Sunday, April 21, 2019
اخر المستجدات

الخيار الوطني هو القائمة المشتركة!


عماد شقور

| طباعة | خ+ | خ-

عماد شقور

كثيرة، بل كثيرة جداً، هي المواضيع الجديرة ان يتم تخصيص مقال اسبوعي لها: لعرضها، لمناقشتها، لسبر اغوارها، لدراسة انعكاساتها ولاعتماد اختيارها موضوعا رئيسيا لمقال.

من أين نبدأ؟. من عالم اليوم الكبير الواسع؟. من الصين مثلا ونجاحها، قبل اسبوع، في تثبيت اول محطة فضائية في التاريخ على الجانب المظلم من القمر؟ ام من طريقة مواجهة الصين للحرب الاقتصادية والتجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب، عليها، كما على اقرب الحلفاء لأمريكا في العالم، من دول اوروبا الغربية واليابان وغيرها، وكما تساهله (حتى لا نقول اكثر) مع اكثرهم بُعداً وعداءً لها، من روسيا.. وصولا الى كوريا الشمالية؟. ام ما نحن فيه كعرب في عالم عربي يعاني من مصائب ومساوئ لا تحصى؟. ام ما نحن فيه كفلسطينيين، من استقواء بالعدو، واسترزاق من «دول» عربية/اسلامية، بحقائب منتفخة بدولارات مسمومة، عبر بوابة الحليف الحقيقي، (وتسميته «العدو»)، بوابة مطار كان اسمه «مطار اللد» فصار اسمه «مطار بن غوريون»؟. ام من وضع فلسطيني «شرعي»، «نجح» في ترسيخ نفسه «عملاقاً» في «مملكة اقزام»، بعد ان نجح في إقصاء وتسفيه كل قامة وطنية ثورية يمكن لها ان تكون وريثا شرعيا مؤقتا او دائما؟.

[لا استطيع هنا ان أقفز عن ملاحظة: كان ابو عمار، ياسر عرفات، قائدا وزعيما جامعا موحِّدا لأنه نجح في تجميع عمالقة (وليس اقزاما) حوله. من ابو اياد، صلاح خلف، الى ابو جهاد، خليل الوزير. من ابو يوسف النجار الى ابو مازن، محمود عباس، وصولا الى ابو علي اياد، وخالد الحسن، ابو السعيد. من الدكتور جورج حبش، الى نايف حواتمة، وصولا الى ياسر عبد ربه واحمد جبريل. كان ابو عمار الأول بين عمالقة لا اقزام. جمَّعَ.. ولم يفرق. حتى عندما وصمته الجبهة الشعبية في مجلتها «الهدف» ووضعت على غلافها صورته تحت كلمة «المنبوذ»، كان قراره لأجهزة الاعلام التي تأتمر بأمره: لا تتورطوا بالرد بقسوة.. فللجبهة الشعبية قائد هو «حكيم الثورة» جورج حبش.

مرة اخرى: لا استطيع هنا ان أقفز عن ملاحظة: في إسرائيل بنيامين نتنياهو، تتكرر الصورة نفسها. وها هو رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، «عملاق» في حارة من «الأقزام»، حيث انه نجح في إبعاد كل من يمكن ان يكون وريثا شرعيا قويا له، سواء كان في أي من اذرع السلطة العسكرية والأمنية وغيرها، كما نجح في حرق كل من يمكن ان يكون مؤهّلا من قيادات واعضاء حزبه، الليكود، لوراثته. لكن هذا ليس موضوعنا الآن].

من كل هذا نصل الى ما اعتقد ضرورة التركيز عليه. ففي إسرائيل جو انتخابات برلمانية، حدد لها يوم التاسع من ابريل /نيسان القادم. وكل حدث في إسرائيل يهمنا. سواء كان ذلك حرب على غزة، او اقتحام إسرائيلي لأي من مواقع ومقرات السلطة الفلسطينية في رام الله، او أي قرية او مخيم في الضفة الغربية، (ومنها القدس العربية)، او انتخابات برلمانية، او أي حدث يمكن للآخرين البعيدين عن نار الاحتلال والاستعمار ان يعتبروه حدثا بلا قيمة، هو حدث وخبر جدير بالاهتمام بالنسبة لنا.

المطلوب هو التأثير في السياسة الإسرائيلية لما فيه مصلحة الاقلية القومية العربية في إسرائيل، والمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، كما تمثلها الجبهة في اسمها الرسمي: «السلام والمساواة»

في هذه الانتخابات البرلمانية، التي تهمنا كثيرا، وقع ما هو متوقع. انفصل عضو الكنيست، د. احمد الطيبي، من القائمة العربية المشتركة. لم يكن الخبر مفاجئا لكثيرين. فبحسب بعض استطلاعات الرأي، يمكن للقائمة المشتركة ان تخسر شيئا من قوّتها، وتحصل على احد عشر مقعدا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، بدل الثلاثة عشر مقعدا الحالية. وطبيعي ان يفرَّ عدد من «قاطني» السفينة، عندما يعتقدون، مصيبين او مخطئين، ان السفينة بدأت في المَيَلان ومواجهة المصاعب، وبغض النظر عن اسباب ذلك، وعن هوية المسبّبين.

لا يجادل عاقل بضرورة تواصل توجيه الملاحظات والنقد لكل خطأ ترتكبه القائمة المشتركة. لكن هذا شيء، والعمل على تحطيم القائمة شيء آخر تماما. وكما قال رئيس القائمة المشتركة، ايمن عودة، فان صاحب المصلحة الأول في تفسيخ القائمة هو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية وعنصرية وعداء للفلسطينيين، بنيامين نتنياهو، وان الاكثر استفادة من إضعاف تماسك ووحدة الجماهير العربية الفلسطينية الذين يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية، هو اليمين الإسرائيلي العنصري والفاشي.

لم يكن تماسك الاقلية الفلسطينية في إسرائيل، منذ انشائها وحتى اليوم، وفي كل مرحلة من مراحل رحلة العذاب المتواصل، في تعامل السلطات الإسرائيلية مع هذه الاقلية الوطنية والقومية، امرا ثانويا. فهو مطلب ومصلحة عليا دائمة. هذا لا يعني ابدا إلزامية ان يكون الإجماع حول أيٍّ من امور الحياة، هو المطلب والهدف. التماسك والإجماع مطلوب وضروري ولا غنى عنه في قضايا محددة قليلة العدد، عظيمة الأهمية. لكن اعتبار الإجماع حول كل قضية وقضية، يشكل سببا اكيدا للشَّلل والفشل المضمون. فالمجتمع الفلسطيني في إسرائيل مثل كل مجتمع آخر في العالم: فيه اليسار وفيه اليمين، فيه تعدد العقائد، فيه المتدين وفيه العلماني والملحد ايضا، فيه الذي يقدّس الماضي والتاريخ ويقف (والأصح: يقعد) عنده، وفيه من يعيش العصر وعيناه على المستقبل والتطور في كل مناحي الحياة. هذا شيء طبيعي، والاختلاف والخلاف والتنافس امر طبيعي وضروري ومطلوب. تداول المواقع بين المتنافسين استنادا الى الاغلبية والاقلية في أي انتخابات هو ايضا امر طبيعي وضروري ومطلوب. تحديد الخط السياسي والموقف من كل قضية مطروحة، استنادا لنتائج التصويت داخل كل إطار، هو ايضا وايضا امر طبيعي وضروري ومطلوب.

لكن عندما تكون القضية المطروحة من النوع الذي نحن بصدده، فإن الاجماع هو مصلحة وطنية عليا، لا يجوز الخروج عليه. فالكل يعرف ان حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المتطرف والعنصري، ورئيسه، افيغدور ليبرمان، كان صاحب اقتراح قانون رفع «نسبة الحسم» لانتخابات الكنيست، من 2٪ الى 3.25٪، الامر الذي يعني ان أي حزب او قائمة لا يحصل على نسبة الحسم الجديدة، (وهي ما يعادل اكثر من 150 الف صوت من الاصوات الصالحة، لا يتم تمثيله في الكنيست، وتتوزع الاصوات التي حازها على الاحزاب الكبيرة)، وهذا ما كان يعني في حينه، قبل اربع سنوات، ان الحزب العربي الوحيد المؤهل لايصال مرشحيه الى عضوية الكنيست، هو «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، في حين تضيع كل الاصوات العربية الموزعة على بقية الاحزاب الثلاثة الأخرى، التي انضمت الى القائمة المشتركة بقيادة «الجبهة» ورئيسها الواعد، ايمن عودة، واحدثت نقلة نوعية في التمثيل العربي في الكنيست، حيث اصبحت الكتلة الثالثة حجما فيها.

على ان هذا المكسب الكبير ليس كافيا. المطلوب هو التأثير في السياسة الإسرائيلية لما فيه مصلحة الاقلية القومية العربية في إسرائيل، والمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، كما تمثلها الجبهة في اسمها الرسمي: «السلام والمساواة». نعود ونكرر: التماسك والوحدة مطلب وطني اساسي. «الإجماع» مطلوب في حالات نادرة. كسر الإجماع في مثل هذه الحالات ليس عملا وطنيا، بل هو عمل يصب في مصلحة اليمين العنصري الفاشي الإسرائيلي، حتى ولو حاول التلطّي خلف مقولات وشعارات وطنية.