Saturday, November 17, 2018
اخر المستجدات

قانون القومية والمجلس المركزي.. والمواطن!


نادية حرحش

نادية حرحش

| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب: نادية حرحش

الثورات التي هزّت التاريخ في مختلف العصور جرت كلها على هذا المنوال. فالناس لا يثورون من جرّاء ظلم واقع عليهم، إنّما يثورون من جرّاء شعورهم بالظلم. فالشعور بالظلم هو أعظم أثراً في الناس من الظلم ذاته.

إن الناس لم يثوروا على الطغاة الذين سفكوا دماءهم وجوّعوهم وسلّطوا الجلاوزة عليهم يضربون ظهورهم بالسياط. ذلك لأنّ الناس قد اعتادوا على ذلك منذ زمن مضى وألفوه جيلاً بعد جيل. فهم يحسبونه أمراً طبيعيّاً لا فائدة من الاعتراض عليه. لكنّهم يثورون ثورة عارمة عندما تنتشر بينهم مبادئ اجتماعية جديدة فتبعث فيهم الحماس وتمنحهم ذلاقة البيان وقوّة النقد.

― على الوردي, مهزلة العقل البشري

بدأت الأسابيع بالمرور عن لحظة موافقة الكنيست الإسرائيلي على الإقرار بمشروع قانون القومية اليهودية، وتمزيق القانون من قبل أعضاء الكنيست العرب والانتقادات والرفض والاعتراضات.

انتهت كذلك المظاهرة الحاشدة في تل أبيب وما تمخض عنها من أعلام فلسطينية وإسرائيلية وأخرى مهجنة. واستمر الجدل والجدال وخرجت الدعوات وردت الى نفسها، ويستمر الوضع على ما هو عليه.

وها هو اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني قد بدأت أعماله وانتهت ..

لا أستطيع ان أنكر انني سعدت بقانون القومية هذا ولا أريد له أن يلغى. فهو أحد الحقائق الذي لا يمكن المواربة فيها في حياتنا تحت احتلال. نحن شعب يعيش تحت احتلال إسرائيلي قومي الطابع، يرى من غير اليهود درجات دنيا في الدولة. والعرب ليسوا استثناء خصوصا انهم أصبحوا أقليات مفككة. فالفلسطيني مقسم بين ذلك الذي يقبع رسميا لإسرائيل تحت مسميات الجنسية (تجمعي ،درزي، بدوي، شيوعي سابق، إسلامي)، وذلك الذي يعيش كذلك رسميا تحت إسرائيل ولكن بتنسيق أمني يحمل جنسية فلسطينية لا تقدم من الخير لأصحابها الا نشوة الاسم، وذلك المحاصر من كل الاتجاهات في غزة، وساكن القدس الذي يعيش كالماشي على حبال الهوى، لا يعرف متى ستهوي به حباله الواهية. ولكنه وضع يبقى أفضل من غيره إذا ما فكرنا بأن الاعتياد على الحياة ما بين البينين لا تؤثر كثيرا علينا في اعتياد الكوارث السياسية!.

أحاول وبكل جدية الابتعاد عن التهكم، ولكني لا أستطيع ان أرى غرابة في القانون، فهو الواقع والانعكاس لماهية إسرائيل. واستغرب كيف لأي فلسطيني او عربي الاستغراب والغضب. فهل كان يتوقع العربي القابع تحت العلاقة المباشرة من العيش تحت الاحتلال ان يكون مواطنا عاديا في منظومة بنيت على الاستعمار والاقصاء في أحسن احوالها، وبنت وجودها على التهجير والمذابح في وضعها الطبيعي.

الغريب هو المواصلة في محاولة الاندماج في هذا الكيان وطلب الاعتراف منه. وقد تكون هذه فرصة حقيقية للزج في إسرائيل بالفخ التي حاكته، وهو توحد الصف الفلسطيني العربي وإعلان مقاطعة “اسرائيل” علي حسب ما قدمته حركة المقاطعة من اقتراح للجنة المتابعة العليا. وقد أذهب لما هو فعال أكثر إذا ما تم تطبيقه، وهو اعلان قيادة أوسلو بإنهاء التفاهم وقيام محمود عباس رئيس منظمة التحرير والسلطة بإعطاء مواطني الداخل الفلسطيني جواز سفر فلسطيني، أو حل السلطة وحفظ ماء الوجه.

اعرف ان احد الاقتراحات لن يتم، ولن يلتفت أحد لا لنداء حملة المقاطعة التي لا يستخدمها الفلسطينيين الا لجلب التمويل ورفع الشعارات.

للحظات فكرت ان الرئيس في المجلس المنعقد سيفاجئنا.. فأنا لا أزال أنتظر معجزة يقوم بها رئيسنا الأبدي، ولكنه قام بما هو أهم وأكثر واقعية، فدعا لتقوية العلاقة ما بين العرب واليهود واكد ان وجود العلم الفلسطيني في تل ابيب عبثي وعلينا إنزال العلم الإسرائيلي من…. مدننا السلطوية. وأكد أن فلسطين في حدودها لا تتعدى أكثر ما تضع يدي السلطة عليه.

من العبث الكلام عن الاجتماعات والقوانين، بينما لا تزال غزة محاصرة ويتم قصفها وتقمع المظاهرات في رام الله بلا أدنى شعور بالتردد.

من العبث الكلام عن قانون قومية، بينما صار وضعنا الطبيعي هو التبعية في دولة كانت لنا ولم نستحقها يوما.. فتاجر الأسلحة يعتبر حامي الوطن، وكم مشاتل الحشيش التي يتم اكتشافها على ما يبدو يوميا من كثرتها، يجعلنا نتساءل، مَن مِن افراد هذا الشعب ليس مدمنا على المخدرات؟ يعني احتياجات السوق للتحشيش لا يمكن ان يكون بهذا الكم!!!! أو ربما يحتاج المرء في السنوات القادمة للحشيش كما كانت حاجة اهل اليمن للقات!

كم المطاعم التي يتم اغلاقها بسبب الغش المفجع يجعل المرء يخاف ان يخرج من بيته.

عدد الحوادث الناجمة عن غياب قوانين السلامة او تطبيقها يجعلنا نشعر وكأننا في نهاية العالم. حوادث سير في نفس الأماكن لا يتعظ منها أحد، شباب بعمر الورد ينفقون بحوادث الدراجات النارية ولا تزال ترى الشبان يتجولون بلا خوذ. سيارات تسير بعكس السير، التشحيط والتفحيط في الشوارع يبدو وكأنه علامة تجارية جديدة لاستعراض التفاهة.

واليهود المتطرفون يقتحمون الأقصى يوميا، والحرم الابراهيمي تم عزله، وبينما نتنياهو وحكومته يدكون بغزة، يفكرون بتخفيف الحصار، ويصر ذوي السلطة في فتح ان حماس لا تريد المصالحة ويا ويلها من خيانة الأمانة في المهادنة مع إسرائيل، بينما تصر السلطة على رفض صفقة الوطن….

لله درك يا وطن!

للضجة خصومٌ يرون فيها خطرا على مصالحهم. وقد دلنا التاريخ على ان الطغاة والمترفين لا يرغبون ان تثور اية ضجة او حركة فكرية بين الناس. ان مصالحهم القائمة تقتضي ان تسود القناعة والخنوع والاستسلام للقدر بين الناس.

وكل ضجة تعني في نظرهم تهديدا لكيانهم الراهن. ولهذا فهم يحاربون كل من يثير الضجة ويتهمونه بالشعوذة او الشغب او التهريج.
انهم يريدون من الناس ان يتحدثوا عن الجمال والكمال، وعن الحق والحقيقة، وعن غير ذلك من الافكار المطلقة التي توجه أذهان الناس نحو السماء فتنسيهم مشكلات الارض التي يعيشون عليها”.

― علي الوردي, وعاظ السلاطين