السبت 28 / يناير / 2023

العلة داخلية

حمادة فراعنة

يعد نتنياهو الإسرائيليين أن لا تسوية سياسية مع الفلسطينيين طوال فترة حكومته وادارته، فهو غير مستعد للمساومة على القدس، ولا يستطيع ازالة المستوطنات، ولن يتخلى عن الغور، ولذلك وعد الناخبين وطمأنهم أن لا تسوية ولا تنازل ولا انسحاب عن « أرض اسرائيل الكاملة «، ويزايد عليه وزير الحرب الليكودي موشيه يعلون ويقول لا تسوية خلال جيل كامل، وهو محق في ذلك، فالجيل الحالي الذي يحكم نتائج صناديق الانتخابات ويقود الاغلبية البرلمانية أكثره من الصهاينة المتطرفين والعنصريين المشبعين بهواجس الخوف والقلق وباغراءات التفوق في نفس الوقت، ولذلك فالطريق أمام الفلسطينيين مسدود نحو تحقيق اختراق لجدار الاحتلال، وعدم التمكن من زحزحته، أو خلخلت أساساته السياسية والامنية والسكانية ودفعه نحو التراجع عن التوسع وابتلاع كامل أرض فلسطين، ناهيك عن أن المستوطنين المستعمرين الاجانب على أراضي الضفة الفلسطينية زاد عددهم وباتوا مؤثرين يُحسب حسابهم، في افرازات صناديق الاقتراع، وفي قدرتهم على التأثير على السياسات الحكومية، فهناك خمسة وزراء يسكنون الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 .

وطريق المصالحة ما بين فتح وحماس يكاد يكون معقداً ومغلقاً، والفجوة بينهما تزداد اتساعاً، فرهان حركة حماس على الوساطة القطرية التركية للتوصل الى هدنة طويلة الاجل مع تل أبيب مقابل : 1- فكفكة الحصار على قطاع غزة، و2- تعزيز سلطة حماس على القطاع واستمراريته، فالاولوية لدى حركة حماس استمرار سلطتها وشرعية انقلابها، والاقرار بانفصالها عن الضفة مقابل التزامها بالهدنة والتهدئة وردع الفصائل الجهادية الاخرى، وعليه يتم قلب المعادلة السياسية بشكل تدريجي  لتصبح غزة هي الدولة وهي العنوان وتكريس الكيانين الفلسطينيين واستمرار سلطتي الحكم الذاتي المحدود في غزة ورام الله وبمعزل عن القدس الى أجل غير محدود، على طريقة بنغلادش وباكستان لشعب واحد وكيانين،  وطريق العمل الدبلوماسي لمقاضاة المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي لدى المؤسسات الدولية محفوف بالتقلبات السياسية والتدخلات المؤثرة  والمعيقات، فمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية تتقدم خطوة وتتراجع خطوة، في عملية طويلة النفس غير مضمونة النتائج على المستوى الملموس، وليس لها نتائج ايجابية على الارض، وعلى حياة الشعب الفلسطيني، فالاستيطان متواصل ويتعمق ويتسع تأثيره وتدميره لوحدة الاراضي الفلسطينية ويعمل على عزلها عن بعضها البعض، الضفة عن القدس وكلتيهما عن قطاع غزة، بل يجري تنفيذ مخطط لفصل الضفة الفلسطينية الى ضفتين شمالية تشمل رام الله ونابلس وطولكرم وجنين وجنوبية تقتصر على الخليل وبيت لحم، ويفصل بينهما شريط من المستوطنات يمتد من القدس حتى البحر الميت .

ورغم بسالة المقاومين المدنيين الفلسطينيين وكفاحهم الشعبي واستمرارية عملهم الميداني بشكل متقطع زمنياً ومكانياً، ولكن نشطاء حركتهم الشعبية يصطدمون بسياسات السلطة الفلسطينية المكبلة بالاتفاقات وبالاجراءات المعيقة التي تحول دون تصادمهم مع جيش الاحتلال وتمنع وصولهم نحو المستوطنين والمستوطنات، وهكذا نجد أن سلطة حماس في غزة تمنع المقاومة من أداء دورها ضد الاحتلال، ومثلها مثل سلطة رام الله، فالحال من بعضه، وكلاهما مكبل باتفاقات مباشرة وغير مباشرة مع عدوهم الاسرائيلي  .

اذن الافق السياسي مغلق نحو زوال الاحتلال، ونحو انهاء الانقسام، ونحو معاقبة المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي ومحاصرته وعزله، والحركة الشعبية الفلسطينية مقيدة وضعيفة القدرة على المبادرة الكفاحية سواء في قطاع غزة أو في الضفة الفلسطينية الا ما ندر .

ومع ذلك فالتأكل الذاتي هو عنوان المرحلة وهو الطاغي على ما عداه من اهتمامات جوهرية، وبدلاً من تعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية وتوسيع قاعدة التحالف الوطني في اطار منظمة التحرير وسلطتها الوطنية نشهد العكس من ذلك بسبب الاخفاق وعدم القدرة على كسر الحلقات المعيقة، وما يشهده الشعب الفلسطيني مثل أفعال القطط التي تأكل أولادها عند الجوع، فهي غير قادرة على دفع الاحتلال نحو التراجع عن مخططاته وعن الاستيطان وعن تهويد القدس وأسرلة الغور، وعاجزة عن دفع المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي للإذعان للقرارات الدولية، وحتى عن تنفيذ الاتفاقات التدريجية الموقعة من قبل حكومة الاحتلال مع منظمة التحرير، وغير قادرة على تنفيذ اتفاقات المصالحة الوطنية، وغير قادرة على تطوير منظمة التحرير ومؤسساتها الهرمة، وسلطتها الوطنية عديمة السلطة، وبدلاً من توسيع قاعدة التحالف الوطني يتم تضييقه والمس به، وبدلاً من اجراء الانتخابات لتجديد الشرعية يتم تعطيل المؤسسات وشلها وهكذا، فالامراض والتأكل والتراجع هي مفردات الوصف الموضوعي لما يجري دخلياً على المستوى الوطني الفلسطيني، وهو العلة وليس فقط وجود مشروع الاحتلال المتفوق .

صحيح أن المشروع الاستعماري التوسعي الاسرائيلي قوي ومتفوق على المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ولكن وعلى الرغم من هذا التفوق، فقد صمد الشعب الفلسطيني على أرضه، في ظل مخططات التجويع والحصار وجعل الارض الفلسطينية طاردة لشعبها، وحقق الفلسطينيون انجازات تمت على حساب مكانة المشروع الاستعماري الاسرائيلي وهزيمته في الاتحاد البرلماني الدولي، ولدى اليونسكو، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولدى لجان حقوق الانسان الدولية المتعددة، وفي محكمة الجنايات الدولية، مما يؤكد الانحياز التدريجي من قبل المجتمع الدولي نحو عدالة القضية الفلسطينية وشرعية نضالها وصواب وقانونية مطالبها الثلاثة : المساواة في مناطق 48، والاستقلال في مناطق 67، والعودة للاجئين، فالمشكلة اذن ليست بتفوق الاحتلال وعدم امكانية هزيمته، فهزيمته واردة ومؤكدة لانه يتنافى مع المنطق ويتعارض مع العدالة، ولا ينسجم مع قيم حقوق الانسان ويخل بالقوانين والقرارات الدولية، ولكن المشكلة ذاتية داخلية تفتقد للتماسك والوحدة بسبب الانقلاب والانقسام والفشل في التخلص منها وانهائها، مثلما المشكلة في عدم القدرة على تطوير مؤسسات منظمة التحرير المترهلة، وسلطتها الوطنية المكبلة، وهو المطلوب معالجته ذاتياً وداخلياً ووطنياً.

للدخول إلى رابط التسجيل للحصول على مساعدة من المنظمات والجمعيات الأهلية: (مــن هــنــا)

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on vk
Share on whatsapp
Share on skype
Share on email
Share on tumblr
Share on linkedin

زوارنا يتصفحون الآن