Wednesday, March 20, 2019
اخر المستجدات

تصبحون على وحدة


| طباعة | خ+ | خ-

إلى هذا الحين لم تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها في القضية التي رفعتها جمعيتا “حقوق المواطن” و”عدالة”، للمطالبة بإلغاء قانون رفع نسبة الحسم لانتخابات الكنيست الإسرائيلية، وذلك لما يسببه هذا التغيير من مس خطير في حقوق المواطنين العرب الأساسية، وإفضائه، عمليًا، إلى حالة من اثنتين؛ فإمّا سقوط القوائم العربية الموجودة على الساحة لعدم قدرتها على اجتياز نسبة الحسم المطلوبة، وإما إجبار هذه القوائم، على الرغم من الاختلافات الجوهرية بينها، على التوحّد لضمان نجاحها، وذلك على حساب حرّية الناخب العربي الذي سيضطر للتصويت إلى هذه القائمة الموحّدة بدون أن يعطى حق الاختيار السليم وفقًا لمبادئه السياسية وانتماءاته الفكرية والثقافية.

يثير الالتماس المقدّم جملة من الإشكالات والتناقضات الجوهرية التي تعكس أزمة الوجود العربي وعلاقته بمؤسسات الدولة وقوانينها، مع هذا سأكتفي حاليًا، بالعبث فيما سيحصل لو هَمْهَمَ العدل الإسرائيلي وقبلت المحكمة مطالب العرب، وأرجعت نسبة الحسم إلى ما كانت عليه، فهل سيتمسّك قادة الأحزاب والحركات السياسية بخيار الوحدة أم سيعودون قبائل تحتمي وتبني في فضاءات خيمها، ولتغوِي كل “غزية”على هواها أو ترشد!

وإلى أن يصيح الديك، نؤكد أن قانون رفع نسبة الحسم للانتخابات استهدف، بدون أدنى شك، حق المواطنين العرب بانتخاب من يمثلهم من الأحزاب والحركات السياسية العربية الوطنية والإسلامية، وهو لذلك يشكّل وسيلة استحدثها اليمين الإسرائيلي ليكمل سعيه من أجل إقصاء المواطنين العرب عن مؤسسات الدولة، وهذه المرة عن طريق شطب وجودهم الحزبي في البرلمان.

ما يشهده النظام الإسرائيلي من انهيارات في منظومات الإدارة وتفشي مظاهر الفساد واستيطان  فيروساته الوبائية في كل زاوية ومكان، ينذر بما سيؤول إليه هذا النظام في المستقبل القريب.

لقد شهدنا في الأعوام السابقة، تقديم لوائح اتهام بحق العديد من المسؤولين  في أجهزة الدولة وإدانة بعضهم، وها هو العام الحالي ينصرم وشباك محققي الشرطة ونيابات الدولة، ملأى بعشرات القضايا التي يحقق فيها مع مسؤولين كبار، بعد أن اشتبهوا بتورطهم بجرائم فساد خطيرة مختلفة، ومعظمهم كانوا حراسًا على مخازن الحنطة ودروب السلامة وأمن الجمهور.

البعض يؤمن أن نهاية إسرائيل تدنو كلّما يزداد وضعها سوءًا ويعيث الفساد خرابًا في بناها الإدارية، ونحن، المواطنين العرب، سنكون أكبر الرابحين من هذا الدمار وهذه الخرائب.

لا أوافق أولئك المتفائلين، وها أنا أجزم مجددًا أن ما يحمله لنا العام القادم سيكون أخطر أضعافًا مما تكبدناه كأقلية، يتفاقم استعداؤها الجمعي بشكل يومي وملموس. ما نشهده من تعاظم نفوذ قوى الفساد الإداري والجريمة لن يكون في صالحنا، ولا بأي شكل من الأشكال، وسنبقى عرضة لتزايد الاعتداءات المباشرة والانتقاص من حقوقنا الأساسية؛ فالطبيعة علّمت الإنسان أن الفيروسات عندما تهاجم فإنها تضرب من تستشعر أنه العضو الأضعف، وبعد التمكن منه تتفشى لتنهك كامل الجسد والكيان.

كي نقف في وجه ما ستفرزه الانتخابات المقبلة نحن بحاجة إلى أكثر من جسر خشبي عليه يمر قادة الأحزاب العربية إلى كراسيهم في الكنيست، وكي نصمد في وجه ما يسعى إلى تحقيقه غلاة العنصريين والفاشيين الجدد، نحن بحاجة إلى أعمق من وحدة قبائلية تغذيها غرائز أقوام تعبث في ضلوعهم رياح الحمائل والعوائل والطائفية، وكي ننجح في تأمين شروط بقائنا الكريم العزيز على تراب الوطن، نحن بحاجة إلى رؤية أبعد من صدى موّال وأوف عربية وإلى أشرعة أمتن من راية صلح بيضاء ملفوفة على عصا سرعان ما تستعيد دورها عارية، بعد انتهاء الخطب النارية.

في برنامجها الأخير “عوفدا” عرضت الإعلامية إيلانه ديان، فيلمين وثائقيين عن حدثين يؤرقان ليل كل مواطن في هذه الدولة. في نصفه الأول صور البرنامج مجموعة من نشطاء تنظيم “لهافا” العنصري وأفراده الذين يلاحقون كل نشاط عربي يهودي أو علاقة مشتركة، سواء كانت فردية أو مؤسساتية. ثلاثة من نشطاء هذا التنظيم اعتقلوا قبل شهر، وبحقهم حررت لائحة اتهام تفيد بأنهم قاموا بإشعال النار في صفوف مدرسة “يد بيد” في القدس الغربية، التي يتعلم فيها طلاب عرب ويهود، ويؤمن القيمون عليها بالحياة المشتركة وبدور التربية والتعليم في بناء مستقبل آمن لجميع من يعيشون على هذا التراب.

وفي نصفه الثاني استعرض البرنامج ما كان يقوم به أطباء وطواقم العاملين في معهد الطب المخبري بأبو كبير وهي المؤسسة الحكومية القائمة على تشريح جثامين بشر وجدوا أمواتًا من أجل تحديد أسباب الوفاة أو القتل. في البرنامج أدلت بشهادتها مايا فورمان، طبيبة إسرائيلية عملت في المعهد لمدة كانت فيها شاهدة على تزييف التقارير النهائية وتعديلها كي تتلاءم في بعض الحوادث وما أرادته الشرطة ونيابات الدولة. ما أفادت به هذه الطبيبة، التي لم توافق على ما كان يحصل، مخيف وفيه اتهامات لهذا المعهد الذي قد تكون بعض تقاريره المبرمجة قد أدّت إلى إدانة متهمين أبرياء بجرائم قتل، أو إلى تبرئة متهمين من جرائم قتل.

عام ينتهي وعصابات قد تجول شوارع المدن، تخطف أطفالًا وتحرقهم أحياء، وأخرى تشعل النار في صفوف مدارس ينجو منها الطلاب بضربة حظ وصدفة. عام يهل  وأمامنا شهادات أطباء يهود يخافون على أنفسهم من القتل لأن ضميرهم دفعهم لإشهار ما يعرفونه عن أهم مؤسسة كان من المفروض أن تعمل في خدمة العدل الإنساني وقدسية الحياة، وإذ بها عارية كالموت. عام ينتهي والسجون تمتلئ برؤساء دولة وحكومة ووزراء وأعضاء برلمان وقادة شرطة ورجال مال، بعضهم يدخل، وبعضهم يخرج، وهذا يٓحكم وذاك يُحكم والدولة كالمطحنة، من يقع حبه على السن يفرم.

عام كالثعبان ينسحب وسمومه في كل شريان ووريد، وعام لم يأت بعد..

ونحن كما قال زاهي الجنوبي: “كمياه على مرآةٍ، كجسرٍ بين سحابتين، مقيمون، بين فكّي الاحتمال”.

فليكن عامكم كلّه حبًا وقمرًا وتصبحون على وحدة!