Saturday, September 21, 2019
اخر المستجدات

الدبلوماسية الفلسطينية: التخندق خلف مواقف جامدة


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب / أشرف العجرمي

مما لا شك فيه ان القيادة الفلسطينية تشعر بإحباط شديد نتيجة للموقف الدولي الذي لا ينتصر للحق الفلسطيني ولا يقف في وجه المحتل المعتدي. ولعل اكثر ما اثار خيبة الامل لدى القيادة الفلسطينية هو ما تضمنه تقرير اللجنة الرباعية الدولية، الذي بصورة أو بأُخرى حاول خلق توازن بين الضحية والجلاد في بعض بنوده، ولهذا السبب تمت مهاجمة التقرير وتوجيه اشد الانتقادات له. ولكن رد الفعل الفلسطيني حصر نفسه في الوقوف ضد التقرير اكثر من إيجاد السبل لتحسينه والاستفادة من النقاط الإيجابية فيه.

وهذا الموقف أراح إسرائيل كثيراً، فإذا كان الفلسطينيون يرفضونه ويصرون على عدم التعاطي معه، فلماذا تقلق إسرائيل بدحضه والدفاع عن نفسها في كل ما ينتقدها ويوجه اللوم لها وخاصة موضوع الاستيطان والإجراءات الاحتلالية التي تناولها. في الواقع أوروبا منزعجة من الموقف الفلسطيني حتى لو لم تكن تعبر الدوائر الأوروبية عن هذا الانزعاج علناً أو بصورة رسمية. وأكثر ما يقلق أوروبا هو عدم اهتمام الفلسطينيين بصدور قرار دولي عن مجلس الأمن يتبني التقرير، خصوصاً وأنه يعبر عن موقف أطراف عديدة.

وحتى لو نجحت الإدارة الأميركية في إحداث تغيير على لغة التقرير فهناك أطراف دولية أخرى موقفها أكثر وضوحاً وينبغي أخدها بالاعتبار، والبعض يقول لماذا لم تبذل السلطة الفلسطينية جهداً جدياً لضمان وجود مضامين أكثر إيجابية. كما أنها الآن تكتفي بموقف سلبي فقط، وتعيق قراراً دولياً قد يساهم في تغيير الواقع وقد يفتح الطريق أمام عملية سياسية جديدة قائمة على المبادرة الفرنسية.

فالوقوف ضد تقرير الرباعية الدولية وتجاهل النقاط الإيجابية فيه قد يقود إلى دور سلبي للولايات المتحدة تجاه المبادرة الفرنسية التي دعمتها واشنطن من خلال حضور وزير الخارجية جون كيري شخصياً، وبدون تدخل فاعل من أطراف الرباعية الدولية لن يكون بالإمكان أن تقلع المبادرة الفرنسية. كما أن الموضوع يتعلق من جانب آخر بموقف الاتحاد الأوروبي، الذي يشكل عنصراً حيوياً وأساسياً في أي موقف دولي من القضية الفلسطينية. للأسف استطاعت إسرائيل فعل الكثير دولياً وقامت باختراقات مهمة حتى في الجبهة العربية ناهيكم عن إفريقيا ومجموعات دولية أخرى.

وهذا النجاح لم يكن بفضل مواقف إسرائيل الجيدة تجاه الشعب الفلسطيني أو حتى تجاه قضايا العالم، بل لأنها تتحدث لغة المصالح مع هذه الأطراف حتى لو كانت تبيعهم الوهم. ولكن قسما كبيرا من النجاح الإسرائيلي هو بفضل تراجع الدبلوماسية الفلسطينية التي باتت تهمل ساحات مهمة جداً ربما بسبب أنها كانت طوال الوقت محسومة في تأييدها للقضية الفلسطينية، مع أن الدبلوماسية الفلسطينية كانت نشطة جداً حتى في الساحات المناصرة. الآن نحن نغيب عن ساحات كثيرة اعتماداً على التأييد التلقائي لنا، ونتفاجأ من حدوث اختراقات إسرائيلية.

عندما يتاح لنا أن نستمع للناطقين الرسميين ولأولئك الذين على تماس بالعمل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني يخيل لنا أحياناً أننا نستمع إلى شريط مسجل (سي دي)، لا نشعر بذاك العمل الخلاق الذي يتعاطي مع المتغيرات وينتج ما هو فذ ومناسب للتعامل مع التطورات التي تبدو أحياناً أنها أسرع بكثير مما نتوقع. ويظهر أن خطابنا أصبح تكراراً لمصطلحات وتعابير قد لا تعني الكثير إذا لم تترافق مع خطوات عملية محددة وعمل دبلوماسي حثيث يخرج عن نطاق المطالبات والدعوات.

ندعو دول العالم للاعتراف بدولة فلسطين ولكننا لا نبذل جهداً لتحقيق هذا الاعتراف بالعمل داخل المجتمعات المعنية ومع الأوساط السياسية والدبلوماسية المؤثرة، على الرغم من أن الرأي العام العالمي تحول إيجاباً لصالح هذه الفكرة. وكذا الحال بالنسبة لممارسة ضغوط على إسرائيل، حتى الموقف الأوروبي الأولي الذي يقضي بوسم بضائع المستوطنات، نحن لم نفعل الكثير لتحقيقه وتثبيته والبناء عليه لتطوير موقف أوروبي أكثر حزماً وجدية. في المقابل حرثت إسرائيل الأرض لعدم تطبيقه ونجحت في ثني دول عن تطبيقه وإلى درجة ما في إفراغه من مضمونه. نحن بحاجة إلى إعادة دراسة الموقف السياسي العام الذي نحن فيه، وما هي الوسائل التي تتيح لنا الاستثمار الأقصى للدعم الدولي لنا، فهذا ما تبقى لنا بعد فشل العملية السياسية بسبب التعنت والمواقف الإسرائيلية المتطرفة التي تعتمدها حكومة بنيامين نتنياهو.

وبعد فشلنا في إنجاز الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام البغيض، الذي ربما تكون خطوة الانتخابات المحلية بمثابة إلقاء حجر في مياهه الراكدة. ولكي نبقي على الدعم الدولي ونعززه لا بد من التعامل بإيجابية مع بعض المطالب الدولية وخاصة التي تريدنا أن نخرج قليلاً عن مجرد ترديد شروطنا للتفاوض، فهناك متطلبات تقتضي بعض المرونة السياسية دون التنازل عن القضايا الجوهرية، وهناك مسائل تحتاج لتعديل بعض أوجه الأداء فيما يتعلق بصورة السلطة على المستوى الدولي، حيث برزت بعض المثالب والأخطاء التي من شأنها أن تؤثر على دعم السلطة وهذه عملية تراكمية قد تنتهي بصورة سلبية مع تقلص مستويات الدعم.