Sunday, March 24, 2019
اخر المستجدات

عن ماذا تبحث مخابرات الاحتلال في كاميرات المراقبة في رام الله؟


عن ماذا تبحث مخابرات الاحتلال في كاميرات المراقبة في رام الله؟

| طباعة | خ+ | خ-

بعيدا عن المنطق النظري العام في تعريف كاميرا المراقبة من حيث حقيقتها وأهدافها، إلا أن كل النظريات الأمنية تقدّم مفهوم الردع في التعريف على أهداف كاميرا المراقبة. وتتعامل معها الأجهزة الأمنية حول العالم على أنها أداة لردع “الجناة المحتملين” الذين يعتقدون أن الكاميرا لها قدرة على التقاط أفعالهم. وبالتالي فإن أهداف هذه الكاميرات في الأساس الردع وبدرجة ثانية تحليل الحدث الأمني.

هذه الافتراضات حول قدرة كاميرات المراقبة على الردع، كانت حصيلة دراسات وأبحاث غربية، ليس آخرها دراسة للباحث السويدي “مايكل بريكس” أجراها في عام 2015 حول تأثير كاميرات المراقبة على الحد من “الجريمة” في نظام مترو أنفاق ستوكهولم، حيث تم تركيب كاميرات المراقبة في عام 2006، وفي فترة قياسية انخفض مستوى “الجريمة” إلى 25% في النظام.

في السياق الفلسطيني، تفترض النظريات الأمنية الإسرائيلية أن كاميرات المراقبة وانتشارها الكبير، يؤسس لتقديرات “عقلانية” لدى المقاومين بأن فرص الوصول إليهم كبيرة. وأن المقاوم الفلسطيني يقع في دائرة موازنة المنافع والمفاسد المترتبة على العمل المقاوم الذي سيقوم به، وبالتالي فإن وجود الكاميرات يؤثر بشكل كبير على اتخاذ القرار بالفعل المقاوم.

هذه النظريات الإسرائيلية تستند إلى نظرية “الاختيار العقلاني” التي أسس لها أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد مايكل ألينغهام، والتي يشير فيها إلى أن أي قرار يتخذ في أربع سياقات، وهي: سياق الشك وسياق اليقين وسياق الاختيار الجماعي وسياق الاستراتيجية، وللحقيقة العملية فإن البعض يُرجع هذه النظرية لأرسطو، ولكن ما يهمنا هي الافتراضات التفصيلية الواردة فيها، ومدى تأثير سياق الشك واليقين وسياق الفعل الجماعي بدرجة أساسية على اتخاذ قرار بالقيام بفعل مقاوم في غابة الكاميرات.

وتعتقد أجهزة الأمن الإسرائيلية، كذلك، أن كاميرات المراقبة تدير صراع البيئة مع البيئة، استنادا لنظرية “الوقاية الظرفية”، التي ترى أن خلق شروط وظروف معينة داخل مجتمع ما، يخلق سلوكا يتكيف مع الشروط والظروف الجديدة، وبناء على ذلك، ترى أجهزة أمن الإسرائيلية أن انتشار كاميرات المراقبة عند الفلسطينيين، هو بمثابة خلق لشروط وظروف جديدة، وبالتالي خلق لسلوك جديد، وعليه فإن بعض أنماط السلوك الجديدة المتكيفة مع البيئة وشروطها، تقتل أنماط سلوك أخرى.

وبشكل أكثر تفصيل، فإن السلوك الذاتي المستحدث (انتشار الكاميرات) يقتل نسبيا سلوكا ذاتيا طبيعيا تقليديا (المقاومة)، وهو ما يشير إليه نظريا “دانيال جيلنق” بالقول إن بعض البرامج الاستراتيجية تستطيع منع الفعل، مع اختلاف المعنى الذي قصده في مصطلح “برامج”، ولكنه يشير بشكل واضح إلى مبدأ منع الفعل بشكل مبكر في سياق اجتماعي، وهو ما ينسجم نسبيا مع نظرية “الوقاية الظرفية”. والخلاصة، فإن هذه الكاميرات تحقق للإسرائيلي وجودا مباشرا في بنية سلوك الفلسطيني، وتقلل من الضغط الأمني عليه وعلى سلوكه.

إلى جانب دورها الكبير في فرض شروط السلوك، فإن كاميرات المراقبة تعدّ، كذلك، موردا مهما للمعلومات الأمنية والاجتماعية بالنسبة للإسرائيليين. وتساهم في تحليل التفاصيل المتعلقة بالفعل المقاوم ورسم سيناريوهات لسلوك المقاومين. وتتعامل معها “إسرائيل” في السنوات الأخيرة كأداة فعالة في ملاحقة المقاومين وفي التعامل مع “الأحداث الأمنية”.

وترى “إسرائيل” أن الكاميرا تكشف سلوك “المقاومين الفاعلين” فتحيدهم، وتمنع نسبيا سلوك “المقاومين الكامنين” فتحيدهم، بمعنى منع الفعل للمرة الثانية في حالة “المقاومين الفاعلين” ومنع الفعل للمرة الأولى في حالة “المقاومين الكامنين” استنادا لقاعدة رمسيس بنهام التي أوردها في كتابه “علم النفس القضائي”، والتي يشير فيها بوضوح إلى قدرة الإجراء الوقائي على منع الفعل الأول والإجراء الأمني المباشر على منع الفعل الثاني.

وتعدّ التجربة البريطانية مع كاميرات المراقبة من أهم التجارب المغرية بالنسبة للإسرائيليين، وعادة ما يطرحونها في أبحاثهم ودراساتهم الأمنية. وبشكل عام، في السنوات الأخيرة، كانت هناك زيادة في استخدام كاميرات المراقبة في جميع أنحاء العالم. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن 900 كاميرا كانت مثبتة في بريطانيا عام 1999، ويقدّر عددها حاليا بأربع ملايين كاميرا، حيث يتم تصوير الشخص في شوارع أي مدينة في بريطانيا بـ 300 كاميرا يوميا في 30 نقطة تربط بين شبكات الكاميرات. وأعتقد ولا أجزم أننا تفوقنا على بريطانيا في مسألة الكاميرات، وأن جولة قصيرة في رام الله وشوارعها تعرض الشخص لمئات الكاميرات.

بناء على ما تقدم من طرح نظري، فإنه يمكن تفسير السلوك الإسرائيلي الأخير في رام الله، ومداهمته لرام الله في ساعات الليل ووضح النهار، بعد العمليات الفدائية الأخيرة في محيط المدينة، ضمن إطارين:

الأول: أن “إسرائيل” تريد أن تؤكد من جديد للفلسطيني على أن كاميرا المراقبة قادرة على الوصول إليه في حال قرر القيام بأي فعل مقاوم، وهي بذلك تحاول ردعه وثنيه عن القيام بأي فعل مقاوم. وهذا الوضوح في الرسالة الإسرائيلية مبني على اعتقاد أساسي بأن التخلي عن الكاميرات من قبل الفلسطينيين أمر صعب، خاصة وأن الحملات الدعائية والميدانية من قبل الناشطين الفلسطينيين فشلت في تحقيق أهدافها في موضوع الكاميرات.

الثاني: أن “إسرائيل” بالفعل تبحث من خلال هذه الكاميرات على بعض الأدلة وبعض البيانات التي تساعدها في الوصول للمقاومين أو لبعض الأدوات التي استخدمت في هذا الفعل. وهذا يمكن الاستناد عليه للاستنتاج بأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ما زالت تجهل بعض المعلومات وقد تكون الأهم، وأنها عجزت على الوصول لبعض المعلومات من خلال المعتقلين وتحاول الوصول إليها تكنولوجيا.



  •