Saturday, November 17, 2018
اخر المستجدات

هل هذه هي أسوأ وأخطر وظيفة في العالم؟


هل هذه هي أسوأ وأخطر وظيفة في العالم؟

| طباعة | خ+ | خ-

اختارت الولايات المتحدة أسلحة نووية تكتيكية في ربيع عام 1952 في أرض الاختبار في نيفادا ضمن عملية اسمها “تمبلر – سنابر”، وكانت تلك ثالث سلسلة اختبارات نووية خلال 18 شهرًا، في حقبة مثلت عنق الزجاجة بالنسبة لتطوير القنابل النووية.

وذكرت مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية، أنه كان من المفترض أن تنفجر إحدى قنابل عملية “تمبلر- سنابر” ذات الاسم الرمزي “الثعلب” في تمام الساعة الرابعة صباحًا في يوم 13 مايو/ أيار، بيد أن اللحظات مرّت ولم يحدث أي انفجار نووي بل حدث خلل ما في القنبلة.

وأكدت المجلة أن القنبلة العالقة في برج على ارتفاع 300 قدم مثلت خطرًا حقيقيًا على كل شيء حي في دائرة تمتد لأميال في جميع الاتجاهات، حيث كانت تملك قدرة 15 كيلو طنًا.

وتوجب على أحدهم أن يعمل على تفكيك هذا الشيء، وما جاء بعد ذلك كان من أخطر وأدق الوظائف على الإطلاق، بحسب تعبير المجلة.

وبدأت العملية بشكل طبيعي، ففي الليلة التي سبقت ساعة التفجير في مسطح اليكة الموقع الرابع، قام الدكتور جون سي كلارك من لجنة الطاقة الذرية بتوصيل الصاعق في القنبلة وشهد نزول المهندسين على متن مصعد البرج للخروج منه، واجتمع مع كبار العلماء في منطقة التحكم على بعد عدة أميال من المكان.

وذكرت المجلة أن حوالي 500 مراقب عسكري انضموا إلى 950 جنديًا من عناصر كتيبة المشاة المسلحة 701 وهي جزء الكتيبة المدرعة الأولى لمشاهدة الاختبار النووي من نقطة تبعد عدة أميال عن موقع التفجير.

واستعد الأخصائيون النفسيون من جامعة “جورج واشنطن” و”جون هوبكنز” لتقييم ردة فعل المراقبين للدمار الذي ستحدثه القنبلة النووية.

وبيّنت “ناشونال إنترست”، أن جنود الكتيبة 701 كانوا فئران التجارب لتقييم آثار وميض الانفجار والحرارة والموجة التصادمية الناتجة عن الانفجار ضمن ظروف المكان، وكان العد التنازلي قد بدأ حينها وصولاً للحظة الانفجار، ولكن لم يحدث شيء.

أين الانفجار؟

مرت الدقائق كساعات وكان فريق التفجير وجنود الكتيبة 701 في خنادقهم ينتظرون الانفجار النووي، وتفقد فريق التفجير جميع التوصيلات والدوائر الإلكترونية المعقدة، ثم أصدر المشرفون على الاختبار أوامرهم للجنود والمراقبين بالابتعاد عن برج التفجير والتراجع عن خنادقهم للخلف، وفقًا للمجلة.

وبيّنت المجلة أن كلارك الذي كان رئيس فريق التفجير وكانت القنبلة تقع تحت مسؤوليته أخبر حينها للدكتور الفين غريفس مدير اختبارات مختبر لوس ألاموس الوطني: “سنترك هذا الجهاز يعمل لمدة ساعة إذا تطلب الأمر ذلك”. فوافق غريفس وأمضى فريق التفجير ساعة كاملة وهو يعمل على خطوات التفكيك المفصلة وقوائم التحقق.

وذكرت المجلة أن كلارك لم يكن وحده، فقد كان معه المهندسان هيرب غرير وبارني اوكيفي وكلاهما من شركة الأسلحة المتعاقدة مع الحكومة لتطوير الأسلحة النووية “أي جي آند جي” ضمن فريق التفجير واللذان لديهما أكبر معرفة من بين الجميع باللوحات الإلكترونية الخاصة بالقنبلة، وقاما برمي قطعة نقد لتحديد من سينضم لكلارك، فاز أوكيفي –أو خسر بمنظور آخر- وكان عليه مرافقة العالم إلى مكان القنبلة.

وفي تمام الساعة 6:15، أعطى غريفس الأمر بالانطلاق، وأظهر كلارك برودًا غير عادي بحسب وصف المجلة، حيث حمل معه حبلاً، وبعض أدوات الاختبار ومنشارًا فقط، وسار باتجاه سيارته. وقال مازحًا وقتها مع أحد الحراس: “لهذا النوع من الأعمال، يستحق المرء ضعف الأجر لساعات العمل”.

وأكدت “ناشونال إنترست”، أن رباطة جأش كلارك هي ما جعلته ملائمًا لهذا العمل، وبكونه الرئيس الذي يضغط على الزناد دائمًا لدى لجنة الطاقة الذرية، فإنه كان أكثر شخص قد فجر قنابل نووية من أي شخص آخر.

وكان كلارك قد فكك قنبلة نووية أخرى قبل عدة شهور من هذه الحادثة، وفي أكتوبر/ تشرين أول من عام 1951، حدث خلل في تفجير قنبلة “سكّر” ضمن عملية باستر-جانغل في موقع اختبار نيفادا، وأمضى كلارك ساعتين مرهقتين للأعصاب وهو يفكك القنبلة ذات القدرة التفجيرية 1.2 كيلو طن.

الزمالة مع القنبلة

أوردت المجلة تفاصيل تحرك العلماء لتفكيك القنبلة، حيث قاد كلارك وأوكيفي السيارة وبرفقتهما شخص ثالث سيء الحظ وهو فيزيائي اسمه جون وينيكي من مختبر لوس الاموس، لعدة أميال نحو المنطقة الرابعة، وأزاح كلارك نظره وقام بإنزال واقية الشمس في السيارة تحسبًا لانفجار القنبلة وانتشار وميضها بشكل مفاجئ.

وذكرت المجلة أنه عند وصولهم لقاعدة البرج الذي يرتفع 300 قدم والذي يحمل قنبلة نووية حية، استعد الرجال الثلاثة لاقترابهم منها. وبدون مصعد البرج، كانت الطريقة الوحيدة هي تسلق البرج للوصول إلى القنبلة. وبعد عدة استراحات أثناء عملية التسلق وصل الرجال إلى القنبلة.

وبيّنت “ناشونال إنترست” أن كلارك قام حينها وباستخدام المنشار بقطع سلك الأقفال الذي وضعه في مكانه، وجثم الثلاثة حول القنبلة، وهنا أمسك اوكيفي بهاتف كان قرب القنبلة واتصل مع مدير الاختبار غريفس، وبدأ بسرد كل خطوة يتم القيام بها ليكون لدى فريق التفجير على الأقل سجلّ أحداث في حال وقوع الأسوأ.

القنبلة كانت تحوي بادئ نيوترونات داخلي جديد بعنصري البولونيوم والبريليوم – وهو مصمم لبدء وتقوية تفاعل الانشطار النووي مع تدفق زمني دقيق للنيوترونات إلى قلب القنبلة النووية عند تفجيرها، بحسب ما أوضحته المجلة.

وأشارت المحلة إلى أن كلارك أزال مسامير التثبيت بيديه المجردتين للوصول إلى اللوحات، ووصل إلى شبكة من الأسلاك والتوصيلات الإلكترونية داخل جسم القنبلة، وبينما استمر وينيكي بتفقد قائمة التحقق، حدد كلارك بعناية مواقع أنظمة التفجير وقام بتعطيلها ومن بينها البادئ.

وحتى مع تعطيل القنبلة، فإنها كانت ما تزال مميتة، ورغم أنها ليست قادرة على الانفجار النووي عند تلك النقطة، إلا أنها احتوت على متفجرات قوية تكفي لنسف البرج وكل شيء وجميع من عليه.

وأوضحت المجلة أن المهمة لم تخلُ من إجراءات روتينية، حيث طلب كلارك من غريفس إرسال تقني نووي للانضمام إليهم، وإزالة قلب القنبلة من البلوتونيوم.

وذكرت ناشونال إنترست، أن القنابل النووية القديمة، سواء الاختبارية أم العملية، لدى الولايات المتحدة كانت أنويتها الانشطارية منفصلة عن القنبلة نفسها من أجل الأمان وسهولة التخزين، وكانت هناك فجوات خاصة في جسم القنبلة تسمح للتقنيين بتركيب أو فك قلب القنبلة من قبل الفنيين والتقنيين.

وأشارت المجلة إلى أنه عند إتمام المهمة في أسوأ وظيفة في العالم للمرة الثانية في حياته، قام كلارك ومرافقوه بالنزول عن البرج.

وأظهرت التحقيقات التي تلت ذلك سبب الخلل الذي منع القنبلة من الانفجار، حيث لم يكن الخلل في الدوائر الإلكترونية لها، بل كان في نظام القياس، بحسب ما أوردته المجلة. حيث فشلت إحدى الأجزاء في التفعيل وتسبب ذلك بإلغاء تسلسل عمليات التفجير الآلية دون إنذار.

وأفادت ناشونال إنترست أن كلارك شهد على تفجير نفس القنبلة دون أخطاء بعد مرور 12 يومًا على تلك الحادثة في 25 مايو/ أيار، وفي هذه المرة تجمع الجنود في خنادقهم، وسجلت أدوات القياس بياناتها، وسجل المختصون النفسيون ردود الفعل لدى جميع الحاضرين.

وكتب روبرت كان بخصوص ذلك: “بعد 36 ساعة من العمل المتواصل، ركب كلارك سيارته إلى ثكنات المبيت في منطقة الاختبار في مركز القيادة في معسكر ميركوري. كان منهكًا، وقام بنزع ملابسه والاستحمام، تناول كأسًا من الشراب ثم خلد إلى النوم”.