Friday, October 18, 2019
اخر المستجدات

“الرصاص” يفتك بأجساد سكان غزة تحت جنح الظلام


"الرصاص" يفتك بأجساد سكان غزة تحت جنح الظلام

| طباعة | خ+ | خ-

دفع الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي لساعات طويلة في قطاع غزة منذ أحد عشر عامًا، المواطنين إلى حيل بديلة لتوفير الإنارة لمساكنهم وأماكن عملهم، حتى باتوا يعتمدون بدرجة كبيرة على “البطاريات” المستوردة أو المصنعة محليًا لتحقيق مآربهم.

وفي ظل هذا الواقع المرير لدى السكان الذين لا يلوح في الأفق أي بصيص أمل لإنهاء أزمة الكهرباء التي يمتد انقطاعها لـ12 ساعة متواصلة يوميًا، ساهمت زيادة الطلب على “البطاريات” في اعتماد شريحة ليست قليلة من المواطنين عليها كمصدر رزق دون مبالاة لمخاطرها، مع تقليص فرص العمل وارتفاع مستويات البطالة إلى 46.6%.

ويحذر خبراء من خطورة التعامل مع “البطاريات” خصوصًا عند التخلص منها أو خلال عمليات تدويرها لإعادة استخدام المواد المكونة لها من جديد، وذلك لما تحويه من سمّية عالية للمواد المكونة داخلها.

وتوفر إعادة تدوير البطاريات فرصة لعشرات الشبان للعمل كبيع البطاريات، أو صناعتها (تجميعها أو تدويرها)، وصيانتها، وتجديدها، وجمع التالف منها، أو استخلاص الرصاص من بعضها وإعادة بيعه للمصانع.
وهذه الصناعات تنطوي على مخاطر، تقتضي اتخاذ مجموعة من تدابير الأمان والسلامة، كون الإنسان يتعامل مع مواد كيماوية خطرة خاصةً مادة الرصاص.

واستنادًا إلى ورقة حقائق نشرها مركز الميزان لحقوق الإنسان حديثًا، يتعرض الإنسان لهذه المواد عبر اللمس أو استنشاق جزئياتها الناجمة عن الحرق أثناء عمليات الصهر وإعادة التدوير أو استنشاق الغبار الملوث أو أكل الطعام الملوث بها أو شرب المياه الملوثة بها وبمخلفاتها.

وبحسب مركز الميزان استنادا إلى مختصين، فإن التخلص من البطاريات بكل أنواعها وإعادة تدويرها بما تحويه من مواد كيماوية سامّة يعتبر ملوثاً للبيئة ويشكّل خطراً على الإنسان، ويهدّد حقه في الحياة والأمان الشخصي، في ظل واقع لا يحمي حقه في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمانية والعقلية والوقاية من الأمراض، وحقه في ضمان تحسين جوانب الصحة البيئية، والبيئة النظيفة.

ويؤكد محمد مصلح مدير دائرة النفايات الصلبة والخطرة في سلطة جودة البيئة بغزة أن خطورة البطاريات تكمن في أنها تحتوي على مادة الرصاص ومعادن أخرى ثقيلة يمكن أن تسبب ضررًا مباشرًا للإنسان.

وبين مصلح لمجلة آفاق البيئة والتنمية، أن الخطورة تكمن في الناس المحيطين في ورش إعادة تدوير البطاريات أو العاملين فيها، حيث يتعرض الإنسان لهذه المواد عبر اللمس أو استنشاق الهواء الملوث بجزيئاتها جراء عمليات الحرق، أثناء صهر وإعادة تدوير الرصاص، أو عن طريق أكل الطعام الملوث أو شرب المياه الملوثة بها وبمخلفاتها. وذكر أن البطارية الواحدة تحتوي على أكثر من 65 في المائة من مادة الرصاص.

ولا يعرف على وجه التحديد عدد الورش العاملة في إعادة تدوير البطاريات حاليًا بالنظر إلى أن جزءاً منها لا يخضع للرقابة، لكن إحصائية سابقة لسلطة جودة البيئة أشارت إلى تواجد قرابة 47 ورشة تعمل في مجال إعادة تدوير البطاريات. ويعمل في كل ورشة من ثلاثة إلى ستة عمال.

وذكر مصلح أن الرصاص مادة خطيرة على صحة الإنسان خصوصا لدى الأطفال حيث يؤثّر على الدماغ والجهاز العصبي بشكل كامل في حال ارتفاع مستويات تركيز الرصاص في الدم.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية WHO إلى أن معدل تعرض الأطفال للرصاص يسهم سنوياً في إصابة نحو 600 ألف حالة جديدة من حالات العجز الذهني على مستوى العالم. وأيضا فإن التعرض للرصاص يستأثر بمعدل وفيات قدره 143 ألف حالة وفاة سنوياً عبر العالم يتركز معظمها في الدول النامية بحسب المنظمة.
كذلك تحدث مصلح عن مشاكل أخرى خطيرة لهذه البطاريات، وهي في حال وصولها إلى مكبات النفايات العشوائية بكميات كبيرة فيمكن أن يتحلل فيها الرصاص ويصل إلى التربة، ومن ثم الخزان الجوفي المصدر الوحيد للمياه في غزة فتحدث تلوثا كبيرًا فيه.

عدو البيئة

ويصف الصيدلاني أسامة الرياشي البطارية بأنها عدوة للبيئة إذ أنها تحتوي على معادن ثقيلة سامة يمكن أن تتراكم في الجسم مسببة مشاكل عديدة على المدى البعيد ومن أهمها الرصاص والزنك.

وأضاف الرياشي الذي خسر مصنعين لصناعة البطاريات في عامي 2008 و2012 بعد استهدافهما من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن البطارية لا يمكن لها أن تذوب أو تتبخر إلا بإعادة تدويرها، في حين أن الامكانيات المتواجدة حاليًا بسيطة جدا في غزة ولا تسمح بإنشاء مصانع مكتملة لإعادة التدوير.

وأشار الرياشي إلى إصابة العاملين في إعادة تدوير البطاريات بأمراض عديدة تنجم عن التعرض لاستنشاق الأبخرة المتصاعدة من صهر الرصاص، مثل آلام البطن “المغص” والغثيان والصداع والاستفراغ الدائم وهبوط الدم.

ويمكن أن يصل الأمر للتشنجات والتخلف العقلي والعقم، لافتا إلى أنه في حال عدم الحصول على العلاج المناسب، فإن الشخص العامل يصاب بتسمم شديد.
وأشار إلى تأثيرات متراكمة عبر الأيام للبطاريات على العاملين فيها والسكان القريبين من الورش، بعد تجمع كميات كبيرة من الرصاص في أجسادهم.

ويعدّد المهندس محمد غنيم صاحب معرض للبطاريات وسط قطاع غزة، “احتياطات وقائية” يجب توافرها عند التعامل بشكل مباشر مع إعادة تدوير البطاريات، أهمها تهوية المكان وأن يكون بعيدًا عن سكن المواطنين.

وأشار غنيم إلى أهمية ارتداء أنواع معينة من الكمامات وخصوصًا ما يمكنها أن تحجب الغازات الناجمة عن إعادة تدوير البطاريات.

ونبه إلى أهمية حرص العامل على شرب كأس من الحليب قبل أن يباشر عمله مفسرًا ذلك بأن جسم الانسان لا يعتبر الرصاص عنصرًا غريبًا، لذلك حين يتشبع الجسم بالحليب يعمل على طرد أية عناصر أخرى. وقال: “إذا تم تطبيق الأمور السابقة فإن العامل يضمن 90 % من سلامته”.

كذلك نصح غنيم المواطنين بوجوب التخلص من بطاريات الإنارة عند انتهاء صلاحيتها في بيوتهم، تفاديًا لأذيتهم خصوصًا الأطفال من جراء أية عمليات تبخير تنجم عنها.

من جهته، ينبه المهندس مصلح إلى أن سلطة جودة البيئة لديها قرار منذ عام 2017 الماضي بالاتفاق مع وزارة الاقتصاد الوطني بمنع استيراد البطاريات القديمة والمستهلكة من الاحتلال الإسرائيلي بعد أن كانت تأتي بكميات كبيرة تقدر بالأطنان.

وشدد مصلح على ضرورة أن يكون هناك خطة أو فريق دائم لتطبيق معايير السلامة الخاصة بالبطاريات، مشيرًا إلى إعداد سلطة جودة البيئة لمسودة خاصة بتلك المعايير لكنه أعرب عن أسفه الشديد بسبب عدم اعتمادها من مجلس الوزراء حتى اللحظة بسبب ظروف الانقسام.

وأشار مصلح إلى أن سلطة جودة البيئة تمتلك فريقًا محدودًا من العاملين في مجال حماية البيئة يتكون فقط من عشرة أفراد ينفذون عمليات مراقبة كل قطاعات البيئة، مشددا على ضرورة مراقبة محلات بيع البطاريات وورش إعادة التدوير من جانب وزارتي الاقتصاد الوطني والصحة، وكذلك البلديات.

وأكد أن الأمر يحتاج إلى فرق ميدانية تقيم أماكن تواجد البطاريات والخطورة الناجمة عنها ومراقبتها بشكل دائم.

وأوصى مصلح بأن يكون هناك معدات خاصة لمعالجة النفايات الخطرة وجمعها، وأن يكون هناك برنامج داخل الوطن لجمع نفايات البطاريات وآليات محددة لإتلافها بطريقة لا تسبب الضرر للعاملين.

وشدد على ضرورة التزام السلطات المعنية، باحترام وحماية حقوق الإنسان، ودرء المخاطر المترتبة على الأعمال المتعلقة بالبطاريات بأنواعها، وإخضاع كل عمليات تدوير البطاريات للرقابة المشددة لضمان حماية عناصر البيئة والإنسان من مخاطرها.

كما دعا إلى إنشاء وحدات لمعالجة النفايات الخطرة، مثل البطاريات في مكب النفايات الرئيسية، ووضع آلية لجمعها من أماكن تواجدها ونقلها للمكان المخصص.

وشدد مصلح على ضرورة مراجعة إجراءات ترخيص المصانع والمحلات المختصة بتدوير وتجميع وصيانة بطاريات الطاقة البديلة أو بطاريات السيارات، من خلال لجان مختصة، وإعادة النظر في التراخيص القديمة.

وأوصى بتفعيل الرقابة على المحلات والمصانع العاملة في مجال جمع البطاريات وسكب الرصاص، من حيث الاحتفاظ بها في مناطق آمنة تمنع اختلاط المواد الكيماوية بالتربة، وضبط عمل النباشين.

توفر أعمال إعادة تدوير البطاريات في قطاع غزة فرصة لعشرات الشبان للعمل كبائعي بطاريات، أو للعمل في تجميعها أو تدويرها، وصيانتها، وتجديدها، وجمع التالف منها، أو استخلاص الرصاص من بعضها وإعادة بيعه للمصانع. إلا أن هذه الصناعة تنطوي على مخاطر صحية وبيئية تقتضي اتخاذ مجموعة من تدابير الأمان والسلامة، كون الإنسان يتعامل مع مواد كيميائية خطرة وبخاصةٍ مادة الرصاص.

الرصاص مادة خطرة على صحة الإنسان ويتسبب بأضرار جدية وبخاصة للأطفال، حيث يؤثر على الدماغ والجهاز العصبي بشكل كامل في حال ارتفاع مستويات تركيزه في الدم.

“خاص بآفاق البيئة والتنمية”