبذا نعود طائعين مختارين لعصور الظلام الجميل!
تمتليء الشابكة (الانترنت) اليوم كما تحفل الفضائيات والميادين الحوارية في الدواوين والمضافات ولقاءات العوائل والأصدقاء بفكر متناقض كل-في تيارات فيه، وربما ليس كله- يدعي أنه الممثل الشرعي الوحيد للإسلام سواء من إخوان أو سلف أو صوفية أو تيارات الخوارج الجديدة بأسمائها المتعددة لدى السنة والشيعة معا أو غيرها، وتختلط لدى المؤمن في ظل هذه المواليد الشائهة فكرة الدعوة (أسماحة أم انغلاق؟) وفكرة العلاقة الخاصة مع الله، مع فكرة أن يضع الفرد كلّ حِمْلِه في خُرُج (كيس) هذا الشيخ أو الفقيه أو القائد أو الأمير فيرتاح من استخدام عقله الجالب للتعب والقلاقل، بإلقاء التبعات على غيره ويِكَل أمره لله ظانا أنه بذلك يفوز، وما هو الا الحُمق بعينه!

أأُمنَح هِبَة ثمينة من الله تعالى ما ميزني بها وأكرمني عن كافة الكائنات لأجمدها وأتبع بلا وعي أو دون قليل تشكك أو نظر بالبينة هذا المدعي أو ذاك العجول اليئوس ،القدوس لذاته، الملول من أسئلة الناس؟ والله إنها لطامة كبرى إن عذرنا فيها الناس ممن اتبعوا في البدايات، لا نعذر مَن اتبعوا في النهايات.
نقصُ العلم هو تماما كوفرتِه إن لم يكن منهج البحث، ورغبة الكشف واستجلاء الحقيقة واستخدام العقل حاكما، ونظل في هذه الحالة خاضعين خانعين جُهّالا بإرادتنا في أمور دنيانا وديننا، ولله الحمد أوله وآخره.