Saturday, December 15, 2018
اخر المستجدات

ما حقيقة الركود الاقتصادي العالمي المتوقع لسنة 2020؟


ليمان براذرز، البنك الذي تسبب في أزمة سنة 2008

| طباعة | خ+ | خ-

في شهر حزيران/يونيو سنة 2006، قام نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بتحقيق آخر زيادة في سعر الفائدة قبل حدوث الركود الكبير الذي شهده بعد سنتين من ذلك. في ذلك الوقت، توقع هذا الجهاز تباطؤا طفيفا على مستوى الاقتصاد. لكن في ظل ضغط التضخم الكبير، اضطر إلى مواصلة فرض المزيد من الضغوط المالية. حينها أدرك بعض الأشخاص أن اقتصاد الولايات المتحدة وبقية الدول المتقدمة متجه نحو أكثر الأزمات خطورة في هذا القرن.

اليوم، وبعد مرور عشر سنوات تقريبا، تجاوز الاقتصاد الأمريكي مستوى التوازن مرة أخرى، كما تراكم في صلبه 32 فصلا متتاليا من التوسعات المالية، التي تعد واحدة من أطول دورات النمو في تاريخه. والسؤال المطروح، متى سيحدث الركود الاقتصادي القادم؟ وهل سيتمكن خبراء الاقتصاد من اكتشاف مؤشرات الأزمة الجديدة قبل أن تنفجر؟

في هذا السياق، تتوقع شركة “أم دي أف فاميلي بارتنرز” الرائدة في مجال الاستشارات المالية والثروة والاستشارات الأسرية الاستراتيجية، أن هذا الركود سيحدث قبل نهاية سنة 2020. في السنة الماضية، تعززت جميع الجوانب الإيجابية التي أحدثها النمو الاقتصادي، حيث تعيش أوروبا والولايات المتحدة أفضل فتراتهم الاقتصادية. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات كبيرة، في حين اقترب سوق العمل من بلوغ مستويات العمالة الكاملة. وقد تحقق ذلك في بيئة تتسم بنسبة تضخم مالي منخفضة ونمو طال في جميع أنحاء العالم. في المقابل، يمكن لبعض الاختلالات أن تغير السيناريو الحالي، وهو ما أكدته شركة “أم دي أف”، التي تعد من إنشاء كل من الوزير الإسباني السابق، خوسيه ماريا ميكافيلا ودانييل دي فرناندو.

تعتقد هذه الشركة الاستشارية، أن الدورة الاقتصادية شارفت على الانتهاء. ولعل المؤشر الأكثر تجسيدا لذلك فجوة الإنتاج. وفي هذا السياق، صرحت شركة “أم دي أف” الاستشارية أنه “على الرغم من وجود استثناءات، إلا الفجوة الإنتاجية كانت سلبية على مستوى العديد من الاقتصادات وتقترب تدريجيا نحو الصفر على المستوى العالمي”. ويحيل ذلك إلى أن الاقتصادات الرئيسية المتقدمة تشهد نموا يتجاوز مستوى التوازن، وهو أمر لا يمكن أن يستمر لمدة طويلة. وعادة ما يحدث هذا النمو في إطار سيناريو لا يتسم بالتضخم، الأمر الذي يولد خللا بالعودة إلى مجريات الأمور في الأوضاع الطبيعية. فمن المعتاد أن تنشأ الضغوط التضخمية عندما تبدأ عوامل الإنتاج الخاملة في العمل.

أحالت شركة “أم دي أف”، إلى وأن ضع النمو هذا الخالي من التضخم، يعد مجرد سراب ومن المتوقع أن ينتهي في السنوات القادمة. ووفقا لهذه الشركة، تمر مرحلة توسع الاقتصاد العالمي بامتداد غير متوقع بسبب السياسات المالية التوسعية التي وافق عليها دونالد ترامب. وبالتالي، يعد هذا النمو اصطناعيا يتحقق بالاعتماد على الديون، التي لن تؤدي سوى إلى تأخير الركود القادم ومزيد تعميقه.

متى سيتحقق هذا الركود؟

وفقا لشركة “أم دي أف”، لا تكمن المشكلة في حدوث ركود خلال السنوات الثلاث القادمة، ولكن في توقيت وقوع الركود الأكبر.فغالبا، وبالاعتماد على زمن انفجار الأزمة القادمة، سيكون من الممكن تحديد مدى عمقها. وفي هذا الصدد، سلطت الشركة الضوء على ثلاثة أمثلة في التاريخ الاقتصادي الأمريكي التي ستكون مماثلة لكل فترة من فترات الركود الثلاثة المحتملة.

في حال انفجرت الأزمة خلال سنة 2018، فسيكون ذلك بسبب فشل حسابات البنوك المركزية، لكن ذلك يظل أمرا مستبعدا جدا. ومن المرجح أن يتم تكرار الخطأ الكبير الذي وقع فيه نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في سنة 1937، الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الخبير الاقتصادي مارينان إكليس. آنذاك، قرر البنك المركزي الأمريكي التشديد على الشروط النقدية للرد على زيادة التضخم وتراجع البطالة. وتمثلت المشكلة في أن هذا الجهاز الحكومي غالبا ما يتبنى ردود فعل سابقة لأوانها ومكثفة، مما يؤدي إلى حدوث ركود.

في المقابل، ترى الشركة الاستشارية “أم دي أف” أن احتمال وقوع هذا السيناريو ضئيل جدا. وقد أعربت البنوك المركزية في السنوات الأخيرة عن مدى قلقها بشأن تجنب أزمة ناجمة عن التشديد المفاجئ على ظروف التمويل. من جهة أخرى، وقع البنك المركزي الأوروبي بالفعل في خطأ مشابه في سنة 2011، وذلك عندما قام برفع أسعار الفائدة مرتين وتسبب في انتكاسة على مستوى الاقتصاد الأوروبي. وبالتالي، يعد هذا السيناريو واردا بنسبة 20 بالمائة.

الاقتصاد العالمي مثقل بالديون، مما يجعله عرضة لحالات الذعر المالي

أما الاحتمال الثاني، فيحيل إلى إمكانية حدوث ركود في سنة 2019، الأمر الذي يمكن أن يكون نتيجة لحادث ائتمان. ويفترض ذلك العودة بالذاكرة إلى سيناريو مماثل في سنة 2007. في ذلك الوقت، كان الاقتصاد العالمي مثقلا بالديون مما جعله عرضة لنوبات من الذعر في السوق. وفي الأشهر الأخيرة، تزامنت موجات التوتر الأولى مع بداية التقلبات التي كانت بمثابة وسيلة لاختبار أعصاب المستثمرين. وفي الوقت الحالي، تجسد نوبات الذعر من خلال حلقات لم تدم سوى بضع ساعات. لكن إذا استمرت لعدة أيام، يمكن أن تولد مناخا من التوتر، ما من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع بمرور الوقت.

تتمتع البنوك المركزية بهامش هائل للاستمرار في العمل، نظرا للمحفزات التي قاموا بنشرها خلال الأزمة، والتي سرعان ما بدأوا في سحبها. في الأثناء، لا يزال البنك المركزي الأوروبي بصدد توسيعها. نتيجة لذلك، لن يتبقى سوى القليل من الوسائل لمحاربة أزمة الائتمان، ما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الوضع.

على أية حال، أظهرت البنوك المركزية مدى قدرتها على التخفيف من موجات التوتر في السوق. كما أظهرت سياستها الخارجية، التي تعتمد على مبدأ “التحفيز إلى الأمام” أنها فعالة جدا في تهدئة الوضع في صفوف المستثمرين. ومن المتوقع أن يسمح ذلك بتمديد أجال المرحلة التوسعية بهدف جعلها تستمر لمدة سنة أخرى، إلى غاية سنة 2020 تزامنا مع تحقق مرحلة الركود. وترى الشركة الاستشارية، “أم دي أف” أن هذا السيناريو يعتبر الأكثر احتمالا ومرجحا بنسبة 50 بالمائة.

علاوة على ذلك، تعتقد الشركة الاستشارية أن التضخم سيشهد ارتفاعا كبيرا انطلاقا من النصف الثاني من سنة 2019، نتيجة للنمو الذي تجاوز المستوى المطلوب لتحقيق التوازن. وأكدت الشركة أن التضخم لم يختف تماما، وإنما في حالة سبات، حيث يعد بمثابة مؤشر متأخر مقارنة بالدورة الاقتصادية. وفي هذا السياق، لا يتطلب الأمر سوى اندلاع الشرارة الأولى، التي يمكن أن تشمل الأجور أو المساكن أو الأصول الأخرى، لإثارة خوف الوكلاء الاقتصاديين من زيادة الأسعار. ويحيل ذلك إلى العودة إلى سيناريو سنة 1965، عندما اعتقد نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أنه قد فاز بالمعركة ضد التضخم، الذي لم يختف تماما وإنما كان في حالة سبات، بكل بساطة.

لم يختف التضخم تماما، إنه ببساطة في حالة سبات، حيث يعد بمثابة مؤشر متأخر عن الدورة الاقتصادية.

يفترض ذلك أن منحنى فيليبس (الذي يبين العلاقة بين البطالة ومعدل التضخم) لن يزول تماما. حيث تكمن المشكلة في هذه النظرية في أنها لا تعمل سوى على المدى القصير، وكذلك عندما لا تكون هناك فجوة في الإنتاج (السيناريو الذي بدأ في التحقق اليوم). وتظهر هذه المشكلة خاصة عند حدوث نقص في العوامل الإنتاجية الخاملة وعلى وجه التحديد عندما ترتفع أسعار الإنتاج. وعلى سبيل المثال، إذا لم تكن هناك بطالة، ستميل الأجور إلى الارتفاع، لأن الشركات التي ترغب في التوظيف في حاجة إلى “اقتناص” العمال ذوي الكفاءة والاختصاص.

بالتالي، عندما يبدأ التضخم في الانتعاش بقوة، سيضطر نظام الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، الأمر الذي سيصعّب ظروف العمل في السوق، لينتهي به الأمر إلى التسبب في نشوب الأزمة المقبلة. ويعد احتمال حدوث هذا السيناريو واردا جدا، وفقا لتوقعات الشركة الاستشارية أم دي أف، وذلك بنسبة 50 بالمائة. وسيعتمد مستوى شدة هذا الركود على مقدار اختلالات الاقتصاد الكلي التي تراكمت بشكل تدريجي، فضلا عن السياسات النقدية والمالية الخاطئة التي يمكن اعتمادها.