Saturday, December 15, 2018
اخر المستجدات

حوار القاهرة: فرص النجاح تعادل احتمالات الفشل


هاني المصري

| طباعة | خ+ | خ-

هاني المصري

أنهى وفد حركة حماس لقاءاته في القاهرة يوم الخميس الماضي، في جولة جديدة ترعاها جمهورية مصر العربية، في حين بدأ وفد حركة فتح لقاءاته يوم الأحد، ومن المتوقع أن يكون قد أنهاها مع أو قبل نشر هذا المقال.

منذ زمن بعيد لم تعد جولات الحوار تثير الاهتمام السياسي والجماهيري، مع أنها لا تزال تحظى ببعض الاهتمام الإعلامي، وذلك لا يعني بأن الوحدة لم تعد مهمة، وإنما لأن الناس فقدت الأمل بتحقيقها، وسئمت من الحوارات التي لا تنتهي، ومن الاتفاقات التي لا تُطبق، وعدم وضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفردية والفئوية والفصائلية .

ما نصيب هذه الجولة من النجاح؟

إن عدم الاتفاق على لقاء ثنائي بين حركتي فتح وحماس حتى الآن نذير شؤم، يدل على أن فرص النجاح في أحسن الأحوال تساوي فرص الفشل، حيث لا تزال اللقاءات تجري بصورة مكوكية بواسطة المصريين الذين يلتقون كل وفد على حدة، وهذا واقع الحال منذ فشل اتفاق 2017، لا سيما منذ تفجير موكب رئيس الحكومة في آذار 2018. وقد أشارت مصادر إلى أن الخلية الإسرائيلية التي كشفت مؤخرًا في غزة يمكن أن تكون مسؤولة عنه، وهذا يعني أن “حماس” ليست مسؤولة عن هذا الانفجار الذي تضررت منه أكثر من أي طرف آخر، وأن جهاز المخابرات ليس مسؤولًا عنه، فلا يعقل أن ينفذ الجهاز تفجيرًا في موكب يضم رئيسه.

فرص النجاح والفشل قائمة

فرص النجاح قائمة لأن مصر الراعية للحوار تريد إنجاح جهودها لكون الفشل يلحق الضرر بدورها ومصداقيتها، ولأن الفشل يهدد بانهيار معادلة “الهدوء مقابل تخفيف الحصار” التي نجحت بالتوصل إليها، ويقود إلى انهيار القطاع وانفجاره، واندلاع مواجهة فلسطينية إسرائيلية.

تعمل مصر للحفاظ على تلك المعادلة وتطويرها لتصبح هدنة طويلة مقابل رفع الحصار وصفقة جديدة لتبادل الأسرى، وذلك للحفاظ على التقدم الملموس في الأمن بسيناء الناتج عن تجاوب “حماس” وتعاونها مع المصريين.

كما ترى مصر أن معادلة الهدوء تساعد على إحياء ما سمي “عملية السلام” الرامية إلى قيام الدولة الفلسطينية، التي تراها القاهرة ضرورة للأمن القومي المصري، كونها تمنع رمي قطاع غزة في حضنها ولا بعيدًا عنها. ويعزز فرص النجاح هذه أن مصر لا تجد أن السلطة حتى الآن وإلى إشعار آخر يمكن أن تكون بديلًا من حماس، لذا اختارت احتواء “حماس” والاعتراف بدورها وتمكين السلطة من العودة بصورة تدريجية.

ويمكن أن تنجح هذه الجولة لأن السلطة تجد نفسها في وضع صعب جراء مسائل عدة، منها البدء بتحقق فصل الضفة عن القطاع، خصوصًا بعد دخول الوقود والأموال القطرية إلى غزة بموافقة إقليمية ودولية، ما يهدد بإضعاف السلطة، لا سيما إذا نفذت إسرائيل تهديدها واقتطعت جزءًا من أموال المقاصة التي تجمعها وحولتها إلى غزة.

كما يمكن أن تنجح جولة المصالحة لأن “حماس” تعيش شعورًا مزدوجًا، فهي تشعر من جهة بنشوة الإنجاز بعد المواجهة الأخيرة وكشف الخلية الإسرائيلية التي تغلغلت في القطاع، ومن جهة أخرى تخشى من الانتقام الإسرائيلي، ومن المواجهة القادمة التي يجب عمل كل ما يلزم لتفاديها، مع الاستعداد لخوضها إذا فرضت عليها وعلى الفلسطينيين.

خطر الفشل قائم

لا يزال خطر فشل الحوار هذه المرة كبيرًا، ولا يقل عن فرص النجاح، لأن “حماس” متمسكة بتطبيق جميع الاتفاقات، لا سيما اتفاق 2011، لأنها تريد الاحتفاظ بغزة والحصول على مكاسب إضافية، ولا تريد خسارة غزة من دون الحصول على أي شيء في المقابل، لذا أقصى ما وافقت عليه وما قدمته من مرونة هو عودة حكومة “الوفاق الوطني” إلى القطاع وتمكينها، مع ضرورة الاتفاق على تسديد رواتب موظفيها ورفع الإجراءات العقابية عن غزة، وعلى معنى “التمكين”، مقابل الشروع في مشاورات تشكيل حكومة وحدة وطنية على أن تنتهي في مدة أقصاها ثلاثة أشهر.

أما الرئيس و”فتح” فمصرّان على “تمكين الحكومة” أولًا لاستعادة غزة إلى بيت الطاعة، وحتى لا تصبح الحكومة “طربوشًا” يغطي على واقع استمرار سيطرة “حماس” على القطاع، مع إبداء مرونة بالموافقة على بدء المشاورات لتشكيل حكومة وحدة، على ألا تشكل إلا بعد إتمام “التمكين”، بما يشمل الوزارات والجباية وسلطة الأراضي والقضاء، ووافقت على تأخير البحث في الأمن، وخصوصًا سلاح المقاومة.

أما مصر فجهزت طواقم مصرية لمساعدة عملية تمكين الحكومة من التمكين، وحلحلة مسألة رواتب الموظفين الأمنيين، بحيث تقطع من أموال يتم الاتفاق عليها إلى حين انتهاء الاتفاق على مسألة الموظفين المدنيين والأمنيين الذين عيّنتهم “حماس”.

النجاح لا يعني إنهاء الانقسام

تأسيسًا على ما سبق، لا تزال الهوة شاسعة، والنجاح عبر المقاربة الحالية (تمكين الحكومة أولًا) – على أهميته – لا يعني إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإنما قد يكون استراحة جديدة ستكون معرضة للنجاح إذا أدت إلى تشكيل حكومة وحدة بسرعة، أو للانتكاس كسابقاتها كونها تتجاهل ما يأتي:

– إن تمكين الحكومة الحالية ليس المدخل المناسب، وإنما تشكيل حكومة وحدة، خصوصًا إذا لم يرافق ذلك اتفاق تفصيلي على معنى “التمكين” وخطواته ومراحله وسقفه الزمني، وإذا لم يتم الاتفاق منذ البداية على خط النهاية الذي يجب أن يتضمن تحقيق حل الرزمة الشاملة على أساس معادلة “لا غالب ولا مغلوب”.

– إعادة بناء مؤسسات المنظمة بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، وعلى أساس الحقائق الجديدة والخبرة المستفادة، وإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها، بما يتضمن إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتوحيدها وإصلاحها على أسس مهنية بعيدًا عن الفصائلية.

فمن الخطأ أن تبقى السلطة على ما هي عليه بعد أن تجاوزت إسرائيل اتفاق أوسلو، وبعد أن حصلت الدولة الفلسطينية – التي هي حق طبيعي أولًا وجزء من تقرير المصير – على الاعتراف الأممي ولو بصفة عضو مراقب.

– عدم الاتفاق منذ البداية على ماذا سيقدم كل طرف وماذا سيأخذ. فلا بد من الاتفاق على مبادئ وخطوط توجيهية، لتكون مرجعية تحكم عمل الحكومة القائمة أو المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة.

– أولوية الاتفاق على البرنامج السياسي بوصفه مفتاح الوحدة، وخصوصًا على كيفية التعامل مع التزامات أوسلو السياسية والاقتصادية والأمنية، وعلى كيفية التعامل مع صفقة ترامب والتطبيع العربي مع إسرائيل، وعلى قانون القومية العنصري والمخططات الاستعمارية الاستيطانية.

– الشروع في حوار وطني شامل، وتشكيل لجنة حكماء فلسطينية لمواكبة الحوار وتطبيق الاتفاق. فالحوار الشامل ضروري لمشاركة مختلف الأطراف، ولضمان كسر حالة الاستقطاب الثنائي واحتكار الحوار، بما يهدد دائمًا بالاتفاق على المحاصصة الثنائية. فلا بد من وقف التعامل مع الفصائل والمؤسسات والقطاعات والشخصيات الأخرى كملحق أو كشاهد زور أو كطرف مضمون تأييده لما تتفق عليه حركتا فتح وحماس، مع الاعتراف بأنها تتحمل قسطًا وافرًا من مسؤولية القبول بكيفية التعامل معها.

– الاتفاق على أسس وقواعد الشراكة في مرحلة التحرر الوطني، وعلى القيم والأهداف وأشكال النضال الأساسية في هذه المرحلة، فمن دونها لا يمكن أن تصمد المصالحة، ولا أن تتحول إلى وحدة حقيقية .

ما سبق لا يتعارض، بل يتطلب العمل لوقف التدهور وخلق مناخ من الثقة ووقف التحريض الإعلامي والشيطنة المتبادلين، وتحقيق العدالة الانتقالية، واحترام حقوق المواطن وحرياته، ومساءلة ومحاسبة كل من يعتدي عليها، وتقليل مساوئ الانقسام ومخاطره، ومنع تحوله إلى انفصال.

كما لا يعني أن شعبنا عليه أن ينتظر تحت الاحتلال والحصار إلى أن ينتهي الانقسام، بل إن الكفاح ضد الاحتلال والحصار والاستيطان لا يقبل الانتظار. فالوحدة لا قيمة لها إن لم تتحقق في غمار مواجهة التحديات المطروحة على الشعب الفلسطيني.

اختبار حل الرزمة الشاملة

لم يجرب حل الرزمة الشاملة حتى الآن، فقد جُرّب تشكيل حكومة وحدة أو وفاق وطني، واللجوء إلى الانتخابات، وإدارة الانقسام والمحاصصة، وكلها أوصلتنا إلى ما نحن فيه. فلماذا لا تعطى الفرصة لحل الرزمة الشاملة، التي تتضمن منظمة واحدة وبرنامج يجسد القواسم المشتركة، وسلطة/دولة تخدم المنظمة والبرنامج المشترك تقودها حكومة وحدة وطنية، وقيادة موحدة واحدة وسلاح واحد، من دون هيمنة أو تفرد أو إقصاء، وعلى أساس تجسيد شراكة حقيقية من خلال ديمقراطية توافقية تناسب المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، والاحتكام إلى الانتخابات الدورية على كل المستويات بعد توحيد المؤسسات وتحقيق الوفاق الوطني.

لا تعني الرزمة الشاملة تطبيق بنودها المختلفة مرة واحدة، بل يمكن أن تُطبق بالتدريج والتوازي، ولكن ضمن جدول زمني ملزم ومتفق عليه، مع توفر حاضنة فلسطينية ومصرية وعربية.

لمن يقول إنّ الوحدة الوطنية مستحيلة التحقيق، نقول له: نعم، إنها صعبة جدًا وتحتاج إلى وقت، ولكن من يجعل حزب الله وحزب “القوات اللبنانية” في حكومة واحدة أكثر من مرة، يمكن أن يحقق الوحدة بين الفصائل والقوى الفلسطينية، وهذا يتطلب وعي وإرادة، وضغط، وإجراء تغيير متراكم في خارطة وموازين القوى الداخلية، من خلال تبلور قطب ثالث عابر للتجمعات والأحزاب والأيديولوجيات جوهره العمل على إحياء الوطنية الفلسطينية المهددة.