Wednesday, September 18, 2019
اخر المستجدات

الحج في زمن الانهيارات


نادية حرحش

نادية حرحش

| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب: نادية حرحش

في ظل الوضع المأساوي العام والخاص الذي يعم البلاد المسلمة العربية، من تهجير وقتل وفقر. تلك المشاهد التي نتداولها جميعا كمتدينين، علمانيين، فتحاويين، حمساويين، دحلانيين، عباسيين، مسيحيين، مسلمين، جبهة النصرة، نظاميين، إخوان، سلفينن، قاعدة، داعش، اشتراكيين، وشيوعيين. نتفق جميعا على بؤس هذه المناظر، والظلم الواقع على أصحابها. فلا تزال صور الحروب التي يشنها المسلمين على بعضهم عالقة في أذهاننا لا تتحرك من هولها. بين غارات على سوريا من كل الاتجاهات، وغارات على اليمن، وتقسيم جديد للسودان وقمع، وانحياز كامل لدولة الاحتلال. دمار مستمر يكتب عنوان المرحلة ويسطر اتجاهاتها. كلنا نرفع نفس الصوت وبنفس الحرقة، لنتساءل أين الحكام وأين العدل وأين الدين وأين الإسلام مما يجري للمسلمين؟

ويأتي موسم حج آخر، ويتسابق المسلمون بشتى الألوان والأعراق والأقطار من أجل الحظي بحجة تقربهم الى الله ويكملون فيها دينهم. لا يمكن التنكر ابدا بسعي المؤمن نحو هذا الشعورالى قمة الوصول تقربا من الله في الحج. ويمكن فهم حلم كل مسلم بالحج الى بيت الله الحرام. ولكن حج البيت مرتبط بالاستطاعة.

والاستطاعة لا تكون فقط بالاستطاعة المالية. فليس المطلوب ان نجوع من اجل الذهاب الى الحج، وأن نحرم أبناءنا وذوينا من أجل هذه اللحظة. والحج اليوم ليس كما كان في السابق، فهو مكلف بتكلفة الإعمار الذي يجري للمكان. فمن اجل الحج يحتاج الانسان العادي ما بين (٥٠٠٠ – ١٠٠٠٠) دولار ليحظى بحجة محترمة، أي في فندق وطيارة. والانسان غير المقتدر تكلف حجته أقل بقليل من الـ٥٠٠٠ في أحسن الاحوال. ناهيك عن الحجات المتميزة التي تتعدى تكاليفها العشرة الاف، وتلك الملوكية، والرئاسية، وغيرها التي تقفز تلك الارقام بكثير. ويترتب على الحج المصاريف التي تأتي بعده من هدايا واستقبالات وولائم وغيرها كل كذلك على حسب مستواه. فاذا ما ذهب مليونا حاج هذه العام بمتوسط الـ ٥٠٠٠ دولار، سيكون مدخول الحج ١٠٠٠٠،٠٠٠،٠٠٠ أي ١٠مليون المليون بأضعف حسبة ممكنة.

نصف هذا المبلغ هو بأقل تقدير من اموال الفقراء الذين يعيشون كل حياتهم من اجل هذه اللحظة. ولن اتكلم عن المشهد الذي آل اليه بيت الله الحرام من تحديث حتى أزعج في وصفه غير المسلمين كذلك، لانعدام روح المكان القدسي منه، وتحول المنطقة الى ما يشبه التجمعات التجارية السياحية.

فإذا ما كنا كمسلمين مؤمنين بأن هذا الموسم هو موسم الوصل الى مرضاة الله. موسم الحجيج لبيت الله حيث يكون الله أقرب وملائكته، فلم يبتعد الله عن بيته في هذه الأيام؟ ايعقل انه غضب الله على امة الاسلام الذي وصل كفرها ذروته اذا ما كان الكفر غياب اخلاق وقيم وقتل وذبح واستبداد؟ ايعقل ان يرضى الله بان تحارب اليمن من قبل العرب وقيادة السعودية؟ أيعقل ان يرضى الله بأن يرمى ابناء ملة حبيبه محمد بالبحر كمن يرمي الطعم للسمك بالآلاف؟ ايعقل ان يرضى الله عن امة يهرب شعوبها طلبا للحياة في وقت يدعم قادتها الموت من كافة الاتجاهات؟

في المقابل، هناك كذلك المعضلة الفلسطينية، فتشهد الساحة الفلسطينية هذه الأيام حالة غضب شعبي تنعكس على السعودية، بين طرد “مطبع” من المسجد الاقصى وبين اغنية زجلية تغنى بالافراح تعبر عن الاستياء من السعودية، فكيف ينفصل الموقف الشعبي هذا من استياء عن الذهاب الى السعودية؟ ومع هذا يبدو ان هناك حريا ضروسا من اجل الذهاب الى الحج، تجري في وزارة الاوقاف المسؤولة عن الحج، وقد يكون موضوع ما جرى في الخان الاحمر مجرد قشة في كوم المشاكل والقصص في هذا الصدد.

ولكن على الصعيد العربي والاسلامي، فهناك فرصة لأن يقول المؤمنين كلمتهم بشأن حكومة السعودية التي تقود حملات الحروب في المنطقة وتلعب دورا اساسيا في تصفية القضية الفلسطينية لصالح الاحتلال الاسرائيلي.

في خضم كل ما يجري من مآسي متلاحقة، علينا كأمة تتوجه بكل ما لديها الي الله في هذه الايام، من اجل طلب مغفرة، وغسل ذنوب، والسعي الى طلب، في دعاء. نفكر وكأن الله لا يرى الا الشخص الآني منا. وكأن الله لا يهتم لما صرنا اليه كأمة تتقاتل فيما بينها وتتآمر على نفسها، ولا تتوانى عن الأذى والأذية.

نستعد للوقوف امام الله ولا نخجل الطلب.. نرفع الايدي للدعوات والاستغاثة.

ولا نربط من قريب او بعيد، تحميلنا للسعودية عبء الحروب، وإمكانية استخدام هذه الأموال التي تهدر من قبل الرأسمال الفلسطيني وجيوب الدولة المستجدية للمعونات والأموال، في اطعام فقراء وإعادة اعمار بيوت دمرها بطش الاحتلال واعالة عوائل مستورة.

في وقت تعاني الدول من الفقر الذي بات يصل الى المجاعة بين ابنائه. غلاء لا يحتمل. فرص تنعدم امام الشباب وغيرهم. والشتات الملحق بكل اولئك اللاجئين الفارين نحو حياة مبهمة يحيطها الفقر والعوز.

أليس من الحق، الدعوة الحقيقية للمسلمين بأن تذهب هذه الأموال لردء شتات الملايين الفارين من سوريا، تلاطمهم أمواج البحار وجبروت ظلم الإنسان في الغربة واللجوء؟

لإعادة اعمار البيوت التي لا يزال اهلها في انتظار اعادة اعمار بطيء في غزة ومستشفيات وكهرباء؟

لإغاثة المنكوبين في اليمن، للكوليرا والاوباء المنتشرة بفعل الحرب؟

لإطعام الفقراء في دول العروبة؟

أليس أجدى بالفلسطينيين لو ذهبت أموال الحج هذا العام لإسكان عشرات العوائل التي تم هدم بيوتها قبل أيام؟

كم هو بريء الاسلام من مسلميه فقراءً وأغنياء، ظالمون ومظلومون! السير على نفس الخطى من الجهل، والله بريء من أفعالنا ومن هواجسنا، ومن نفوسنا المريضة الجاهلة، التي عمت بصيرته، فيعميها الله اليوم عن رؤية الحق وعمله.

بينما نكيل المسبات على الحكام وظلمهم، وندعو عليهم، ونتمنى الخلاص منهم. نحن الشعوب لا نختلف عنهم. فهل من مسلم مؤمن يفكر ويتفكر للحظة ويهدي تكاليف حجته هذا العام للاجئ او فقير معدم؟

هل من مسلم مستعد بأن يقتطع ولو جزء بسيط من مصروفات حجته التي عقد الرحال اليها لمساعدة اللاجئين والفقراء والمحتاجين؟ فلو تم اقتصاص ١٠٠ دينار من كل حاج من اجل اللاجئين لانتهت أزمتهم. فهذه المئة دينار ستكون مئتي مليون دينار. ستكفل حتى بعدم نزوح الشعوب عن اراضيها.

أتساءل عن الدعوات التي سيلقيها خطباء الحج في الأيام القادمة في صلواتهم.

هل سينادي الخطيب بتخليص الله لنا من داعش في عقر دارها، أم سيكتفي بدعواته للنيل من الرئيس السوري؟

هل ستكون الدعوات شاملة التخلص من الصهيونية والدعوة على اليهود بأنهم ابناء القردة والخنازير؟ أم سيشدد على حق إسرائيل في الوجود ويشيد بنتنياهو ويدعو ربما الناخب الاسرائيلي الى انتخابه؟ هل ستكون الدعوات في لم شمل المسلمين ولقد أغلقت العرب أبوابها عنهم؟ هل ستكون الدعوات على الشيعة والخطر الإيراني لدرء الخطأ في الدعوات؟

كيف سيرفع المسلمون أيديهم الى الله تذرعا وقد منعت ايديهم عن تقديم الخير لأنفسهم؟!

أم أن الله بالنسبة لهم مشروع شخصي، لا يرى ولا يسمع إلا ما نخبره به. فالفقير يزحف إليه لطلب الثراء، والمريض من أجل الشفاء، والمخطئ من أجل العفو، كأن الله حساباته شخصية، ستصرف لهم هناك!

بالله يا أمة الاسلام..

لقد أصبحنا بكم شر أمة، تعود بالشر على نفسها وعلى الأمم.