Saturday, March 23, 2019
اخر المستجدات

فــي ذكــرى معـلم النـاس الخــير


| طباعة | خ+ | خ-

لم يحتفل الرسول صلى الله عليه وسلم بمولده, ولم يفعل الصحابة والتابعون والأئمة. وكانت الدولة الفاطمية في مصر والشام أول من احتفل بذكرى مولده عليه الصلاة والسلام. وكانت الدولة تصنع الحلوى وتوزعها على المنازل. واصلت أجيال المسلمين الاحتفال بالذكرى العطرة بأنماط كثيرة جدا. وكانت نابلس تزدان بحله قشيبة من الزينة والورود والأزهار وأغصان الأشجار، وكانت بعض المحلات تفرش بالسجاد. وكانت الحلوى توزع على الناس وبخاصة الملبس على لوز.

وكان المواطنون في الخمسينيات والستينيات يلمسون في نابلس حركة ونشاطاً قبل أيام من ذكرى المولد. كانت نابلس تبتسم؛ فأصحاب المحلات كانوا يزينون محلاتهم فضلا عن الشوارع والأسواق وكانوا يقرأون قصة المولد النبوي الشريف المدونة في كتيبات تتحدث شعراً ونثراً عن قصة المولد، فيها كثير من العاطفة والروحانيات، والتغني بصفات صاحب الذكرى ومكانته عند الخالق عز وجل. وما كان يجري في الشوارع والأسواق كان يجري في بعض المقاهي التي كانت تستضيف مقرئا حسن الصوت، هذا فضلا عن الاحتفالات في المساجد وزوايا الصوفية وبعض النوادي والنقابات.

حدثت تغيرات في نمط الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف منذ ما عرف بالصحوة الإسلامية التي أعقبت هزيمة حزيران 1967 لتصبح الاحتفالات تقتصر على احتفالات ومهرجانات يحشد لها عدد كبير من النساء والرجال .

وكانت هذه الاحتفالات والمهرجانات تتمحور حول كلمات لخطباء مفوهين عرفوا كيفية التأثير في عواطف الناس. فمن عدل سيدنا عمر بن الخطاب إلى الفتوحات إلى التركيز على عيوب وفساد الأنظمة إلى دعوة الناس وحضهم إلى الجهاد في أفغانستان .

أعتقد أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام هو عمل كريم وجهد طيب لان كل ذكر لله وتلاوة للقرآن الكريم والصلاة على البشير النذير كلها أعمال صالحة طيبة لكنها ليست كافية لتحقيق الإصلاح الضروري لأنها تمحورت حول :

التلاوة والتواشيح.

التغني بصفات الرسول صلى الله عليه وسلم.

احتفالات غرضها شرعنة النظام وتأكيد حرصه على تقوى الله واحترام شريعته.

الترويج لمواقف سياسية معارضة تعتمد على تضخيم سلبيات الأنظمة وتسويق سياسات ومواقف خدمة لحملات انتخابية أو غيرها من الأغراض.

هل حققت أنماط الاحتفالات بذكرى معلم الناس الخير عليه الصلاة والسلام خيراً أبعد من دائرة الثواب والحسنات؟؟

هل تقتصر رسالة الدين على الخلاص الفردي أم أنها قادرة على انتشال الأمة والوطن وتحقيق الكرامة والعدالة والحرية لكل الناس ؟؟

ما هو تفسير هذا التراجع بل الانهيار في وضع العرب والمسلمين خلال العقود الأخيرة التي تزامنت مع ما يعرف بــــــــ ( الصحوة الإسلامية ) ؟؟

هل من الإنصاف تحميل دعاة ( الإسلام هو الحل ) ؟؟ مسؤولية حالة التراجع والانهيار بمفردهم متجاهلين دور الطغاة والفاسدين والمستعمرين ؟؟

كيف نفسر حالة التناقض الصارخ بين عظمة الإسلام من جهة وضعف وهوان المسلمين من جهة أخرى ؟؟

هل أن تراجعاتنا وخيباتنا ناجمة عن التناقض بين عظمة الدين وبين هوان المتدينين ؟؟

هل أن التناقض بين الدين ومعايير التدين ناجم عن ظروف القهر والفقر والجهل فقط أم أنها ناجمة عن سطوة المستعمرين وأجهزة مخابراتهم الذين وجدوا بين العرب والمسلمين من يستخدم المقدس لأغراض المدنس؟

في ذكرى مولد معلم الناس الخير عليه الصلاة والسلام علينا الإجابة عن عدة أسئلة كي تسهم في خلاصنا من قيود التبعية والاحتلال والطغيان والفقر والطائفية والتخلف الذي مسخ بغداد من مدينة الرفاه والرخاء والحياة الرغدة إلى مدينة الموت والسيارات المتفجرة التي أزهقت أرواح الآلاف وضاعفت عدد المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة. ومن هذه الأسئلة:

متى سيدرك المسلمون خطورة العنف وطبيعته وقدرته على إحداث تفكيك إضافي للأمة والوطن وتكريس تخلف العرب والمسلمين؟ ومتى ندرك أن علينا العودة إلى صناعة الحياة وإنتاج الفكر والمعرفة والغذاء والدواء وان القراءة العنفية الدموية اللاعقلانية للإسلام إنما تتناقض مع جوهر وتفاصيل الرسالة التي أنزلت على صاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام، كما أنها تتناقض مع قراءة أجيال العرب والمسلمين الذين أنتجوا حضارة أعلت شان الإنسان لمجرد انه إنسان وجعلت التفاضل بين الناس بالتقوى والعلم وخدمة خلق الله .

لقد أثبتنا للعالم اجمع أن المسلمين لا يخافون الموت من خلال آلاف التفجيرات في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا والأردن وكان حصاد هذه التفجيرات قتلاً ودماراً وظلماً وظلاماً. متى نثبت قدرتنا على بناء الحياة الكريمة الآمنة الزاخرة بالحرية والعدل والتنمية وصولا إلى النهضة وإعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية التي بناها وطوّرها خطاب ديني ومعايير تدين مستمدة من كتاب الله ومن سنة وسيرة صاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام؟

إن استعادة الناس لحقهم في إصلاح الخطاب الديني ومعايير التدين لتكون الأقرب إلى أخلاق وسيرة صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم لن يتحقق ذلك بفرمان سلطاني ولا مرسوم أميري ولا قرار حزبي وإنما يجب أن يكون الإصلاح الأهم والأغلى من الناس وبالناس وللناس .

حقوق الناس لا توهب ولا تستجدى ولكنها تنتزع بالقوة وليس بالعنف، بقوة الإيمان والمعرفة والحكمة والجهد الجماعي والقدرة على العمل بروح الفريق، وهذه كلها ما جسدها معلم الناس الخير عليه الصلاة والسلام بأخلاقه ومواقفه وسيرته .