Sunday, May 19, 2019
اخر المستجدات

“انتفاضـــة” تتكيّف مع الواقع


| طباعة | خ+ | خ-

 هاني المصري

هل ما يجري في القدس هبّة، أم انتفاضة، أم مقدّمة لاندلاع انتفاضة، أم “انتفاضة” تناسب الواقع القائم وتتكيّف معه؟
الكثير مما يحدث يشير إلى أن ما يجري شكل من أشكال الانتفاضة، ولكنّ غياب القيادة والهدف والتنظيم وعدم مشاركة الشعب كله؛ يجعل ما يجري هبّات محليّة ومتقطعة ووتائرها متباينة جدًا من منطقة إلى أخرى. ففي القدس هناك حالة انتفاضيّة، أما في المناطق الأخرى فهناك هبّات متقطعة ومتفاوتة الحدّة.
ليس من المتوقّع أن تأتي الانتفاضة الثالثة على غرار الأولى أو الثّانية، فالحقائق والخبرات والظروف، المحليّة والعربيّة والدوليّة، مختلفة تمامًا. فهناك منطقة تخضع للضم الذي هو أكثر من الاحتلال مثل القدس، ومنطقة تقع تحت السيطرة الكاملة مثل الأغوار وما تسمى مناطق (ج)، ومنطقة خاضعة للسيادة الإسرائيليّة، ولكن السلطة تتولى صلاحيات معينة، وتقوم بالتنسيق الأمني، بينما قوات الاحتلال غير متواجدة بشكل دائم وإنما تعتقل وتداهم وتقتحم عند الحاجة مثلما يحدث في المدن، أما قطاع غزة فهو يخضع للاحتلال عن طريق الحصار والعدوان والتوغلات ما بين فترة وأخرى.
بعد أوسلو والانقسام المدمّر نشأت طبقة واسعة نسبيًّا داخل السلطة وخارجها لها مصلحة ببقاء الوضع على حاله وتعارض اندلاع انتفاضة، أما الرئيس فتعهّد بعدم اندلاع انتفاضة في عهده، بينما الفصائل التي تقود الانتفاضات في حالة يرثى لها؛ فالانتفاضة تأتي على صورة هذه الخصائص، لذلك أخذت عناوين متعددة، وتأخذ شكل الموجات والهبّات الشعبيّة، وحتى شكل “انتفاضة” في مناطق معينة، فشهدنا هبات لنصرة الأسرى وضد الاستيطان ودفاعًا عن غزة التي تعرضت لثلاثة اعتداءات وحشيّة، كان آخرها الأكثر إجرامًا، أما الآن فنشهد “انتفاضة” القدس.
إن الانتفاضة القادمة ليس من الضروري أن تستمر لسنوات، بل قد يكون من المناسب أن تأخذ شكل الموجات المتتابعة التي تحمل عناوين مختلفة، وتأخذ في كل مرة استراحة المحارب لتعاود انطلاقتها من جديد، إذ تراكم كل هبة وانتفاضة على ما حققته الهبات والانتفاضات السابقة من إنجازات شرط أن يكون لها هدف وقيادة وجبهة وطنيّة وتنظيم يضمن لها الانتصار في النهاية.
على أهميّة التسمية إلا أن الأمر الأهم ليس أن نسمّي ما يجري في القدس “انتفاضة” أو لا، وإنما أنه حلقة جديدة من الصراع على القدس تفجّرت بعد أن وصلت الأمور إلى مرحلة لم يعد فيها الإنسان المقدسي قادرًا على الاحتمال. فبعد أكثر من سبعة وأربعين عامًا على احتلال القدس وضمها لإسرائيل وإعلانها عاصمة موحدة وأبديّة لها، وبعد أكثر من عشرين عامًا على توقيع “اتفاق أوسلو”، الذي فصل ما بين الأراضي المحتلة العام 1967 وبين القدس، عندما لم تضم القدس الشرقيّة إلى المناطق المصنفة (أ)، التي من المفترض أن تكون خاضعة للسلطة الفلسطينيّة؛ لا تزال القدس تتعرض إلى أعمال منهجيّة متواصلة تستهدف تهويدها وأسرلتها، وطرد أكبر عدد ممكن من سكانها من أجل الوصول إلى وضع يكون فيه الفلسطينيون في القدس أقليّة صغيرة تخضع لإرادة الأغلبيّة اليهوديّة.
وصل المقدسي إلى الإحباط التام من إمكانيّة تغيير الجحيم الذي يعيش فيه، بل وجد أن الأمور تسير باستمرار نحو الأسوأ، خصوصًا بعد إحراق وقتل محمد أبو خضير، وتصاعد اعتداءات المستوطنين المدججين بالأسحلة، وبث وتعميم خطاب القتل الذي لا يخشى مرتكبه من العقاب، إذ أصبحت الاعتداءات على الأشخاص والممتلكات والشجر والحجر والمقدسات روتينًا يوميًّا.
وعانى المقدسيّ من خشية قيادته من المجابهة وعجزها عن حمايته، أو تقديم طريق لإنقاذ القضيّة، بعد وصولها إلى حائط مسدود، ومترددة في اختيار طريق جديد، ولا تملك إلا الشجب والاستنكار قبل تحمّلها لمسؤوليّاتها، والاتكاء على الأردن والعرب والمسلمين في وقت لا يلبوا فيه النداء.
إزاء كل ذلك وفي ظل استمرار الانقسام الذي يحول دون اندلاع الانتفاضة لأنه يستنزف الطاقات الفلسطينيّة في صراع داخلي، وبرغم الأهوال والمخاطر؛ لم يجد المقدسي سوى التحرك في شكل جديد من الانتفاضة يتناسب مع الواقع الذي لا تبادر فيه القيادة ولا تقوم القوى بواجبها بتوفير الحماية أو قيادة المجابهة المفروضة على الشعب الفلسطيني فرضًا، لأن عدم المجابهة يعني الانتصار التام للمشروع الاستعماري الاستيطاني، فعندما تغيب القيادة والقوى يتحرك كل فرد للدفاع عن نفسه بالطريقة التي تناسبه.
بدلًا من شق مسار بديل من مسار المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة انفراديّة، يتنبى المقاومة بكل أشكالها، بما فيها السلميّة والشعبيّة والمسلّحة، التي تستند إلى الحقوق الفلسطينيّة وإلى القانون الدولي الإنساني، وإلى مرجعيّة وطنيّة واحدة تحدد أشكال المقاومة المناسبة لكل مرحلة ولكل تجمع فلسطيني؛ نرى أن الواقع مختلف تمامًا، فهناك إدانة للمقاومة المسلحة برغم أنها حقٌ مقرٌّ، أو لما يسمى استهداف “المدنيين”، وكأنّ الصراع بين دولتين متكافئتين لهما جيشان، أو كأن من ينفذ العمليات فصائل لديها قيادة وإمكانيات وخبرات وليسوا أفرادًا يقومون بما يستطيعونه ضد عدو، لا تستطيع أن تميز فيه بين المدني والعسكري، وبين رجل الدين والأماكن الدينيّة وبين العسكريين والثكنات العسكريّة حين يكون رجال الدين رأس حربة المشروع الاستعماري العنصري، وبعد أن أصبح الاعتداء على الأقصى عملًا يوميًا. ويجري تحت عناوين مختلفة نزع البطولة عن هذه العمليات الفدائيّة، والتمييز المفتعل بين المقاومة والانتقام، والحديث عن المقاومة المجديّة وعن تلك غير المجديّة، والتنكر للانتفاضات السابقة.
لا يمكن لوم الذي يغرق إذا حاول أن يتعلق بأي شيء يساعده على النجاة من الغرق بأي وسيلة ممكنة، وعندما تغيب المنظمة المؤسسة الوطنيّة الجامعة والقيادة والفصائل والاتحادات والنقابات والانتفاضة التي لها هدف واحد وتنظيم وجبهة وطنيّة، أي روافع سياسيّة وتنظيميّة واقتصاديّة … ستكون الانتفاضة انتفاضة أفراد. وهي انتفاضة يأس أكثر ما هي انتفاضة أمل، بينما الانتفاضات الكبرى القادرة على الانتصار يحركها الأمل. وفي غمرة المواجهة تتبلور القيادة القادرة على إعادة الاعتبار للأمل، وتعيد الأمل وتثق بقدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود حتى يأتي وقت الانتصار.
بدلًا من نعي الانتفاضة قبل أن تبدأ، ورفض شكلها المسلح بالمطلق، يجب على النخب والقيادات المساهمة في توفير شروط انتصارها ومنع تحوّلها إلى فوضى، فأشكال النضال لا تتوقف على طرف وحده، فعندما يرتكب الاحتلال كل أنواع الجرائم بمعدلات غير مسبوقة وتغدو العنصريّة قانونًا بما لا يدع مكانًا للفلسطيني على أرض وطنه؛ لا يمكن استبعاد المقاومة المسلحة بشكل كامل.
كما يجب الشروع في حوار وطني يبدأ بتحديد هل الفلسطينيون بحاجة إلى انتفاضة أم لا، أم إلى التخلي عن التزامات أوسلو بصورة فوريّة كاملة أو بالتدريج؟ وإذا كان الجواب نعم كما تشير مختلف المؤشرات، يصبح الحوار حول الأشكال المناسبة والمدى الزمني الذي تستمر فيه، والهدف الذي تسعى لتحقيقه، أي توفير شروط انتصارها حتى لا تكون إذا اندلعت – وحتمًا ستندلع عاجلًا أم آجلا – مجرد صفحة مجد جديدة.
بالرغم من كل ما سبق، نلاحظ أن الارتباك يظهر على الحكومة الإسرائيليّة جراء الخسائر الناجمة عن المقاومة، وتتفاقم الخلافات في إسرائيل حول تقييم ما يجري وكيفيّة التعامل معه، حتى لا يكبر ويغدو انتفاضة عارمة شاملة. فقد وصلت الخشية من “الانتفاضة” المقدسيّة إلى حد لوم الحكومة وسياساتها المتطرفة والعنصريّة الزاعمة بتوحيد القدس، فيما تبدو هي الآن مقسّمة أكثر من أي وقت مضى. كما أن هناك خشية في إسرائيل من استمرار الانتفاضة وتصاعدها ومن تداعياتها العربيّة والإسلاميّة والدوليّة، لأن قضيّة فلسطين والقدس في قلبها توحّد العرب والمسلمين والأحرار المتضامنين مع القضيّة الفلسطينيّة التحرريّة العادلة.
إن تفجر الصراع بالقدس يمكن أن يخلط كل الأوراق والمعادلات القائمة، ويقلب الموقف ضد مصالح وأهداف إسرائيل ومن يدعمها، ويمكن أن يدفع الأمور نحو الفوضى بما يحقق الأهداف الإسرائيليّة. فهل نجرؤ على الاختيار الصحيح أم يقضي علينا الانقسام والخشية من المجابهة المفروضة؟.