Monday, October 23, 2017
اخر المستجدات

الحرب القادمة في غزة: لنعمل حثيثا على استبعادها ولنستعد جيدًا لاندلاعها


الحرب على اسرائيل

| طباعة | خ+ | خ-

ترجمة أطلس للدراسات

تقرير لمركز دراسات الأمن القومي الاسرائيلي: –

في الـ 19 من ابريل شارك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مناقشة لجنة الكنيست لشئون مراقبة الدولة لتقرير المراقب العام للدولة بخصوص عملية “الجرف الصامد”.

ووفق ما ورد في التقرير قال رئيس الحكومة “كان توجهي في ذلك الوقت هو منع اندلاع تلك الحرب ما أمكن، لكن وبعد اختطاف الأولاد أصبحنا على منحدر لم يكن من الممكن إيقافه رغم أننا حاولنا”، “دون احتلال كامل لا تحل المشكلة، وإن احتللتها فإن لذلك أثمان. ضعف الاحتلال ليس فقط في ثمن جنودنا ومواطنيهم؛ وإنما لمن ستسلم القطاع؟ ومن يديره؟ هل نناقش هذه الاحتمالات؟ نعم، هل سنستخدمها؟ لدينا عدة بدائل، الاندفاع نحوها أو ردعهم أو حسم الحرب في حال فرضت علينا؛ هذه هي استراتيجيتنا، يجب ان نجدد الردع وأن نزودها بالوقود، لديّ سياسة عدم القبول بالتقطير”.

في أقوال رئيس الحكومة أمام اللجنة تنعكس السياسة الحالية: التسليم عمليًا بحكم حماس في قطاع غزة دون الاعتراف بها رسميًا، وردعها عن المساس بإسرائيل وإحباط جهودها للقيام بذلك، ومحاولات تعزيز قوتها ومنع سيطرتها على يهودا والسامرة (الضفة الغربية)؛ هذه السياسة تسعى على المدى القصير إلى استبعاد المواجهة القادمة، ولكن ذلك يأتي بثمن ترسيخ حماس، وعلى المدى المتوسط والبعيد، وكجهة سياسية حكمية حقيقية في المنظومة الفلسطينية تقدم رؤية عالمية إسلامية وتصادر حق وجود دولة إسرائيل. يكمن التوتر بين المدييْن المتوسط والبعيد بالسياسة الإسرائيلية في أخطارها وميزاتها، حيث يستوجب الأمر نقاشًا موسعًا ومنفردًا، ولكن تظهر في أقوال رئيس الحكومة عدة تحديات مركزية لإدارة السياسة القائمة: إبعاد المواجهة القادمة في غزة وتحديد أهدافها والاستعداد لخوضها.

بخصوص إبعاد المواجهة القادمة، تثبت أقوال رئيس الحكومة الصعوبة التي تواجه منع التصعيد ومحاولة الموازنة بين مكونات هذه السياسة ومحفزات التدهور نحو المواجهة وبين تلك التي تبطئ وقوعها وبين اعتبارات مختلفة كامنة في جوهرها. أقوال رئيس الحكومة تعكس بدقة وأمانة الواقع الذي فيه إسرائيل ولا حماس معنيتان حينها بمواجهة واسعة، لكن في مركز التصعيد قبيل “الجرف الصامد” وقفت الضائقة الاقتصادية الخطيرة في قطاع غزة التي لم تعمل إسرائيل على تخفيفها بالحد الكافي، مثل تنظيم إرسال المرتبات من خلال الأمم المتحدة الذي كبحته معارضة عدد من وزراء الكابينت. التصعيد للمواجهة سرّعت به خطوات إسرائيل ضد حماس في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) والعمليات التي نفذتها حماس وديناميكا ردات الفعل المتبادلة.

وممّا يزيد القلق العمل الذي تناول صناعة القرارات قبل ثلاث سنوات لم يترجم الآن إلى حوار شعبي ضروري اليوم بالنسبة للواقع الحالي بين إسرائيل وغزة. رئيس الحكومة ما يزال غير معني بمواجهة كهذه، ولكن تتجمع عناصر تسرع مواجهة أخرى: منظومة الضغوطات المتزايدة التي يمارسها رئيس السلطة الفلسطينية على حماس، والتي أبرزها تقليص رواتب موظفي السلطة والإعلان عن وقف تمويل كهرباء غزة وتقليص الموارد المحصصة للمنطقة. ذلك على خلفية تشديد الضائقة الاقتصادية الشديدة أصلًا في القطاع والنقص المتزايد في مياه الشرب وتقليص إمداد الكهرباء إلى أقل من 8 ساعات في اليوم بسبب انتهاء التمويل الذي خصصته قطر، والبطالة الكبيرة، وسيما في أوساط الشباب، وبطء إعمار أضرار الحرب السابقة، وتحدي حماس من قبل الفصائل الأكثر راديكالية، ومجهودات حماس المتزايدة لتنفيذ عمليات في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) ومن المنطقة، وطبعًا تطوير ورش الأنفاق الهجومية الخاصة بحماس، وجهود الجيش الإسرائيلي في الكشف عنها وتدميرها.

إضافة إلى كل ما سبق، الخصومة المحتدة بين السلطة وحماس والقيادة الجديدة في غزة التي خرجت من صفوف الذراع العسكرية أيام الذكرى المنتظرة (يوم الاستقلال و”النكبة” وحرب الأيام الستة و”النكسة”)، وشهر رمضان وعودة الصيف؛ أمام هذا كله تواصل إسرائيل – وبتوصية الأجهزة الأمنية – القيام بخطوات لتخفيف الضائقة التي تعجل التصعيد، ولكن بنمط بطيء للغاية، بسبب مجموعة من الموانع السياسية والاعتبارات الأمنية التكتيكية. الردود الفورية الإسرائيلية على نمط الهجمات من غزة، ورغم أنه يراد منها الإبقاء على وضع الردع؛ غير أنها هي الأخرى تحمل طابع إمكانية التصعيد. مفاد القول في هذه المقارنة هو الاحتمال المتزايد لمواجهة أخرى بين إسرائيل وقطاع غزة، ومرة أخرى دون الرغبة فيها، وربما أيضًا دون رغبة حقيقية من قبل حماس.

وكون الحرب السابقة اندلعت على خلاف رغبة الطرفين، فقد تندلع مرة أخرى، وربما قريبًا أيضًا، وأهداف الحرب القادمة وسيرها لا تخضع لإرادة حكومة إسرائيل الحرة المطلقة أيضًا. أقوال رئيس الحكومة تعكس فهمًا عميقًا لمغزى احتلال غزة بالنسبة لإسرائيل، والذي عدا أثمان القتال سيستلزم أيضًا تكلفة كبيرة بعدها في الحكم المباشر لحوالي مليوني فلسطيني آخرين، والعبء الاقتصادي الثقيل، وارتهان قوات الجيش الإسرائيلي في القطاع لسنوات، وفقدان الإنجازات السياسية والاستراتيجية التي حققها الانفصال؛ رغم عيوبها ورغم فرض أثمان سياسية أخرى على إسرائيل، لكن أيضًا في أقواله تلك تطرق لإمكانية حسم الحرب في حال اندلعت، وزير الأمن اشار قبل دخوله منصبه إلى أن الحرب القادمة في غزة يجب ان تكون الأخيرة لحماس، ومن حينها صرّح عدة مرات بأنه في الحرب القادمة يجب “الذهاب بكل القوة وعدم التوقف حتى يرفع الطرف الآخر الراية البيضاء ويصرخ مستغيثا”، وبناءً عليه فقد تصل إسرائيل من خلال قرار أو في أعقاب تطورات الحرب إلى توسيع العمليات العسكرية حتى احتلال القطاع و/ أو إسقاط حكم حماس.

الأعمال المطلوبة من إسرائيل في سبيل تبطيء التدهور نحو تصعيد آخر تستدعي – بالإضافة إلى الحفاظ على الردع والاستجابة للأنفاق – خطوات حثيثة أيضًا لتخفيف الضائقة الاقتصادية الخطيرة في القطاع، ومنع دفع أزمة إنسانية تتشكل بوضوح أمام أعيننا؛ في هذا الإطار يجب العمل مع شركاء اقليميين (مثل دول الخليج) ودوليين لتخفيف أزمة الرواتب من خلال تقليص خطر استخدام حماس لتلك الأموال لاحتياجاتها والسماح بتصدير البضائع بشكل موسع من قطاع غزة وتقديم حلول بنيوية في مجال المياه بأسرع ما يمكن والطاقة (الكهرباء والغاز) والصناعة (مناطق صناعية) والإسكان وتسهيل خروج المواطنين بشكل متزايد ومراقب من غزة إلى الخارج عبر إسرائيل (بما في ذلك دراسة حلول استثنائية في مجال الطيران) وبالتنسيق مع مصر وعبرها أيضًا وتوفير تصاريح عمل في إسرائيل والدفع باتجاه إقامة ممر آخر للبضائع (في معبر ايرز) على ضوء الحمل الزائد في معبر كرم أبو سالم وإنشاء بنية تحتية لقطار لنقل البضائع إلى هناك من ميناء أسدود بعد المراقبة الأمنية، لكن هذه الخطوات تواجه بتوتر رغبة إسرائيل في إضعاف حماس والاعتبارات الأمنية الأخرى (تقليص تعزيز قوتها ومنع قيامها بعمليات)، ولكن ان تدرس بشكل فوري بسبب الخطر المتزايد للتدهور باتجاه حرب واسعة النطاق أيضًا، والتي ستكون أثمانها أعلى بكثير من ثمن عملية هنا أو هناك، ومن انعكاسات أغلب مجهودات تعزيز قوة حماس في الظروف الحالية. على إسرائيل ان تمسك بزمام المبادرة في هذه المواضيع، وأن تحسن الأوضاع في القطاع على اعتبارات أمنها القومي، وأيضًا في ظل المصاعب التي تضعها السلطة الفلسطينية فوق ذلك كله، اعتبارات لا تخدم إسرائيل، بل وربما تؤدي إلى اندلاع مواجهة أخرى بينها وبين حماس.

بالنسبة للاستعداد للحرب القادمة والوضع برمته، من الصواب العودة إلى المطالب الأساسية في إدارة سياسة على المستوى القومي. سياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة تستلزم نقاشًا في الإطار الأوسع للسياسة الإسرائيلية على الساحة الفلسطينية برمتها على المدى القريب والمدى البعيد، وعلى ضوء العلاقات المتبادلة بين قطاع غزة والضفة الغربية. استعداد إسرائيل للمواجهة القادمة يجب أن يتضمن ليس فقط الاستعدادات العسكرية للحرب وتقوية الجيش الإسرائيلي، والتي هي بالفعل قيد التنفيذ؛ وإنما استعداد الحكومة الإسرائيلية العسكري – السياسي أيضًا وخطوات تعلم وزراء الكابينت ومناقشات الاستعدادات المسبقة وبقية الفجوات المعروفة في عمل الكابينت، هذا الاستعداد يجب ان يشمل مناقشة البدائل المختلفة للسياسة والتحرك وتحديات إدارة الحرب وآليات إنهائها. يجب دفع وتعميق السيناريوهات التي ستقرر فيها الحكومة الإسرائيلية ان تصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي باحتلال قطاع غزة و/ أو إسقاط حكم حماس، وربما أيضًا على خلاف توجهها الأساسي ومصالحها القومية. على ضوء مغازي حكم إسرائيل المباشر الخطيرة لقطاع غزة على حكومة إسرائيل ان تبدأ ومن الآن (أفضل من التأخير) عملية متعددة السنوات صبورة وحذرة، ولكن ضرورية، للمساعدة في بناء قدرات فلسطينية مقبولة للسيطرة على غزة، والتي يمكنها ان تستبدل حماس هناك عندما يحين الوقت وتجتمع الظروف. الاستماع البرلماني والشعبي القليل المخصص الآن لقطاع غزة من الأفضل تركيزه على تطبيق عبر “الجرف الصامد” ممارسة واقعية في ظل تحديات الوقت الحاضر: إبعاد احتمال مواجهة غير مرغوبة أخرى قدر ما أمكن والاستعداد لاحتمال اندلاعها رغم ذلك.

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها




  •