Monday, September 16, 2019
اخر المستجدات

الدجاج الطريف.. مزارعو الاحتلال الاسرائيلي ينشر المرض بين الغزيين


| طباعة | خ+ | خ-

محمد الجمل وأنس أبو عرقوب

توقف الأسير المحرر هلال جرادات، أمام أحد الباعة في سوق الشاطئ غرب مدينة غزة، بعد أن لفت انتباهه زحام شديد وتهافت من العشرات على شراء دواجن إسرائيلية مجمدة رخيصة الثمن تسمى “تِـرِف”، وتعرف محليًا في أسواق غزة، بـ”الدجاج الطريف”.

حصل جرادات بصعوبة بالغة على دجاجة واحدة، وعقب طهوها في منزله لاحظ أن مذاقها سيئ، ما استدعى قيامه بفحص تاريخ الإنتاج والصلاحية، غير أنه صدم عندما لم يجد أي إشارة لتاريخ الصلاحية أو حتى أثر لكلمة “كوشير”، بالعبرية مذبوح وفقا لتعاليم الشريعة اليهودية أو حلال بالعربية، كما هو معتاد، “ما يعني أنه لا مجال للتلاعب في الدجاج طالما أن اليهود سيأكلون منه”، كما يوضح هلال، الذي شعر بالقلق، واتصل برقم هاتف الشركة المصدرة والمدون على غلاف الدجاجة البلاستيكي الذي طبع عليه “دجاج طريف” باللغتين العربية والعبرية.

كانت المفاجأة أن موظفة الاستعلامات ردت عليه، بأن هذا النوع من اللحوم البيضاء غير مخصص للإسرائيليين، وأن رجال الدين اليهود “الحاخامات”، يعتبرونه نجسا ومحرما، لذلك تصدره إسرائيل إلى أسواق قطاع غزة.

ما هو الدجاج المحرُم؟

وفق مرجع توراة هبيت هكتسار للحاخام “شلومو بن ابرهام”، فإن الدجاج “الـتـرِف” يعتبر نجسًا ومحرمًا ولا يجوز تناوله بحسب الشريعة اليهودية، لكونه قد تعرض إلى كسر في أطرافه أو بهّ إعاقة خلقّية، أو تم اصطياده بواسطة طرف ثالث (حيوان) أو لكونه دجاجا يقترب من الموت بسبب وباء مـا.

وشدد المرجع اليهودي في كتّابه على عدم ذبح هذا النوع أو خلطه مع الدجاج العّادي الحلال (الكوشير)، وفي حال تم ذلك فيسري حكم الدجاج النجس على الدجاج العادي ويعتبر محرُما.

وتؤكد معلومات متطابقة وثقها معدا التحقيق أن الدجاج المصنف ضمن فئة “الـتـرِف” لا يسد حاجة حدائق الحيوان ومربي الحيوانات الأليفة، في إسرائيل، وهو ما يطابق ما قاله موظف في فرع شركة “عوز وهادرا” في منطقة “شاعر هنيغيف” بالنقب، المتخصصة بإنتاج وتسويق لحوم الدجاج الإسرائيلية والمصدرة لهذا النوع من الدجاج إلى قطاع غزة في مكالمة ثانية أجراها الأسير جرادات، أكد موظف الشركة أن هذا الدجاج يتم تصديره من أجل إطعامّه للحيوانات المفترسة في حدّائق الحيّوان في قطاع غزة.

ويتفق ما ذكره جرادات مع ما أكده مفتش سابق بوزارة الزراعة الإسرائيلية،  أن كمية الدجاج “الـتـرِف”، في إسرائيل، لا يمكن توقعها إذ لا يتوفر إلا في حالة انتشار وباء أو مرض مثل إنفلونزا الطيور والتي توفر كمية كبيرة من هذا الدجاج، تفوّق قدرة إسرائيل على تصريفها محلياً في حدائق الحيوان فتلجأ إلى تصديرها للخارج، لافتا إلى أن أذون التصدير الخاصة بهذا النوع تغيب عنها معلومات حوّل تاريخ ومدى صلاحيته للاستهلاك البشري، مؤكدا أنه في حال توافرت كميات كبيرة من الدجاج “الـتـرِف”، يتم تقطيعها، وإرسالها إلى قطاع غزة، وبيعها على شكل أجزاء مثل الأجنحة والرقاب وغيرها.

غزيون يعانون بسبب “الـتـرِف”

وفق استطلاع ميداني أجراه معدا التحقيق شمل أسواق محافظات قطاع غزة الخمس، تبين أن 100 محل وبسطة ثابتة ومتنقلة، تبيع اللحوم والدواجن المجمدة من بينها الدجاج “الـتـرِف” الذي يشهد إقبالا كبيرا من فقراء القطاع الذين تصل نسبتهم إلى 65% بحسب أحدث إحصاء صادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني في العام 2015، من بين هؤلاء رب الأسرة أحمد المصري الذي أصيب بخيبة أمل حين أخبره أحد باعة الدواجن المجمدة بنفاد الدجاج الكامل من السوق، خاصة الرخيص منه “الـتـرِف”، يقول المصري: “كنت أشتري دجاجتين بثمن واحدة، وأوفر وجبة دسمة للعائلة بأقل الأسعار”.

وبين المصري أن بعض الأشخاص ممن لديهم برادات كبيرة ومصادر جيدة للطاقة الكهربائية، ينتظرون وصول تلك الدواجن ويخزنونها، خاصة أنها غير متوفرة بشكل دائم في السوق.

ويعتقد المصري وغيره من المشترين والباعة أن كلمة “تـرِف” بالعبرية تعني دجاجا معاقا أو به عيوب خلقية، واليهود لا يأكلونه لأن ذلك محرُم في عقيدتهم، لكنه غير ضار لغير اليهود، وهو الأمر الذي لم يعد الأربعيني يوسف شوقي، يؤمن به إذ أوقف شراء تلك الدواجن المجمدة خاصة “الجوانح”، بعد أن لاحظ إصابته واثنين من أبنائه بالسمنة المفرطة.

يروي شوقي أنه اعتاد تخزين الجوانج في براده بسبب عدم توفرها طوال الوقت، ورخص ثمنها ما دفعه لشراء كميات كبيرة منها، وتخزينها وشيها من مرتين إلى ثلاث أسبوعياً، الأمر الذي فاقم إصابة العائلة بالسمنة، وهو نفس الاعتقاد عند الشاب محمد عبد الله، الذي يؤكد أن تناول أجزاء الدواجن المثلجة المشبعة بالدهون أصاب ستة من أفراد عائلته خاصة الكبار منهم بمرض السكر وضغط الدم، لاسيما أن الأطباء نصحوا كل من اكتشف لديه المرض بالتوقف فوراً عن أكل أي نوع من الدهون خاصة الحيوانية.

وأشار عبد الله إلى أن العائلة كانت تتناول لفترة من الزمن الدواجن المجمدة مطهوة ومشوية، إذ إن رخص ثمنها جعلها بديلا شبه وحيد عن الدجاج الغزي.

وعلى الرغم من إلزام البلديات والوزارات المعنية في غزة للباعة بعرض بضاعتهم في حاويات زجاجية مبردة محكمة الإغلاق، لتفادي تلفها، إلا أن الكثير من الباعة يضعون اللحوم والدواجن المجمدة في الهواء ما يفقدها برودتها كما وثق معدا التحقيق، وهو ما يجعلها عرضة للإصابة بالبكتيريا الهوائية واللاهوائية متعددة الأنواع، كما تؤكد أخصائية التغذية أنوار قشطة.

كيف يدخل الدجاج “الـتـرِف” إلى غزة؟

يؤكد المخلص الجمركي المتخصص في الدواجن على معبر كرم أبو سالم جنوب قطاع غزة، عادل أبو علبة، أن خمسة تجار معتمدين في قطاع هم من يدخلون هذا الصنف من الدواجن إلى غزة، وأوضح أن إدخال الدواجن الكاملة خاصة “التِرِف”، رهن موافقة وزارتي الزراعة والاقتصاد الوطني في غزة، والأهم هو توفر السلعة في إسرائيل، لا سيما أنها غير متوفرة على الدوام. ولفت إلى تصنيف الدواجن المجمدة خاصة الجوانح، إلى درجات “أ”، وهو نظيف وجيد وخال من الريش، وآخر يصنف “ب”، وعظامه مهشمة وبه ريش وقطع زرقاء، وكل له سعره وزبائنه.

ثلاثة تحاليل تثبت خطورة “الـتـرِف”

حصل معدّا التحقيق من سوق “فراس”، أحد أكبر أسواق غزة، على عينة عشوائية من الدواجن المجمدة المستوردة من إسرائيل والتي تباع في السوق، غير أن مختبر التحاليل بالجامعة الإسلامية في غزة، رفض استلام العينة، وطلب إحضار أخرى جديدة مع مراعاة شروط اختيار العينة، وهي عدم لمسها ووضعها في مغلف نظيف ومعقم، وسرعة إيصالها للمختبر، وبعد عملية فحص استمرت أسبوعا شملت إجراء ثلاثة تحاليل، تبين احتواء العينة، على نسب من البكتيريا الضارة المختلفة، كانت على النحو الآتي، 9 من 10 F.Coliform CFU/gm3 “وتعني بكتيريا قولونية”، إضافة إلى فحص ما يسمى بعدد الكلي للبكتيريا CFU/gm- Total Plate Count”، والذي جاءت نتيجته 7 من 10، وتعني “المجموع الكلي للبكتيريا” وكذلك أظهر تحليل نسبة الدهون في العينة نتيجة ” Fa % 12,7″ في كل غرام، كما توضح نتائج التحليل المرفقة في التحقيق.

وتصف أخصائية التغذية أنوار قشطة، نتائج التحاليل الثلاثة بأنها ذات خطورة كبيرة، خاصة أنها تحتوي على نسب عالية من البكتيريا القولونية الضارة، وأنواع أخرى من البكتيريا، شملها تحليل المجموع الكلي للبكتيريا، كما توضح قشطة التي عملت في وزارة الزراعة الفلسطينية وعدد من المؤسسات المتخصصة في هذا المجال، وتابعت البكتيريا القولونية تتسبب بأمراض عديدة، من بينها التهابات القولون، والقولون المتقرح، والنزلات المعوية، والإصابة بالديدان والطفيليات خاصة لدى الأطفال.

وأوضحت أن جميع الآثار لتلك البكتيريا لا تظهر بشكل آني، فبعض الآثار ربما تحتاج إلى فترة من الزمن حتى تظهر، وقد تكون مسببا رئيسيا لأنواع من السرطانات مثل سرطان القولون والمعدة، وهشاشة العظام والشيخوخة المبكرة.

وأشارت قشطة إلى أن الوزارات والهيئات المعنية في إسرائيل تتعامل مع مواطنيها باهتمام صحي في حين لا تبالي حين يتعلق الأمر بغزة، لافتة إلى أن الأجزاء الأقل ضرراً في الدجاجة مثل الصدر تستهلك داخليا في دولة الاحتلال، بينما ترسل الأجزاء الرديئة إلى غزة.

ولفتت إلى دراسة دولية توصلت إلى نتائج خلاصتها أن من يتناولون الدجاج المجمد أكثر عرضة للإصابة بسرطان القولون الذي يعرف عنه أنه من أخطر الأورام السرطانية الخبيثة، بسبب ارتفاع نسبة المواد الحافظة الموجودة به، وخلط هذا الدجاج بمحلول ملحي خاص لزيادة فترة الحفظ، وتأخير عملية فقد برودته خلال فترة النقل، وأشارت إلى أن الدجاج المجمد يحتوي على نسبة عالية من الدهون المتحولة، المعروف عنها أنها تسهم في زيادة نسبة الكولسترول الضار بجسم الإنسان، ما يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بانسداد الشرايين وأمراض القلب المدمرة.

وتابعت قشطة: يحرص بعض التجار على الاحتفاظ بمظهر الدجاج ليبدو طازجا، باستخدام النشا الذي يتكون من الغلوكوز، وعند تناول الإنسان لهذا الدجاج، يتحول الغلوكوز إلى سكر في جسم الإنسان، ومن المعروف أن الأشخاص الذين يتبعون نظاما غذائيا غنيا بالغلوكوز هم أكثر عرضة للإصابة بداء السكري.

ونوهت إلى أن تلك الدواجن تحقن بمادة الأسترويدس نوع من الهرمونات تسرع من عملية نمو الدواجن وزيادة حجمها، وأوضحت أن هذا الهرمون عادة ما يحقن في عنق أو جناح الدجاجة، لذا فهاتان المنطقتان من جسم الدجاج تكون عادة بهما كمية مركزة من مادة الأسترويدس، موضحة أن الجوانج تحوي نسب دهون عالية، وتعد مسببا أساسيا لأمراض السكري والضغط وجلطات الدم.

وحذرت من شراء الدواجن المعروضة في الأسواق بطريقة غير صحية إذ يؤدي فقدان الدواجن المجمدة برودتها إلى احتوائها على البكتيريا الهوائية واللاهوائية التي تسبب ضرر بليغ لجسم الإنسان.

القاتل الصامت

بعد اطلاعه على نتائج تحليل العينة التي أجراها معدّ التحقيق، أكد الدكتور وائل حجازي أخصائي القلب والأوعية الدموية في مستشفى غرة الأوروبي الحكومي، أن الدهون الثلاثية والكولسترول والتي وصلت نسبتها إلى 12,7 في كل غرام، تعتبر بمثابة قاتل صامت لمن يتناولونها على اختلاف أجناسهم وأعمارهم.

وأكد حجازي أن تلك النسبة العالية من الدهون لها تأثير سلبي خطير على شرايين الجسم عامة وشرايين القلب على وجه الخصوص، إذ تسبب تصلب وانسداد هذه الشرايين، وقد تؤدي إلى حالات وفاة في حال إصابة الشخص بأزمة قلبية.

وبين أن عدد مرضى القلب والأوعية الدموية ممن زاروا قسم القلب والقسطرة في مستشفى غزة الأوروبي، والذي كان القسم الحكومي الوحيد في القطاع حتى ما قبل عامين، تزايد بشكل كبير وخطير في السنوات القليلة الماضية، في ظل تزايد عملية الإفراط في تناول الدهون بشكل عام، والعادات الغذائية الخاطئة، وقلة ممارسة الرياضة، موضحا أنه في العام 2013 أجرى قسم القسطرة في مستشفى غزة الأوروبي، 1366 عملية قسطرة استكشافية وعلاجية، في حين وصل الرقم في العام 2014 إلى 1297، وفي حقيقة الأمر العدد يزداد، وإن بدا أقل من العام الماضي، إذ تم إغلاق القسم وتوقف العمليات نحو شهرين كاملين نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي استمر 51 يوماً صيف ذلك العام، وعمل المستشفى في ظل حالة طوارئ لإنقاذ حياة الجرحى، وهو ما يعني أن الرقم المذكور للعام 2014، يزيد بنسبة تراوح ما بين 15% إلى 20%، وفقا لوتيرة العمل الثابتة في المستشفى.

أما العام 2015 فكان الأسوأ، بحسب الدكتور حجازي، إذ شهد إجراء 1382 عملية قسطرة استكشافية وعلاجية، كما تم تحويل 1271 حالة من مستشفيات وسط وجنوب القطاع إلى دائرة العمليات بالخارج لإجراء عملية القسطرة، بسبب ضعف الإمكانات ونفاد المواد والمستلزمات المطلوبة في المشافي الحكومية.

ويلفت الدكتور حجازي إلى أن الخطر الأكبر الذي استشعره الأطباء خلال السنوات السبع الماضية يتمثل في انخفاض متوسط أعمار من يجرون عمليات القسطرة بنوعيها العلاجية والاستكشافية، قائلا في العام 2007 كان متوسط أعمار من يجرون هذه العمليات 52 عاما، أما في العام 2015 فقد انخفض هذا المتوسط إلى 42 عاما.

خطر مضاعف

حصل معدّا التحقيق من قسم الصحة بوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا”، على بيانات توضح مدى الارتفاع الكبير في الحالات المصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري والضغط وأمراض القلب، في صفوف اللاجئين في قطاع غزة والبالغ عددهم 1,3 مليون شخص، أي ما نسبته 77% من إجمالي سكان القطاع، وهم الفئة الأكثر فقراً والتي تقبل وفقا لما وثقه التحقيق على تناول الدجاج الإسرائيلي الرخيص الذي يحتوي على نسبة دهون عالية.

ووفقا لبرنامج الصحة في “الأنروا”، فإن 12.2% من اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة والبالغة أعمارهم 40 عاما فأكثر مصابون بمرض السكري، وأوضحت بيانات “الأنروا” التي حصلت عليها ، أن عدد المصابين بمرض السكري من اللاجئين الفلسطينيين القاطنين في القطاع بلغ في العام 2015، 16,889 من الذكور و23,118 من الإناث، بمجموع نحو 40 ألف لاجئ مصاب بالسكري، ولفتت بيانات الأونروا، إلى أن قطاع غزة يعد بيئة تتفشى فيها أمراض البدانة وارتفاع ضغط الدم والسكري والتي ترتبط بما توصل إليه التحقيق من نتائج لتحليل عينات الدجاج “الـتـرِف”.

في ذات السياق، أجرى الباحثان محمد بكير أخصائي التحاليل الطبية، ومحمد القريناوي المتخصص في هندسة حاسوب دراسة بحثية خلال شهر مايو/أيار الماضي، شملت 300 عينة من مصابي أمراض السكري والقلب والأوعية الدموية.

ووفقا للدراسة التي حصلت عليها  ولم تنشر بعد، فقد أثبت الباحثان وجود علاقة وثيقة بين ارتفاع نسبة الدهون الثلاثية والإصابة بتلك الأمراض، جراء تناول بعض الأطعمة الدسمة المشبعة بالدهون خاصة الدواجن المجمدة، كما اتضح وفقا للدراسة أن ثمة علاقة مباشرة ما بين الإصابة بمرض السكري والإصابة بأمراض القلب وانسداد الشرايين.

معاناة منتجي الدواجن في غزة

يصف عبد الجبار العرجا، أحد كبار تجار الدواجن المنتجة محلياً في قطاع غزة، عملية استيراد الدجاج “الـتـرِف” والمجمد، بالخطر المحدق بالإنتاج المحلي للقطاع الداجن في غزة، قائلا في  بسبب هذه السلعة تكبد مربو الدواجن المحلية بنوعيها الدجاج والديك الرومي “حبش”، خسائر فادحة، إذ تم بيع كيلو الدجاج الحي بـ ثمانية شواكل (دولارين) قبل رمضان الماضي، وهذا أقل من سعر التكلفة، بسبب فتح باب الاستيراد ودخول الدجاج “الـتـرِف” الذي تراوح ثمن الكيلو المجمد منه بين 8 : 12 شيكل وهو ما يقل بكثير عن نظيره المنتج محليا الحي.

وأكد العرجا أن قطاع غزة لديه اكتفاء ذاتي في إنتاج الدواجن، إذ تنتشر المزارع في جميع محافظات القطاع وضمن بيوت المواطنين، داعيا إلى وقف ومنع استيراد الدجاج المجمد الإسرائيلي بجميع أنواعه.

ويتفق الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع، مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة تجارة وصناعة غزة، مع العرجا، إذ يرى أن من الخطأ الفادح فتح الأسواق الغزية على مصراعيها لإدخال البضائع والسلع الإسرائيلية، ويجب أن تكون عملية الاستيراد مقننة، وتشمل البضائع التي ليست لها بدائل فلسطينية.

وأوضح الطباع ، أن مثل هذه السلوكيات الخاطئة تحول المجتمع الفلسطيني عامة وقطاع غزة على وجه التحديد إلى بيئة استهلاكية ما يضر بالإنتاج المحلي.

وأشار إلى أن تغييب دور لجان حماية المستهلك، ولجنة الرقابة والمقاييس منذ الانقسام، أضر بالأسواق الفلسطينية، قائلا “قبل العام 2007 كانت أية سلعة مرشحة للاستيراد تتولى أمرها اللجنتان المذكورتان، ويتم دراسة مدى احتياج السوق لهذه السلعة، ومدى مطابقتها للمواصفات الفلسطينية، وتأثيراتها على السلع المحلية، ثم يحدد شكل وكمية وماهية الاستيراد.

بالمقابل، يؤكد مدير عام التسويق والمعابر في وزارة الزراعة بغزة، المهندس تحسين السقا، أن القطاع كان يستورد في السابق 12 ألف طن من الدواجن المجمدة من إسرائيل سنوياً والتي تضم الدجاج “الترف” والجوانج، لكن سياسة الوزارة الجديدة بدعم المنتج المحلي، وتشجيع تربية الدجاج في القطاع، نتج عنها فترات منع للاستيراد، بحيث انخفضت الكميات الموردة من دولة الاحتلال إلى النصف تقريباً، إذ وصلت إلى 6000 طن في العام 2015.

ضوابط الاستيراد لا تحد من المخاطر

أظهر شريط مصور حصلت عليه ، عملية ذبح آلي لآلاف من الدجاج “الـتـرِف”، تمت آليا في الهواء الطلق خارج مزرعة في النقب داخل فلسطين المحتلة عام 1948، بعد أن أصيبت بوباء وفقا لمصادر تعمل في المزرعة التي جرت فيها عملية الذبح، وبحسب المصادر التي صورت الفيديو فإن عملية الذبح تمت دون مراعاة لأي من شروط السلامة الصحية أو حتى تعاليم الشريعة اليهودية، إذ جرى نقل الدجاج المذبوح لاحقا في شاحنة كبيرة غير مجهزة بوسائل التبريد إلى مسلخ، تمهيدا لتجهيزها وتعبئتها تحت تصنيف دجاج “ترِف” والذي بالطبع لا يأكل منه اليهود.

من جانبه، نفي مصدر خاص في وزارة الاقتصاد الوطني في قطاع غزة أن يكون الدجاج “الـتـرِف” غير صالح للأكل، إذ تصنفه وزارة الاقتصاد على أنه دجاج مصاب بكسر أو به عيب خلقي، ويتم التخلص من الجزء المصاب، وبحسب المسؤول فإن الدجاج المصنف على أنها “تــرِف” يتم فحصه مخبريا في معامل وزارة الاقتصاد بغزة للتأكد من صلاحيته، وهو ما يخالف ما توصل إليه التحقيق عبر التحاليل الموثقة.

وبحسب المسؤول الذي رفض ذكر اسمه، فإن كلا من وزارة الاقتصاد والزراعة، تضعان ضوابط لاستيراد هذه الأنواع من الدواجن، لافتا إلى أنه في حال ارتفاع ثمن الكيلو غرام من الدجاج الحي المحلي عن “12 شيكلا” أي ما يعادل 3 دولارات، يسمح باستيراد الدواجن المجمدة، أما عندما تكون الأسعار أقل، يوقف إدخالها إلى القطاع لحماية المربين وتمكينهم من تسويق إنتاجهم.

وينص قانون الزراعة الفلسطينية رقم (2) لعام 2003 في الفصل الأول من الباب الخامس على أن الوزارة تعد نظاماً خاصاً بمراقبة صحة الحيوانات يصدره مجلس الوزراء على أن يتضمن الأمور التالية، “مراقبة صحة الحيوانات والدواجن والطيور البرية والأسماك والنحل وفحصها أو عزلها أو تلقيحها أو تطهيرها، مع حظر أو تنظيم عملية الاستيراد، وتحديد نفقات ورسوم تلك العملية”.

ويؤكد رئيس القسم الفني بدائرة حماية المستهلك، المهندس معين الحويحي ، أن الدائرة تراقب الدواجن المجمدة التي تصل من إسرائيل من لحظة وصولها معبر كرم أبو سالم التجاري، وحتى تسويقها للمستهلكين، قائلا لـ”العربي الجديد”: “هناك لجنة ثلاثية مكونة من وزارات الصحة والزراعة والاقتصاد الوطني متواجدة على معبر كرم أبو سالم باستمرار، وبمجرد وصول السلع خاصة المجمدات، تجرى أولى عمليات الفحص والرقابة عليها، وهو ما يسمى بـ “الفحص الظاهري”، ويتم من خلاله التأكد من تماسك المنتج، وعدم تفككه، وأن رائحته سليمة، ولونه ملائم، وكذلك أن تاريخ الصلاحية والإنتاج مدونان بشكل واضح وسليم (لا يتم وضع الصلاحية أو تاريخ الإنتاج على الدجاج الترف وفقا لما وثقه معدا التحقيق)، ثم تؤخذ منه عينات للفحص في مختبرات الوزارة. ولفت إلى أنه سبق وأتلفت كميات كبيرة من المجمدات على المعبر، لمخالفتها شروط السلامة المذكورة.

وأضاف الحويحي أن سلسلة من الفحوصات المخبرية تجرى للسلعة في مختبرات الوزارة، ويتم التأكد من نقلها بواسطة شاحنات مبردة، ومن ثم وصولها لثلاجات التاجر الرئيسي وهي في وضع آمن صحيا، وهو ما يخالف ما وثقه معدا التحقيق من أن الدواجن المجمدة تعرض بشكل غير سليم في أسواق غزة ما يفقد تجمدها ويعرضها للتلف.

ويقول أكاديمي وخبير تغذية، رفض الكشف عن اسمه، إن رقاب وأجنحة الدجاج، التي يتم استيرادها من كيان الاحتلال، تعد الأجزاء التي تحقن بالهرمونات الضارة صحيا، والتي تساعد على نمو حجم الدجاج، وعند تعرض تلك الأجزاء للحرارة تزداد خطورة الهرمونات التي تم حقنها بها، ويعد تناولها سبباً رئيسيا في الإصابة بالجلطات والأورام السرطانية وأمراض السكري وضغط الدم.

على الرغم من مخاطر الدجاج “التـرِف” الصحية وتأثيراته السلبية على السوق المحلية للدواجن، إلا أن المواطن أحمد المصري وغيره من فقراء القطاع، ينتظرون إعادة فتح باب الاستيراد، من أجل شراء كميات من الدواجن المجمدة وتخزينها، بسبب رخص أسعارها الكبير مقارنة مع الدجاج المنتج محلياً، وتماشيها مع ظروفهم المعيشية الصعبة والفقر المتفشي بينهم.