Sunday, August 18, 2019
اخر المستجدات

التهديد بوقف التنسيق الأمني وحكاية “الراعي والذئب”


| طباعة | خ+ | خ-

يفترض أن تقدم لجنة مكلفة من قيادة منظمة التحرير خطة شاملة بآليات وقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي خلال مدة أسبوعين من إعلان تكليفها الصادر الخميس الماضي.

غير أن ثمة شكوكا هائلة يظهرها مراقبون بشأن مدى جدية قيادة السلطة في اتخاذ قرار عملي بوقف التنسيق الأمني علما أنها هددت بذلك مرارًا خلال الأعوام الماضية بغرض ما يوصف المناورة.

إذ أعلنت قيادة المنظمة في مايو من العام الماضي تشكيل لجنة خاصة لدراسة التحلل من الالتزامات الأمنية والاقتصادية مع الاحتلال للشروع الفوري بها دون أن تخرج أي توصيات عملية بشأن ذلك.

وجاء قرار المجلس المركزي في الخامس من مارس الجاري “بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله” ليستجيب لحملة مطالبات استمرت سنوات من فصائل وأوساط فلسطينية غير أن العبرة ظلت مجددا بسريان القرار.

غموض وتضارب

تضم اللجنة المكلفة بوضع تفاصيل آليات تنفيذ القرار القديم-الجديد بوقف التنسيق الأمني قادة الأجهزة الأمنية فيما يبقي التضارب سيد الموقف بشأن الصفة التي ستحملها توصيات هذه اللجنة عند صدورها ومحلها من التنفيذ.

وبخلاف ذلك فإن كبير مفاوضي السلطة صائب عريقات أعلن أن أي توجه لوقف التنسيق الأمني لن يشمل جميع جوانبه وسيقتصر على تبادل المعلومات الأمنية فيما يستمر الشق المدني منه.

ورد مصدر أمني فلسطيني وصفته صحيفة “الغد” الأردنية بالرفيع على تصريحات عريقات بأنها “هراء”، مشيرًا إلى أنه لا يمكن ل”إسرائيل” أن تقبل بوقف مستويات من التنسيق الأمني والإبقاء على أخرى.

ويوصف التنسيق الأمني على أنه أبرز تفاهمات اتفاق أوسلو التي تأسست بموجبه السلطة الفلسطينية عام 1993 ونص في حينه على أن من واجب الأجهزة الأمنية الفلسطينية محاربة “الإرهاب”.

كما أن التنسيق الأمني هو وظيفة السلطة الفلسطينية الأساسية وفق ما كرره عدد من قادة الاحتلال وأقر به قادة السلطة، وهو أساس كل المبادرات الدولية التي طرحت لحل الصراع مثل مبادرة خارطة الطريق وخطة تنت.

ومعروف أن التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال يشتمل على 13 بندا تشمل تسيير الشئون المدنية والارتباط العسكري بين الجانبين والأهم منع عمليات المقاومة وملاحقة سلاحها والتبادل الرفيع للمعلومات الأمنية.

كما أن التنسيق الأمني يأخذ منحنى إقليمي تعد كل من مصر والأردن أبرز أركانه وهو ما يظهر حجم الصعوبة في اتخاذ قرار جدي بشكل أحادي من طرف السلطة الفلسطينية رغم التفاقم غير المسبوق لأزمة مشروعها.

مناورة لا أكثر

ولعل نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست الإسرائيلي وفوز حزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو مجددا شكل تعميق لأزمة السلطة خصوصا بعد تصريحه بأنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية بعد انتخابه وهو ما حدث.

ويقول المحلل السياسي من غزة عدنان أبو عامر إن “نتائج الانتخابات الإسرائيلية لها دور كبير بتحديد طبيعة القرارات الفلسطينية القادمة لكن لا توجد مؤشرات جدية بإقدام السلطة على وقف حقيقي للتنسيق الأمني”.

ويشير أبو عامر لوكالة “صفا” إلى أن قرار بحجم وقف التنسيق الأمني “له تبعات كبيرة بردة الفعل الإسرائيلية وهو سيناريو لا تريد السلطة المغامرة بحدوثه وتفضل بدلا من ذلك إبقاء مراهنتها على المستجدات”.

ويعتبر أن “السلطة ستبقي تناور في التهديد والتلويح بوقف التنسيق الأمني دون أن ينفذ ذلك على أرض الواقع كونه يعني تحول الضفة الغربية إلى ساحة انطلاق عمليات المقاومة مجددا ويهدد وجود السلطة كليا”.

وينبه أبو عامر إلى أن السلطة “تخشى الكثير من تصاعد العقوبات الإسرائيلية بحقها بينها رفع مستوى العقوبات الاقتصادية وممارسة عقوبات ضد مسؤوليها وصولا إلى تكرار حصار الرئيس الراحل ياسر عرفات مع خلفه محمود عباس”.

اطمئنان إسرائيلي

سبق أن تحدى مسؤولون إسرائيليون في عدة مناسبات قيادة السلطة باتخاذ قرار فعلي بوقف التنسيق الأمني، ولم يحدث أن أظهروا خشيتهم من الإقدام الفعلي على ذلك.

علما أن قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أعربوا سابقا عن إعجابهم الشديد بقدرات الأجهزة الأمنية للسلطة على تحسين مستويات التنسيق الأمني وفائدة ذلك خصوصا منذ عام 2007 في الحد شبه الكلي من عمليات المقاومة.

في المقابل سخر معارضو السلطة من أن التهديد بوقف التنسيق الأمني بات مثل حكاية “الراعي والذئب” الشهيرة، لدرجة أن قرارا بوقف التنسيق الأمني إذا ما اتخذ فعلًا لن يصدّقه أحد.

وبتقدير الكاتب والمحلل السياسي في رام الله هاني المصري فإن كل تهديدات السلطة “لعب في الوقت الضائع لحين العودة إلى لعبة المفاوضات التي يُراد أن تكون اللعبة الوحيدة رغم أنها لعبة قاتلة للفلسطينيين وقضيتهم”.

ويعتبر المصري لوكالة “صفا” أن تهديدات السلطة سواء بوقف التنسيق أو مراجعة مجمل العلاقة مع الاحتلال “مجرد وسائل للضغط لاستئناف المفاوضات في إطار زمني محدد لإنهاء الاحتلال رغم الفشل المتكرر”.

ويشير إلى أن الاطمئنان الإسرائيلي لتهديدات السلطة له ما يبرره “لأن السلطة لو كانت بوارد التصعيد كانت ستستعد لذلك بترتيب البيت الداخلي وإنهاء الانقسام وتفعيل منظمة التحرير والخروج الكلي من نفق أوسلو المظلم”.

ويشدد على أن “أصل حكاية التنسيق الأمني خاطئة منذ البداية لأن الموضوع أكبر من تنسيق كونه يتعلق بالمساهمة في توفير الأمن للاحتلال، رغم أنه لا يُعقل أن يقوم طرف يناضل ضد الاحتلال بتوفير الأمن له كطريق لإنهاء الاحتلال”.

ويخلص المصري إلى استبعاد اتخاذ السلطة قرارا عمليا بوقف التنسيق الأمني “لأنه سيقود إلى إطلاق يد المقاومة ضد الاحتلال وبالتالي ستفقد السلطة أبرز مقومات وجودها وستنهار من دون أي أسف إسرائيلي”.

نقلا عن صفا