Tuesday, June 27, 2017
اخر المستجدات

طيور الحسون.. تهريب يُكسب ذهبًا


طيور الحسون.. تهريب يُكسب ذهبًا

| طباعة | خ+ | خ-

داليا الأحمد – فلسطين

“صحيح انمسكوا مهربين أو ثلاثة هالشهر بس بالمقابل كثير حساسين نفدوا واتهربوا. سوق سودا هاي!” يقول المهرب م.ع، تعقيبًا على أخبارٍ تداولتها وسائل إعلامٍ محليةٍ وإسرائيليةٍ مؤخرًا، مفادها أن “سلطة الجمارك الإسرائيلية” أحبطت محاولات تهريب طيور الحسون من الأردن إلى فلسطين، عبر ممر جسر الملك حسين. فما أسرار هذه المهنة؟ ولماذا الحسون تحديداً؟

بعد محاولاتٍ صعبةٍ ووعودٍ بضمان السرية، وافق أخيرًا أن يشاركنا الشاب م.ع، من محافظة جنين، أحد مهربي طيور الحسون، بعض تفاصيل مغامراته في هذا “الكار” الذي بدأه حديثًا، منذ ثلاثة شهور تحديداً. هرًب فيها ما يقارب 80 حسوناً ولا يزال مستمراً حتى اللحظة. “ناوي أكمل بس تهدى الحملة شوي”.

أدمنت التهريب

“البري”، “أبو سنة”، “قمحة”، “حشيش”، كلها أسماءٌ مستعارةٌ يستخدمها م.ع أثناء عملية شراء الحسون في الأردن وبيعه في الضفة الغربية، إذ تتطلبها طبيعة العمل السري، كما يصفه. ويستخدم المهرب أحيانًا أسماءً عاديةً وعامةً خلال تعاملاته مع البائعين والمشترين، مثل “عمر وأحمد” المهم ألا يُعرف اسمه الحقيقي خشية التبليغ عنه.

يُخدر المهربون طيور الحسون عند نقلها من الأردن لفلسطين، ويضعونها في ثيابهم ثم يبيعونها مستخدمين أسماءً سريةً

وعن تفاصيل العملية يحدثنا م.ع مبينًا، “بتفق مع البائع يلاقيني بسيارته في عمان وبنتوجه للجسر. بتكون معانا العصافير بالقفص وبنكون قدمنالها المادة المخدرة”. يخبئ المهرب العصافير النائمة، التي عادة ما يختارها صغيرة الحجم والسّن، بعد أن خدّرها، داخل قطعتي قماش معدتين خصيصًا، يرتديهما في ساقيه وتكون شبيهة بالجوارب مع فتحات للتهوية كي لا تختنق الطيور. وعادة ما يهرب قرابة العشرة عصافير لا أكثر؛ كي لا يفتضح أمره.

ويضيف، “في ناس بتهرب جوا شبك بخيطوه على الحزام أو البطن، وفي طرق ثانية مش حابب أكشفها”. ثم يتابع، “بتكون سيارتي بالاستراحة في الضفة فيها قفص جاهز، بركبها وبسرعة بوقف في أريحا شوي، بطلّع العصافير وبحطها بالقفص وبكمل المشوار، وبعدين بتبلش العصافير تصحى”.

يؤكد م.ع على إدمان الناس صوت هذا الطائر وإقبالهم الكبير عليه، ما يجعل الإقبال على تهريبه كبيرًا أيضًا، “اللي خلاني أتوجه لهاي التجارة هو صديق من بلدي، وشفت إنها الشغلة بتربح كتير. بشتري الحسون من الأردن بثلاث دنانير بس، وببيعه هون أقل شي بـ300 شيكل”.

تجارة رابحة

يعد طائر الحسون الذهبي من أشهر طيور الزينة في فلسطين، بريشه البراق، وألوانه الزاهية، وتغريده العذب الذي يحاكي معزوفةً موسيقيةً تسر السامعين، ما جعله هدفًا للصيادين والمتاجرين في السوق السوداء، طمعًا في أن يدرّ عليهم أرباحًا طائلة.

وتختلف أسعار الحسّون باختلاف مواسمه، وحجمه، وشكله، وقوة تغريده، حسبما أخبرنا سامر الغول، وهو تاجر طيور في مدينة جنين. إذ يتزايد الإقبال على شراء هذه الطيور البرية في مواسم التزاوج.

ويوضح الغول، أن سعر الحسون يرتفع في السوق خلال شهري آذار/مارس ونيسان/إبريل، إذ يكون مفقودًا ولا مجال لصيده، في حين يرخص سعره في شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر، إذ يكون صغيرًا “فراخ” حينها.

وعن أنواع طيور الحسون التي يتم تهريبها، يخبرنا الغول، أن الأوكراني هو المفضل عند التجار والباعة، “الحسون المعروف بالسوق واللي بهربوه الشباب كثير هو النوع الأوكراني، وممكن يوصل سعره سبعة آلاف شيكل عنا بفلسطين. في المقابل نشتريه من الأردن بـ200 دينار”.

ويبين الغول، أن طبيعة فلسطين أصبحت تفتقر إلى هذا الطائر لكثرة الصيد الجائر، بالإضافة إلى أن الصيد البري غير مضمون الربح، فالحسون طيرٌ بريٌ غير معتادٍ على الأقفاص. “يعني مثلاً الواحد بصيد 20-30 حبة، بموت منهم كثير عشان مش متعودين على الحبس، وبجوز يطلع منهم 10 حبات بس. يعني مخسر”.

الحسون البري لا يعيش في أقفاص، وهذا زاد قيمة الحسون البيتي فارتفع سعره، وأصبح تهريبه لفلسطين يُكسب ذهبًا

وترفع هذه الخاصية أهمية الحسون البيتي، الذي يعيش ويتكاثر في مزارع خاصةٍ تعطيه امتيازًا وسعرًا عاليًا في السوق، “كل ما يطوّل الحسون بالقفص، سعره بغلا (يرتفع)”. قال الغول.

وفي نهاية مقابلتنا معه، أعلمنا الغول أنه انتهى للتو من صفقة مع أحد المهربين، إذ اشترى منه أربعة طيور حسون. “أجا أعطاني العصافير وهو طالع على الأردن اليوم، يقعدلوا يومين يجيب كمان عصافير ويرجع”.

خلل قانوني وبيئي

يساهم انتشار الأسواق غير الشرعية للتجارة بالطيور في أنحاء فلسطين، في ازدياد إقبال الناس على صيد الطائر الذهبي وتهريبه، كما أوضح مدير جمعية الحياة البرية عماد الأطرش.

وتواجه الطبيعة الفلسطينية تهديدًا ينقسم إلى شقين، حسب قول الأطرش، أحدهما الصيد الجائر الذي يهدد مصير الطائر الذهبي بالانقراض، فأعداد الحسون في تناقصٍ مستمرٍ ومتسارع. كما أن التركيز على صيد الذكور دون الإناث يسبب خللاً في التوازن البيئي والتنوع الحيوي.

أما الشق الثاني فيتمثل في تزويج ذكور الحسون من إناث الكنار، وهي عصافير قريبة وراثيًا من طائر الحسون، فينتج عن هذا التهجين الطائر “البندوق” أي المهجّن، ليتم بيعه وتربيته في المنزل عند عشاق الطيور، وهذا يؤدي إلى حدوث خللٍ يتمثل في عدم الحفاظ على الجنس.

وأشار الأطرش إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض عقوباتٍ رادعةٍ على صائدي الحسون البري والمتاجرين به، قد تصل إلى الحبس مدة ستة أشهرٍ وغرامة مالية قدرها 1200 دولار. أما القانون الفلسطيني، فلا عقوباتٍ رادعةٍ فيه، أو لوائح تنفيذيةٍ لهذه المخالفات، رغم نص القانون على منع التجارة وصيد الحيوانات والطيور البرية المهددة بالانقراض.


  • إعلانات