الخميس 02 / ديسمبر / 2021

“الجهاد الإسلامي” تتحدى حركة “حماس”

الكاتب: رجب أبو سرية

الكاتب: رجب أبو سرية

كثر الحديث خلال الفترة الأخيرة عن هدنة على جبهة غزة بين «حماس» وإسرائيل، وذلك بالترافق مع الحديث عن صفقة تبادل الأسرى لدى الجانبين، والحديث عن إعمار غزة، أو حتى الحديث عن حل يتضمن دخول الأموال القطرية الخاصة برواتب موظفي «حماس»، حيث واصلت القاهرة جهودها الحثيثة في استقبال الوفود الفلسطينية والإسرائيلية متعددة المستويات والتخصصات، تباعاً، وذلك في محاولة لاختراق أحد الملفات الفلسطينية – الإسرائيلية الشائكة والمعقدة نظراً لتداخل العناصر المحلية والإقليمية فيه، حيث ليس صحيحاً بأن من يذهب للقاهرة لديه صلاحية اتخاذ القرار النهائي في التو واللحظة، بمعزل عن الآخرين وكذلك دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة اللحظة والتوقيت.

أول أمر يمكن ملاحظته هو أنه بالنظر إلى أن ما كان يعتبر مبرراً لدى عدد من الأطراف للتريث، ونقصد به إقرار الميزانية الإسرائيلية، قد مر منذ أسابيع، دون أن تقدم إدارة جو بايدن على تنفيذ ما وعدت به من إعادة فتح قنصليتها في القدس الشرقية المحتلة، فضلاً بالطبع عن التقدم نحو إعادة إطلاق المفاوضات لتجسيد حديثها عن حل الدولتين، وذلك رغم ما بذلته القاهرة مع عمان قبل فترة من إعداد مبادرة مصرية بهذا الخصوص، ترافقت مع تخبط داخلي إسرائيلي حول الاتصال بالقيادة الفلسطينية على المستوى السياسي، وتحديداً مع الرئيس محمود عباس، حيث أقدم أكثر من عضو بالحكومة على لقاء الرئيس الفلسطيني، في الوقت الذي كان يعلن فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت رفضه إقامة دولة فلسطين، التي يجسدها شخص الرئيس عباس.

يبدو أن تردد واشنطن في التقدم بأي خطوة ذات مغزى سياسي باتجاه فلسطين وقيادتها، مبعثه، أولاً طبيعة الرئيس بايدن وطاقم إدارته، الذي أكمل العام الأول من ولايته دون أن ينجز شيئاً، وثانياً، الى تعثر المفاوضات مع إيران، بما يعني بأن التكتيك السياسي للحكومة الإسرائيلية التي أبدت انضباطاً وتريثاً على عكس سابقتها، قد حقق شيئاً، خاصة مع التقدم الملموس فيما يتعلق باتفاقيات أبراهام، مع الإمارات والبحرين والمغرب ميدانياً، وحتى مع السودان، الذي أقدم على انقلاب قام من خلاله المكون العسكري بالإطاحة بشراكة المكون المدني، الذي كان يعارض التطبيع مع إسرائيل، له في الحكم، لكن السبب بتقديرنا في عدم التقدم نحو العودة لاتفاق 5+1 مع إيران يعود لإيران التي استثمرت جيداً انتخاباتها الرئاسية، بحيث كسبت الوقت، وأبعدت أي احتمال لتعديل الاتفاق، بما يتوافق مع المطلب الإسرائيلي.

في ظل هذه الأجواء، فإن واشنطن تسعى لتحقيق أي إنجاز على الأرض، ومنذ ستة شهور مضت، وهي ترى في ملف غزة ضالتها، لذا فإنها قامت بدعم القاهرة للتركيز على هذا الملف لعلها تحقق فيه تقدماً، طبعاً بالتوافق مع ما لا ترفضه تل أبيب ونعني به تقديم تسهيلات مالية وخدمية للجانب الفلسطيني ظهرت على شكل إعادة ملف لم الشمل، كذلك زيادة عدد العاملين وراء الخط الأخضر، وزيادة تصاريح التجار، وما إلى ذلك.

وحيث إن ملف غزة يحتوي أكثر من بند، منها بند الإعمار، وصفقة تبادل الأسرى، وبند دخول المنحة القطرية الشهرية، بالطبع إضافة الى ملف المصالحة، فإن القاهرة فتحت كل هذه الملفات مجتمعة، والتقت العديد من الوفود من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وبذلك تحركت هذه الملفات لكن لا شيء يمكن اعتباره بات في اليد، او في مرمى التحقق، نظراً لتعدد القوى الإقليمية ذات القدرة على التأثير في غزة.

ولعله من الواضح، أنه إضافة للفصائل الفلسطينية المختلفة، هناك تأثير ملموس لكل من القاهرة والدوحة، إضافة لأنقرة وطهران، طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار التحرك في حجم التأثير بين فترة وأخرى، واذا كانت كل من قطر وتركيا وحتى مصر تؤثر في معادلة اتخاذ قرار الحرب والسلم، وحتى قرار المصالحة والبقاء على الانقسام، من خلال تأثيرها على «حماس»، فإن طهران التي لديها تأثير أكثر على جناح «حماس» العسكري، مقابل تأثير مصر وقطر وتركيا على الجناح السياسي، فإن طهران لديها الحليف القوي جداً المتمثل بـ «الجهاد الإسلامي»، التي تمثل القوة العسكرية الثانية بعد «القسام» في غزة.

ولأن «القسام» ومعه الجناح السياسي لـ «حماس» بعد نحو عقد ونصف من ممارسة السلطة في غزة، وكذلك من خلال ممارسة العلاقات السياسية مع حكومات وأحزاب إقليمية، يمكن القول بأن مستوى من البيروقراطية قد انتابهما، وبأنهما يبديان استعداداً دائماً لوراثة «فتح» في السلطة وحتى «م ت ف» بما يعني بأن ما يبديانه من معارضة ما لـ «فتح» والسلطة، مبعثه تلك الحسبة السياسية، وليس شيئاً آخر، في حين «الجهاد» دافعها مختلف، وهو أن تحقق أو حتى انفذ مصلحة طهران، أو ما تسميه من حلف المقاومة في كل ما تتخذه على الأرض من مواقف وسياسات، وقد بدأ منذ وقت يظهر الاختلاف في الموقف أو درجته بين «حماس» و»الجهاد» أو بين «القسام» و»السرايا».

لاحظنا هذا في المواجهات الأخيرة، حتى أن آخر اتفاق تهدئة كان الطرف الرئيسي المقابل للإسرائيلي هو «الجهاد» وليس «حماس»، ثم فيما أعلنه قبل أكثر من شهر زياد النخالة، أمين عام «الجهاد» حين هدد بشن حرب لإسناد إضراب أسرى حركته، حتى اضطرت «حماس» لإعلان تضامنها معها ومعهم، ثم ها هو ممثل «الجهاد» في غزة، الأخ خضر حبيب، يعلن رفض حركته لأي تهدئة على جبهة غزة، يبدو أن إسرائيل تريدها لتخفيف قوة الضغط أو التهديد الذي يمثله حلفاء ايران الإقليميون، في مواجهة ازدياد احتمالات المواجهة بين إيران وحلف «أبراهام» الأمني.

وبالنص قال حبيب إن خيار التهدئة لخمس سنوات مرفوض تماماً، أي أن هناك حديثاً عن تحديد مدة زمنية للتهدئة القادمة، وهذا أمر يجري الحديث عنه لأول مرة، ورفع حبيب من سقف الموقف السياسي لـ «الجهاد الإسلامي» بالتأكيد على شروط المقاومة لأي صفقة تبادل أسرى، هذا رغم أن الأسرى الإسرائيليين هم جميعاً لدى «حماس»، ولا أحد منهم لدى «الجهاد» أو غيرها، بما يعني بأن عقد صفقة تبادل الأسرى هو أمر خاص بحماس حصراً وتحديداً، لكن حشر «الجهاد» أنفها في هذا الملف هدفه تكبيل «حماس»، والتأثير على قرارها الداخلي، وعدم التوصل لأي اتفاق بهذا الصدد من شأنه أن يخفف الضغط العام عن إسرائيل وواشنطن معاً، لتواجهها طهران بحرية وقوة أكثر.

وهكذا يمكن القول بأن «الجهاد» تمثل تحدياً جدياً ومتصاعداً لـ «حماس» في غزة، يشبه ما يمثله حزب الله من تحد للحكومة اللبنانية، بحيث إن الخلاف السياسي خاصة بين «الجهاد» والقيادة السياسية لـ «حماس» يتصاعد، كلما تقدمت «حماس» نحو السلطة، او نحو النجاح في فتح بوابة التفاوض، وإن كان عبر وسيط، بينها وبين إسرائيل.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook