Saturday, September 21, 2019
اخر المستجدات

العدوان الإسرائيلي الأخير في غزة مقصود لغايات محدودة


| طباعة | خ+ | خ-

غزة / حلمي موسى

قادت الغارات الإسرائيلية العنيفة في الأسبوع الماضي على غزة رداً على سقوط صاروخ على “سديروت”، إلى تصاعد الخشية من احتمالات العودة إلى حرب واسعة على القطاع.

وأسهمت في زيادة هذه الخشية تصريحات متنوعة أدلى بها ليس فقط وزير الحرب الإسرائيلي “أفيغدور ليبرمان” حول معادلة جديدة تقوم على ’’نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار‘‘ وإنما أيضا تصريحات ضباط كبار حول تغيير سياسة الرد.

ولكن كثيراً من المعلقين “الإسرائيليين” يرون أن التصريحات ليست أكثر من استغلال لفرصة سنحت لليبرمان سياسيا وللجيش الإسرائيلي عسكريا في حين أن شيئا جوهريا على الأرض لم يتغير.

وفي نظر الأخيرين فإن الفرصة تتمثل في انشغال حركة حماس في مشاريع تتعلق بالقطاع وإعادة إعماره وفي الانتخابات المحلية التي يجري الإعداد لها.

وهذ ما يراه معلقون “إسرائيليون” على أنه العامل الأساس وراء تجنب حركة حماس الرد على استهداف واسع لمواقعها الحدودية.

وكانت أنباء مختلفة قد تحدثت عن أن “إسرائيل” استغلت سقوط الصاروخ على “سديروت” لتوجه ضربات مكثفة إلى عدد من ذخائر حماس الهامة مثل ما يعتقد أنه أنفاق قريبة من الحدود أو مواقع رصد استخباري.

وأوحى معلقون عسكريون إسرائيليون بأنه ليس لحجم الرد أي صلة بتغيير سياسة وأن خطة مثل هذه الغارات وضعت في عهد وزير الحرب السابق موشي يعلون وأن تنفيذها يتعلق بتوفر الفرصة ليس إلا.

ومع ذلك فإن عددا من العسكريين لم يتأخر في محاولة استغلال الضربة الواسعة وإطلاق تصريحات يراد منها إظهار الجيش وكأنه استرد الردع أو رفع الثمن.

وهناك اعتقاد بأن الجيش الذي تراجعت هيبته جراء عجزه في السنوات الأخيرة عن حسم معارك وتحقيق انتصارات واضحة يسعى عبر التصريحات عن الردع وصولا إلى المبالغة في إظهار القدرات لاسترداد ما خسره من ثقة الجمهور.

ولكن للأمر صلة أيضا بالصراع على ميزانية الحرب وكذلك على هيبة الجيش أمام السياسيين ممن صاروا غالبا من اليمينيين المنتقدين.

وبديهي أن لأفيغدور ليبرمان مآرب أخرى. فهو عدا مواقفه الطبيعية التي تميل للتشدد والعنف في مواجهة العرب، معني بتزعم اليمين الإسرائيلي الذي يلهث خلف كل من يبدو أكثر تطرفا.

ولهذا السبب وبعد انتقادات شديدة له من أوساط مختلفة جراء ما بدا أنه فرق كبير بين أقواله وأفعاله، وجد في الغارات فرصة لادعاء نجاحه في تغيير وجهة الجيش عبر تغيير طبيعة رد فعله.

وكان ليبرمان قد أعلن قبل أيام من الغارات أنه معني بحسم المواجهة مع حماس في الحرب المقبلة. ولم يخف ليبرمان أن وجهته ليست إطاحة حماس تشجيعا للسلطة الفلسطينية في رام الله وإنما إطاحة أيضا هذه السلطة وإنشاء بديل لها يكرر تجربة روابط القرى.

ومن الجائز أن السعي إلى الحسم هو أقرب إلى الأمنية منه إلى رسم سياسة وإقرارها.

فالجيش الإسرائيلي الذي نشأ على مبدأ الحسم اضطر لتغيير هذه المقاربة بعدما تبين له أن الحروب بعد أن انتقلت من طابعها الرسمي إلى طابعها الشعبي أو ما بات يسمى بـ ’’تنظيمت ما دون الدولة‘‘ صعبة أو مستحيلة الحسم. وتكمن الصعوبة أو الاستحالة أحيانا ليس فقط في تعقيدات الوضع الإقليمي والدولي وإنما أيضا في تكلفة الحروب وما يليها. وهذا ما أنشأ حركة كاملة تؤمن بإدارة النزاع من خلال الإيمان باستحالة الحسم. وإذا كان ليبرمان لم يصل بعد إلى هذا الاستنتاج فإن الأغلبية في الجيش والحلبة السياسية الإسرائيلية وصلت إليه.

وتبدو الأحاديث المستجدة عن الحسم أقرب إلى الأمنيات منها إلى السياسة الواقعية.

فإسرائيل ليست في عجلة من أمرها لإعادة احتلال قطاع غزة أو الغوص في أوحاله. فقد كانت هناك وانسحبت منه على مرحلتين سواء باتفاق أوسلو أو بخطة الفصل التي قادها أرييل شارون والتي قادت إلى تفكيك المستوطنات في القطاع. ولو كان هناك أدنى قناعة في إسرائيل بجدوى الاستمرار في احتلال قطاع غزة لما توانت عن البقاء أو لسارعت للعودة إليه بعد اكتشاف خطأ الانسحاب منه.

ولهذا السبب فإن أغلب المعلقين العسكريين الجديين في إسرائيل لا يأخذون البتة بالكلام عن الحسم ويرون أن ما حدث هو في أحسن الأحوال ’’مقامرة لمرة واحدة‘‘ يتمنون أن لا تتكرر.

ويجزم بعض هؤلاء المعلقين أن حماس لم ترد ليس بسبب ضعف وإنما جراء انشغال بأمور أخرى وأنها إذا اضطرت إلى الرد فإن النتيجة لن تكون شديدة الاختلاف عما جرى في الحرب الأخيرة قبل عامين والتي لم يتوقف السجال بشأنها في الحلبة السياسية الإسرائيلية.

وكان واضحا أن ميل المعلقين العسكريين للتأكيد بأن ما جرى ليس سياسة جديدة لم يكن يرمي إلى طمأنة الفلسطينيين في القطاع بقدر ما كان موجها لمستوطني غلاف غزة خصوصا وللإسرائيليين عموما. فالحروب لم تعد كما كانت في الماضي على الحدود صارت تجري عمليا وفعليا قرب كل بيت في إسرائيل.

ولذلك فإن الأحاديث عن سياسة جديدة أخاف، بالقدر نفسه، الإسرائيليين أنفسهم مثلما أخاف سكان القطاع.

وأينما ذهبت في غزة لا تسمع هذه الأيام إلا السؤال عن احتمالات الحرب. وهو سؤال يطرح أيضا في محافل كثيرة في إسرائيل. والجواب هو أنه في ظل استمرار الاحتلال والعدوان الإسرائيلي لا بد من استمرار المقاومة وبالتالي تتزايد احتمالات الحرب. لكن تكلفة الحرب إسرائيلياً وفلسطينيا وأنماط الردع المتبادل القائمة تحول دون استسهال اللجوء إليها من الطرفين.