Sunday, August 25, 2019
اخر المستجدات

الترضية والحرمان من الميراث نوع جديد من الاضطهاد ضد المرأة الفلسطينية


| طباعة | خ+ | خ-

رامي الغف

ظنت “ابتسام” للوهلة الأولى بأن إرثها من أبيها سينقذها من سنوات قضتها في استئجار المنازل والسكن فيها، واستبشرت خيرا بحصولها على إرث قد يمكنها من شراء قطعة أرض والعمل على بنائها، وطالبت أخوتها ببيع بيت العائلة، لتتمكن من تحقيق أحلامها سيما وأن زوجها موظف بسيط ، فوجئت “ابتسام” برفض شديد من قبل إخوتها متهمين زوجها بالطمع في إرثها ومصرين على ان الزوج هو من يتكفل بالمرأة والإرث للرجال فقط! حاولت بشتى الطرق إقناعهم فحصلت أخيرا على فتات الفتات واضطرت للقبول لأنها لم تشأ إدخال العائلة في مشاكل وعملا بمبدأ عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.

.تهديد بالقتل وتوقيع بالإكراه.

ابتسام ليست الوحيدة التي تنازلت عن إرثها فهناك قصص كثيرة لنساء فلسطينيات من المخيمات مرورا بالقرية وحتى المدينة، تنازلن عن حقوقهن المشروعة، إما تحت الإجبار والتهديد أو بطرق أخرى بهدف الحد من المشكلات والخلافات التي قد تستمر لفترات طويلة. قضية ارث المرأة ومظلوميتها في مجتمعنا قضية معقده ومهمة ارتبطت ببعض التقاليد والأعراف الخاصة التي تخالف أسس وقوانين الشريعة الإسلامية، (دنيا الوطن) كانت لها هذه الوقفة التي تعرفت من خلالها على بعض القصص والآراء.
“أم محمد خضر” واحدة من النساء التي تسكن مخيما للاجئين ويملك والدها مساحات واسعة من البساتين والدور تنازلت هي الأخرى مكرهة عن حقها في الإرث، حيث تحدثت عن معاناتها وقالت وقعت على التنازل تحت تهديد السلاح، فأهلي وزوجي ليسوا على وفاق وعندما طالبت بالإرث عقب موت والديّ لتحسين ظروفي المعيشية اخبرني أخي الأكبر بالحرف الواحد” لا يحق لك الإرث ولن نمنح أموال أبينا لسارق.
ويقصدون بالسارق زوجي فهم يعتبرونه محرضا من الدرجة الأولى لأنهم عندما رفضوا منحي الإرث هددتهم بإقامة دعوى قضائية ضدهم للحصول على الإرث فهجموا على بيتي في أحد الأيام وسحبوني بالقوة وأجبروني على التنازل عن إرثي تحت تهديد السلاح.

.لعبة الثعلب.

في الوقت الذي سلب أخوة “أم محمد” إرثها بالقوة، لعب “أحمد” لعبة الثعلب مع إخوته وأخواته أيضا، فالعائلة تمتلك بيتا كبيرا في أحد المناطق الراقية في المدينة، وبعد موت الوالدين تمكن “أحمد” من الحصول على توكيل من شقيقه المغترب للتصرف بحصته فأبتاع حصة أخيه لنفسه بعد أن وعده بتعويضه بقطعة أرض سكنية، بينما راح يتملق ويناور أخواته الثلاث حتى أقنعهم باسترضائهم بمبلغ من المال يساوي ربع حصة كل منهم بعد أن تباكى أمامهم وأقنعهم بان حصولهم على هذا المبلغ أفضل من بيع البيت بسعر زهيد.
وبعد أن باع جميع الحصص لنفسه واجه شقيقه الأوسط مطالبا إياه ببيع حصته لأن أغلب المنزل صار ملكا له وحاول الشقيق الحصول على حقه كاملا بعد أثاره العديد من المشاكل حتى اضطر أخيرا إلى التخلي عن حقه مقابل قطعة أرض سكنية زهيدة، وهذه الطريقة التي تبدو أكثر مكرا ودهاءا وغير مباشرة للحصول على الإرث.
وتستعمل بشكل أكثر لأن أغلب النساء يخشين من خسارة الأخ والبقاء وحيدة في مواجهة الزوج والحياة إذا ما رفضت التخلي عن إرثها فتضطر الى الرضوخ مكرهة. كثيرة في القصص التي ترتبط غالبا بقطاع غزة، وفي ذات الوقت هناك قصص أخرى في المدينة غالبا ما يحصل فيه الشقيق الذي يبق في بيت العائلة أخيرا على بيت العائلة تحديدا بعد إقناع أخوته بتضحيته وإنائه الكثير من سنواته في خدمة والديه.

.الشرع والقضاء.

شرح القرآن الكريم الحق الشرعي للمرأة في كافة الأمور الحياتية ومنها الإرث، وعرفها على حقوقها الشرعية التي يجب أن تحصل عليها شرعا، ولا يرتضي الله سبحانه وتعالى الظلم للمرأة، في الوقت الذي وجد الرجل ليكون حاميا لها ووصيا عليها وسندا لا مغتصبا لحقها وظالما لها .يستغرب الشيخ “أحمد الحسني” وهو رجل دين تلك الظاهرة التي لا تمت للإسلام بصلة واصفا إياها بالظاهرة المقيتة مؤكدا أن الإسلام يحرم على الرجل ظلم المرأة وسلب حقها في ميراثها الشرعي ولا يجوز له ذلك.
بينما راح القاضي سيد مرعي أحد رجال الإصلاح إلى أبعد من ذلك موضحا، ان ظاهرة سلب ميراث المرأة ظاهرة منتشرة في مجتمعنا الرجولي وهي مرفوضة شرعاً وعرفاً وأخلاقيا، ولا يعترف بها شرعنا المقدس، حيث ان المرأة أكد حقها القران الكريم ان للمرأة نصف حق الرجل في قوله تعالى (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)) وكذلك السنة النبوية الشريفة الطاهرة وهناك تفضيل مثبت لبقية حياتها كزوجة.
ويضيف القاضي مرعي وبالنسبة للحكم الشرعي فان مغتصب حقها مجرم شرعاً وحرام قطعياً والعقوبة كبيرة في يوم القيامة اليوم الذي لا ينفع به مال ولا بنون ودستورية حين يثبت موقعها كأخت وزوجة وأم يأخذ الشرع حقها غير منقوص. ونرى إن المرأة في فلسطين يجب الوقوف إلى جانبها لنرتقي بها لمصاف المجتمعات الراقية في العالم.
القاضي مرعي يؤكد على عدم وجود نص في القانون يشير الى سلب حق المرأة في الميراث، على العكس من ذلك فان القانون في القسام النظامي اعطى للمرأة حق اكثر مما تستحق شرعا، حيث ساواها مع الرجل في الارث اي الميراث ولم يقتص من حقها وفي حال إحالة دعاوى من قبل نساء مغبونات في مجال الإرث فان المحكمة تمنحهن حقوقهن كاملة وتكسب الدعوى لأن الإرث من حقها شرعا، في حال ثبوت الأدلة ووجود الشهود سيما في حالة إجبار المرأة على التنازل عن حقها والتوقيع على التنازل، ولكن ما يحدث هو التكتم على مثل هكذا ممارسات ضد المرأة ان وجدت حفاظا على الشكل الاجتماعي وتجنبا للمشاكل وهذا عائد إلى موروثات العادات والتقاليد.

.حرمان من الميراث.

سهير البابا الخبيرة القانونية في قضايا حق المرأة بالميراث أكدت أن مئات السيدات تعانين من الحرمان من الميراث، مؤكدة أن جهود أهلية وقانونية حثيثة تجري لتمكين المرأة من حقها عبر مشاريع عدة.
وبينت البابا أن أهم التحديات التي تواجه النساء للحصول على حقهن في الميراث المعيق الاجتماعي الناجم عن الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع، ونظرة العيب والتخجيل التي تمنع المرأة من المطالبة بحقها بالميراث، بالإضافة إلى خوفها من مقاطعة أهلها أو إيذائها.
كما وأوضحت أن المعيق الثاني يتمثل في المعيق القانوني والمتمثل بعدم وجود نص صريح يجرم حالات الاحتيال والإكراه التي تمارس ضد المرأة لحرمانها من ميراثها, وغياب قوة الردع القانوني بعدم وجود عقوبات مشددة لمن يحرم المرأة من ميراثها، بالإضافة إلى عدم وجود نصوص تفرض للمرأة تحصيل حقها بالميراث بقوة القانون.
وأشارت أن المعيق الثالث يتعلق بالمعيقات القضائية والإجرائية والتي تتمثل بطول إجراءات المحاكم بالنسبة لقضايا الميراث، والتي تؤدي إلى موت القضية وضياع حق النساء، بالإضافة إلى الإجراءات القانونية المعقدة التي تستغرق وقتاً طويلاً، لافته في الوقت نفسه أن من المعيقات التي تحرم المرأة من حقها بالميراث المعيق الاقتصادي موضحة أن الرسوم المرتفعة والتي تفوق إمكانيات العديد من النساء، كذلك أتعاب المحامين في قضايا الميراث، مما يدفع الكثير من النساء إلى التنازل عن أجزاء كبيرة من حقهن.

.آثار نفسية.

يعلل الدكتور محمد أيوب أستاذ علم النفس في جامعة القدس الآثار النفسية التي تترتب على المرأة عند فقدانها لإرثها مشبها فقدان الإرث بفقدان الثقة بالأهل والشعور بالوحدة والإحساس المباشر بالضعف أمام الزوج، مشيرا إلى أن الظاهر قد تكون مخفية ولكنها مبطنة في دواخل المجتمع الفلسطيني وتحتاج إلى إدراك وفهم حقيقي لحقوق المرأة، وتبتعد غالبية النساء عن تقديم شكوى حفاظا على شكل العائلة والعلاقة بالأشقاء ولكن الآثار النفسية تبقى شاخصة ولا يمكن نسيانها بعد أن قام عنوان الحماية بالنسبة لها وهم أشقاؤها او أقاربها بحرمانها من حقها في الإرث.

. عادات وتقاليد .

رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان المحامي هاني الدحله، قال ان التقاليد والعادات الدارجة في المجتمع العربي وهو كغيره من المجتمعات الاخري تحصر حق الإرث وخاصة في الأراضي في الأبناء الذكور، وتحرم الإناث في غالب الأحيان، والسبب في ذلك ان العائلة تريد ان تبقي الأرض والعقارات باسم العائلة، ولا تذهب للانسباء والأصهار في حالة توريث البنات، وكانت الأراضي وخاصة الزراعية هي المورد الأكبر وأحيانا الوحيد لإعاشة العائلة ، ولكن هذه العادات والتقاليد بدأت تنحسر قليلا مع التعليم والثقافة وازدياد فرص العمل للنساء، وان كانت سائدة لدى نسبة كبيرة من المواطنين، ورغم ان الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالإرث واضحة في وجوب توريث الذكور والإناث، لذا فإن المواطنين الذين يلجئون لتوزيع أملاكهم قبل وفاتهم على الذكور فقط إنما يفعلون ذلك فقط للأسباب المذكورة آنفا، وللأسف فإن الأخوات لا يستطعن اللجوء للمحاكم اذا ما تم التوزيع في حياة الموروث لأن كل إنسان حر بأملاكه يستطيع ان يعطيها بمقابل او دون مقابل لمن يشاء، ولكن في حالة الوفاة والأملاك لا تزال باسم الموروث فإنها توزع حسب الشرع بين الذكور والإناث ، وهناك حالة استثناء واحدة يمكن فيها اللجوء للمحاكم لإبطال عملية حرمان الإناث، وذلك عند وقوع توزيع الأملاك في مرض الموت وهو المرض الذي لا رجاء من الشفاء منه، والذي يمكن ان يستمر لمدة سنة قبل الوفاة ومن الأمور اللافتة للنظر ان حرمان الإناث يتم في بعض الأحيان بموافقتهن وبطلب منهن لأنهن يردن ان تبقى أملاك العائلة في الرجال فقط.
وأخيرا يبقى أن نؤكد على أن المرأة في فلسطين تحتاج إلى تثقيف في جانب الحقوق المادية وعليها ان تكون شجاعة في طرح مشكلتها حتى وإن كانت تمس الأعراف والتقاليد، من خلال إقامة الندوات وورش العمل حول حق المرأة في إرثها وضرورة المطالبة به وعدم الخضوع إلى سلطة الرجل أبا او أخا أو أي من الأقارب في هذا المجال .

المصدر: دنيا الوطن