Tuesday, June 25, 2019
اخر المستجدات

أوكرانيا… الهوية الممزّقة بين الغرب وروسيا


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب: أحمد دياب

يعني اسم أوكرانيا باللغة الأوكرانية «أرض الوطن»، ولكنه بالروسية يعني «أرض الحدود». ويبدو أن الاسم بقي يحمل هاتين الدلالتين حتى يومنا هذا. تبدو أوكرانيا منقسمة جغرافياً على نفسها منذ قرون على طول نهر «دنيبر» (بالأوكرانية دنيبرو)، فيتجه نصفها الغربي إلى أوروبا ونصفها الشرقي إلى روسيا، ولا تزال تشعر بأنها مكونة من دولتين مختلفتين، إذ يندر عبور السكان من غربها الكاثوليكي الزراعي إلى شرقها الأرثوذكسي الصناعي.

ولم تكن جغرافيا أوكرانيا منذ ألف عام إلا جغرافيا «تعيسة»، إذ قد تكون البلاد مجرد ركن قصي من أركان أوروبا، لكنها مركز الصراع بين الغرب وروسيا. وتاريخياً، ظل الفلاحون الأوكرانيون منقسمين منذ قرون بين السيدين الروسي والألماني، ولكنهم مُنحوا هوية وطنية وفق الاتفاق النازي – السوفياتي (هتلر وستالين) في آب (أغسطس) 1939، وإن كانت تحت السيطرة السوفياتية.

قبل قرن مضى، رأى الاستراتيجي السويدي رودولف كييلين أوكرانيا ودول البلطيق كمدافعين محوريين عن الثقافة الأوروبية ضد القيصرية الروسية المصبوغة بالصبغة المنغولية لإرادة روسيا الآسيوية غير المحدودة للسلطة والنفوذ. وبالنسبة إلى روسيا، فإن أوكرانيا هي التوأم التاريخي لها، ومن دونها لا تعود روسيا إمبراطورية أوروبية، وهو ما يجعل من أوكرانيا جزءاً لا يتجزأ من مفهوم روسيا عن «الخارج القريب»، ذلك أن روسيا لم تعتبر أوكرانيا دولة أجنبية قط. ولقد قيل إن «التحرر الروسي ينتهي حيث يبدأ الاستقلال الأوكراني».

وذكر زبيغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي سابقاً جيمي كارتر (الديموقراطي)، أن «وجود أوكرانيا كدولة مستقلة يغيّر بحد ذاته شكل روسيا»، بمعنى أن قبول روسيا هوية أوكرانيا الأوروبية قد يجعل من أوكرانيا نموذجاً لروسيا نفسها، سواء من الناحية الجغرافية أو السيكولوجية. ففي كتابه الشهير الصادر في عام 1997 «رقعة الشطرنج الكبرى»، أعطى بريجنسكي أوكرانيا اهتماماً كبيراً واعتبرها اللاعب والأداة الرئيسة للغزو الأوروبي الغربي لآسيا.

وطالب واشنطن بإيلائها اهتماماً أكبر باعتبارها الدعامة الكبرى لروسيا والتي من دونها لا تستطيع موسكو أن تستعيد طموحاتها في التوسع خارج حدودها وتفقد حلمها بنشر أساطيلها الحربية في المياه الدافئة. ففي حال انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني اقتراب الغرب من روسيا إلى حدود ما قبل القرن السابع عشر، حين كانت روسيا حبيسة الثلوج وبعيدة من المياه الدافئة، وهو الحاجز الذي ما انفكت روسيا تسعى لتجاوزه بخطى وئيدة منذ بطرس الأكبر.

 

ساحة مواجهة

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه في كانون الأول (ديسمبر) 1991، باتت أوكرانيا إحدى ساحات المواجهة بين روسيا والغرب. وتجلى ذلك بوضوح عام 2004، أثناء «الثورة البرتقالية» فيها التي أدت إلى مواجهة سياسية حادة بين موسكو والغرب.

وخسرت موسكو الجولة الأولى من تلك المواجهة، لكنها لم تخسر الحرب، إذ سرعان ما عاد حليفها فيكتور يانوكوفيتش إلى السلطة عام 2010، وكسبت روسيا الجولة الثانية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وانقسام قطبي الثورة البرتقالية (فيكتور يوشينكو ويوليا تيموشينكو).

واليوم تندلع الجولة الثالثة من هذه المواجهة، متمثلة في صراع روسي – أوروبي حول انضمام أوكرانيا إلى «اتفاق شراكة» مع الاتحاد الأوروبي أو انضمامها إلى «اتحاد جمركي» في الساحة السوفياتية السابقة بزعامة روسيا، بعدما أجلت كييف توقيع اتفاق الشراكة مع الأوروبيين خلال قمة فيلنوس في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم بحجة انتظارها شروطاً أفضل من بروكسيل.

وأدى هذا «التأجيل» من ناحية أولى إلى خروج تظاهرات حاشدة في كييف لمؤيدي «التوجه الأوروبي» للدولة الأوكرانية، أي التيار الرافض للاندماج مع روسيا. ومن ثم عاد الانقسام بين «أنصار أوروبا» و«أنصار روسيا» إلى السطح، ذلك الانقسام الحاضر دائماً في عمق المجتمع الأوكراني. فبالكاد يزيد عدد الأوكرانيين الراغبين في تكامل بلادهم مع الاتحاد الأوروبي عن نصف السكان. فيما يقل قليلاً عن النصف عدد الأوكرانيين الذين يساندون الانضمام إلى «الاتحاد الجمركي».

ومن ناحية أخرى، أشعل هذه التأجيل جولة جديدة من المواجهة بين روسيا والاتحاد الأوروبي في شأن أوكرانيا، إذ دفع بروكسيل إلى انتقاد الضغوط الروسية على كييف، واتهم الغرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه يسعى إلى استعادة الهيمنة الروسية على الفضاء السوفياتي السابق. غير أن بوتين رد على تلك الاتهامات بأحسن منها. وأعلن بوضوح أن «عقد أوكرانيا اتفاقاً مع الاتحاد الأوروبي يشكل تهديداً كبيراً للاقتصاد الروسي»، متهماً بروكسيل بممارسة ضغوط كبيرة على القيادة الأوكرانية.

وعلى مدار هذا العام واصلت موسكو ضغوطها على الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش لحضّه على الانضمام إلى «الاتحاد الجمركي» الذي يضم بيلاروسيا وكازخستان إلى جانب روسيا، كبديل لانضمام أوكرانيا إلى الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ومن المعروف أن بوتين يقف بقوة وراء هذا «الاتحاد الجمركي» كأحد أُسس تشكيل ما يسمى «الاتحاد الأوروبي – الآسيوي» في الفضاء السوفياتي السابق بزعامة روسيا، بهدف «مقارعة» التكتلات الغربية الأوروبية مستقبلاً، سواء اقتصادياً أو سياسياً، وربما عسكرياً أيضاً، إذ تشغل أوكرانيا موقعاً استراتيجياً حيوياً بين روسيا ودول شرق ووسط أوروبا والقوقاز، بتعداد سكان يبلغ 46 مليوناً.

وبما أن أوكرانيا كانت سلة غذاء الاتحاد السوفياتي السابق وقلبه الصناعي النابض، فإن روسيا تريدها أن تكون جزءاً من هذا الاتحاد، وتنظر إلى التحالف الاقتصادي بين أوروبا وأوكرانيا على أنه تحدٍّ خطير، وتهديد كبير لخططها الرامية إلى استعادة المجد الروسي الضائع، فأول تداعيات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومن بعده الحلف الأطلسي، هو خروج الأسطول الروسي من ميناء سيفاستوبول الأوكراني على البحر الأسود وتقلص الإطلالة الروسية عليه إلى شريط ساحلي ضيق لا يفي بغرض وجود قدرات عسكرية روسية معتبرة تؤمن المصالح الروسية في هذه المنطقة الحيوية التي ستصبح معبراً رئيساً لإمدادات النفط والغاز من آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا شمالاً وجنوباً. ومع أن هناك اتفاقاً بين موسكو وكييف يحدد عام 2017 لخروج الأسطول الروسي من الميناء الأوكراني، فإن روسيا تحاول التلكؤ فيه، سواء بالترغيب عبر طرح إمكان زيادة الإيجار السنوي للقاعدة الروسية البحرية في سيفاستوبول، أو بالترهيب عبر التلويح بالنكوص عن تنازل خروتشوف عن إقليم القرم لأوكرانيا عام 1954 باعتبارها جمهورية سوفياتية في ذلك الحين، فضلاً عن إثارة قضايا حدودية أخرى، بل والتهديد بتصويب الصواريخ النووية الروسية في اتجاه أوكرانيا في حال ظهور قواعد عسكرية أطلسية على أراضيها.

 

تحذير من انتكاسة

وقبل أشهر حذّر بوتين من أن العلاقات التجارية الضخمة بين روسيا وأوكرانيا ستتعرض لانتكاسة كبرى إذا قررت الأخيرة الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، قائلا:ً «إن محاولة أوكرانيا الجلوس على كرسيين في وقت واحد لن تنجح».

كما فرضت موسكو في الأشهر الأخيرة حظراً على صادرات أوكرانيا، متذرعة بشبهة تهريب بضائع أوروبية. فحوالى 80 في المئة من تجارة أوكرانيا الخارجية تمر عبر روسيا التي تستقبل أسواقها تقريباً ربع تلك الصادرات، والتهديد بسحب الصناعات الروسية «الحساسة» العاملة في أوكرانيا، لا سيما في قطاعي الطيران والفضاء، هو أمر بالغ الخطورة. وبالطبع لم يُستبعد إمكان استخدام «سلاح الغاز» الفتاك، فاعتماد أوكرانيا على الغاز الروسي جعلها مرتهنة، وأصبح عملاق الغاز الروسي «غاز بروم» يتحدث عن الدفع مسبقاً قبل التصدير، والذريعة ديون أوكرانيا التي وصلت إلى 1.3 بليون دولار.

وقال رئيس الوزراء الروسي ديميتري مدفيديف في هذا الشأن: «لن يكون هناك عفو عام عن الديون، وما من شيوعية في الغاز في المستقبل».

ويكفي للدلالة على حجم الضغوط الروسية، أن الرئيس بوتين عقد ثلاثة لقاءات خلال أسبوعين فقط مع نظيره الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش. وفي 20 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، زار مدفيدف نظيره الأوكراني ميكولا آزاروف. وبعدها بيوم وقع هذا الأخير نص قرار يقضي بإنهاء الاستعدادات لعقد اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وأقر بأن روسيا حضّت كييف على إرجاء التوقيع.

وفي الوقت ذاته، يضغط الاتحاد الأوروبي، هو الآخر، على أوكرانيا. فعلى رغم مشاكل أوكرانيا الكثيرة (عجز الموازنة المتوقع لهذا العام 8 في المئة، والديون التي وصلت إلى 130 في المئة من الناتج المحلي)، فإن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي يحقق مكاسب كبيرة لأوروبا من الناحية الجيو – سياسية، ففي ظل الابتعاد الأميركي عن أوروبا، وسعي موسكو لتشكيل اتحاد جمركي وتحويله إلى تكتل شبيه بالاتحاد الأوروبي، تبرز أوكرانيا كدرع تحصن أوروبا من التمدد الروسي. ويعتبر الأوروبيون، حتى اللحظة، أنه من غير المنطقي أن تجمع أوكرانيا بين الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والانضمام إلى اتحاد روسيا الجمركي.

وقد تجلت أدوات الضغط الأوروبية على الرئيس الأوكراني بوضوح أثناء قمة «أوكرانيا – الاتحاد الأوروبي» في شباط (فبراير) 2013. فقد طالبه الأوروبيون بالتزام معايير دولة القانون وحرية التعبير والحريات العامة، وإصلاح القضاء والتشريعات الانتخابية ومكافحة الفساد، وإطلاق سراح رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو، إذا كانت بلاده ترغب في تسريع وتيرة التعاون مع الاتحاد الأوروبي.

وحالياً، بدأ يدخل على خط الضغوط على كييف «صندوق النقد الدولي» الذي يستغل تدهور الاقتصاد الأوكراني حتى تذعن الحكومة الأوكرانية لمطالب الاتحاد الأوروبي. لكن بروكسيل لم تغفل أيضاً تقديم الإغراءات والوعود، إذ إن انضمام أوكرانيا إلى مشروع «الشراكة الشرقية» يساعدها على تحديث مجتمعها، وحصولها على مزايا اقتصادية، إذ ستنال نصف بليون يورو في أول سنة شراكة، وفوائد مباشرة من الإعفاءات الجمركية، ونمو الناتج المحلي بحوالى 6 في المئة سنوياً.

وفي ظل حجم الضغوط والإغراءات من موسكو وبروكسيل، باتت أوكرانيا في حيرة من أمرها، بين طموحاتها المتعلقة بالالتحاق بالاتحاد الأوروبي ومحاولتها إرضاء موسكو في آن واحد. وهذا في حد ذاته يُعقّد علاقات أوكرانيا مع الطرفين، وفي الوقت ذاته يزيد حدة استقطاب الأوكرانيين بين مؤيدي روسيا ومؤيدي الغرب.