Tuesday, November 12, 2019
اخر المستجدات

إله أبيض


| طباعة | خ+ | خ-

كتب رامي مهداوي:

العنوان اسم فيلم هنغاري بطله كلب، حصد هذا الكليب/الفلم/المخرج جائزة تظاهرة “نظرة ما” الموازية للمسابقة الرئيسية في مهرجان كان السينمائي الدولي، ان بساطة الفلم تفتح للمشاهد طريقان في كيفية استيعابه، إما تكون كطفل أو شاب ساذج لا يعنيه سوى ما يراه فقط، أو تنظر الى عمق المشاهد البسيطة وما وراؤها من مغزى على سبيل المثال الجارة لا تحب الكلاب!!. لهذا الرمزية والاستعارات المستخدمة في هذا الفلم تجعل منه عميق رغم بساطته، الفلم منذ بدايته أخذني الى رواية “مزرعة الحيوانات” للكاتب الإنجليزي جورج اورويل مع فارقين بسيطين الأول هو أن الفلم استخدم حيوان واحد وهو الكلب أما الرواية استخدمت عدد من الحيوانات، الفارق الثاني الرواية كانت بأسلوب ساخر أما الفلم كان أشبه بحياتنا اليومية الجدية.

الكلاب المقهورة، المقموعة، المطاردة، المضطهدة، تثور. وهذا ما بدأ به المخرج منذ المشهد الأول للفلم، حيث تظهر لنا الطفلة ليلي “جوفيا بشوتا” وهي تقود دراجتها الهوائية حاملة بداخل حقيبة الظهر آلة الموسيقى الرومانية “البوق”؛ تسير ليلى بشوارع خالية في مدينة بودابست المهجورة، ثم فجأة تنطلق خلفها عشرات الكلاب المسعورة، وهو المشهد الذي سيعود به المخرج إليه في نهاية الفلم من جديد، بعد أن يسرد لنا الحكاية من بدايتها.

الجميع يشتكي من الكلب “هاجن”، كلب مسالم، هادئ، بسيط، جميل؛ جميع من حوله يرفضونه… يرفضه والد ليلى الطبيب البيطري العامل في فحص صلاحية اللحوم_ هنا وظيفته ليست مصادفة_ يرفضه لأسباب كثيرة منها أن الدولة تفرض ضريبة على هذا النوع من الكلاب، الجارة التي تشتكي ظلماً على الكلب الرافضة لتواجده في العمارة فتحيك قصة ضده بأنه مسعور!!

يضطر والد ليلى إلى رمي الكلب في منطقة مهجورة دون موافقة ابنته، وهنا يبدأ الفلم بطرح سيناريوهات تعتبرها في البداية ساذجة ومملة وربما عادية من نظرة حياتنا اليومية، فيأخذنا الفلم الى الواقع الذي نعيشه نحن بني البشر من خلال الكلب “هاجن”؛ من خلال مروره بسلسلة الصراعات والمطاردات التي ينفذها الإنسان: معلم الموسيقى، السيارات في الشارع، تاجر الكلاب، بائع اللحوم، مكافحة الكلاب، عالم من الهروب والعذابات قبل أن ينتهي في ملجأ للكلاب المشردة. ليشاهد هذا الكلب المئات من الكلاب التي تتعرض للبيع، التعذيب، العزل الانفرادي، القتل الرحيم، سوء التغذية.

ومع كل ذلك وأكثر، لماذا لا تثور الكلاب؟! لماذا تبقى الكلاب عبيد عند الإنسان السادي؟! لماذا هذا الصمت؟! من سيقود؟ أين شرارة التحول ومتى ستولد؟ وكيف؟ هل الثورة بحاجة الى قرار؟ ما هي الخطة؟ من سيتعامل مع المستجدات؟ ما هي الأهداف؟ ثم يقوم “هاجن” بإشعال شرارة الثورة ويقود المسيرة مع الكلاب بجميع أنواعها… نعم بجميع أنواعها وأحجامها وألوانها. “هاجن” أصبح كلبا متوحشا قتل حارسه وحرر الكلاب الأخرى من أقفاصها، لتنطلق مسعورة الى شوارع بودابست وتقتل_كحالة من الثأر_ كل من أساء إليها من بني البشر، وهنا اذا ما تم مقارنة ثورة حيوانات رواية جورج اورويل مع ثورة الكلاب في هذا الفلم فإننا نجد حيوانات اورويل عبارة عن قصة الثورات التي ينقلب أبناؤها عليها وعلى الأسس والمبادئ والأهداف التي قامت من أجل تحقيقها، لينقلب السحر على الساحر_كما بداية الثورات العربية_ مما يجعل من هذه النيران التي أشعلت باسم الحرية والتخلص من الاستبداد والاستعمار تأكل أبناؤها، بعكس ثورة الكلاب فهم جميعاً اتحدوا. لكن الفلم والرواية مثال واقعي للثورات والأنظمة الظالمة وليست محصورة بزمان ومكان محدد.

الثورة التي قادها “هاجن” بالإمكان وضعها بسياقات وصراعات مختلفة مثل صراع طبقي.. صراع مدني.. صراع عرقي.. صرع ديني، وهنا أنت كمشاهد تستطيع اسقاط العديد من نظريات التحرر والتحولات الديمقراطية، وأيضاً شخصيات الفلم بإمكانك النظر عليها من خلال عدة صفات/مهام/وظائف/ لذلك ستجد المخبر، الحرامي، الرئيس، الوزير، البرجوازي، الديكتاتوري، رجل الأمن؛ الشخصيات والأحداث بالفلم تشير بلا شك الى نفس الشخصيات التي تشكل أي نظام سياسي أو اجتماعي، بالتالي كل مشاهد سيشكل في ذهنه طبيعة وشكل الصراع الذي يراه، وبعد ذلك أدوات الصراع ثم الزاوية التي يتوقع من خلالها تركيب وتحليل مفاهيم الصراع القائم.

استخدام المخرج لشخصية الكلب كان له دلالات كبيرة، ولا مجال لتحويل سيناريو الفلم بأن يكون الكلب هو إنسان، لسبب بسيط وهو أن المخرج ينتقد الإنسان كإنسان أولاً وأخيراً، ثم الأنظمة والسلطات التي يشكلها، حيث استطاع المخرج من خلال الكلب والكلاب نقد الأنظمة السياسية والاجتماعية والشخصيات المكونة لهما، ربما اتفق مخرج الفلم الهنغاري كورنيل موندريتسو مع الكاتب الإنجليزي جورج اورويل القول أن كل المشاكل ستحال قريباً إلى مجلس الحيوانات!!