الخميس 21 / يناير / 2021

بايدن قد يلغي اعتراف ترامب بمغربية الصحراء الغربية!

بايدن قد يلغي اعتراف ترامب بمغربية الصحراء الغربية!
بايدن قد يلغي اعتراف ترامب بمغربية الصحراء الغربية!

خلال أيام سيتم تنصيب الرئيس جو بايدن الذي يواجه، بحسب الخبراء الأمريكيين، أجندة مزدحمة بملفات السياسة الخارجية التي تركها دونالد ترامب بمثابة عراقيل بعضها صعب والبعض الآخر أكثر صعوبة، فكيف يمكن تصنيف الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية مقابل التطبيع مع إسرائيل؟

من الاتفاق النووي الإيراني إلى مغربية الصحراء

يرى البعض أن ملفات السياسة الخارجية الأصعب أمام بايدن يتصدرها ملف الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه ترامب بشكل أحادي وينوي بايدن العودة إليه، وذلك بسبب تشابك الملف وتعقيده لوجود أطراف إقليمية ذات مصلحة مباشرة مثل إسرائيل والسعودية ومعها دول الخليج، إضافة إلى أن طهران تعتبر عدواً للأمريكيين بشكل عام.

وربما يكون ملف العلاقات مع الصين أيضاً من الملفات الصعبة التي سيكون على بايدن التعامل معها، على عكس ملف الصحراء الغربية والتي اعترف ترامب بسيادة المغرب عليها في إطار صفقة توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل، بحسب تقرير لمجلة Foreign Policy الأمريكية.

ففي العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2020، أعلن ترامب في تغريدة أن الولايات المتحدة تعترف الآن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في ارتدادٍ عن نصف قرن من الأعراف الدبلوماسية، مقابل تطبيع المغرب العلاقات مع إسرائيل. وضخامة هذا التغير الواضح في السياسات لا يمكن التقليل منها، إذ يبدو أن الضغوط الدبلوماسية الطويلة التي مارستها المغرب آتت أكلها أخيراً.

ثلاثة أسباب تجعل قرار ترامب مثيراً للجدل

لكن تقرير المجلة الأمريكية يقول إن هناك أسباباً تدفع إلى النظر في استدامة هذا التغير الذي أحدثه ترامب. فتحرك ترامب يمثل سابقة مثيرة للجدل، وهي الاعتراف بسيادة سلطة احتلال، المغرب، على منطقة مُستعمرة وهي الصحراء الغربية. لكن الطبيعة الرمزية لذلك القرار تجعله هدفاً رئيسياً لمحاولات احتواء الضرر في السياسة الخارجية،عندما يتولى بايدن المنصب رسميا في 20 يناير/كانون الثاني الجاري.

وهناك ثلاثة أسباب تجعل الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية ارتداداً غريباً عن السياسات الأمريكية. الأول أنه من المذهل أن التغيير الأضخم في موقف الولايات المتحدة من الصراع على تلك الأرض لم يحدث لذاته، بل اعتُبر ثمناً لإقناع المملكة المغربية بالموافقة على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

الثاني: يأتي القرار في أثناء اشتباك بين المغرب وجبهة البوليساريو، حركة التحرير الصحراوية، في نزاع مسلح. فقد انهارت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي اتفاقية وقف إطلاق النار التي عمرها 29 عاماً بين الجانبين، تلك الاتفاقية التي تعهَّدت بحلٍ ديمقراطي للنزاع، بعد تصاعد الاحتجاجات إلى تبادل لإطلاق النار. ورد الجيش المغربي على تظاهرات قطعت طريقة بالقرب من الحدود الموريتانية باختراق المنطقة الفاصلة بين المنطقتين وتبادل إطلاق النار مع البوليساريو أثناء إجلاء المدنيين.

السبب الثالث والأهم هو أن التواجد المغربي في الصحراء الغربية غير قانوني، بحسب تقرير فورين بوليسي الذي استشهد بأن هذا ما أكدته الأمم المتحدة والعديد من القرارات من المحاكم الدولية منذ أمدٍ بعيد. وتعتبر الأمم المتحدة الصحراء الغربية منطقة لا تتمتع بالحكم الذاتي، وترى أن “المسيرة الخضراء” في عام 1975، حين استوطن 300 ألف مدني مغربي الصحراء الغربية، فعلاً استعمارياً متعمداً.

كما أن السجل الدولي بشأن الصحراء الغربية واضح ومتسق. في 1975 أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً قانونياً بشأن المسألة بطلب من المغرب نفسها، يقول إن مستقبل المنطقة ينبغي أن يحدده “التعبير الحر والأصيل عن إرادة شعوب المنطقة”. وفي 1982 أصبحت الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية، التي أسسها البوليساريو، عضواً مؤسساً في منظمة الوحدة الإفريقية، السابقة على تأسيس الاتحاد الإفريقي.

إجراء استفتاء داخل الصحراء الغربية

وقد حاول مجلس الأمن بالأمم المتحدة مراراً الإشراف على استفتاء شعبي في الصحراء الغربية لحل النزاع، وفقاً لتعهدات وقف إطلاق النار في 1991. لكن هذه الجهود لم تحقق الكثير. وقد استنتج قادة المغرب أن الأطراف الثلاثة الساعية إلى الحفاظ على الوضع القائم لن تلجأ قط إلى إجبارها على شيء، وأنها ستحافظ على “الحياد”. وهذا يعني غض الطرف عن أنشطة المغرب في المنطقة وإعلان دعم المحادثات في الأمم المتحدة، التي لا تفضي إلى شيءٍ عادة، وتكرار العبارة الفارغة من المضمون، التي تقول إن خطة المغرب لمنح المنطقة الحكم الذاتي “جادة وذات مصداقية وواقعية”، وفقاً لترامب وأوباما وبوش، بل الحكومة الفرنسية أيضاً.

إن ترامب وأوباما وبوش ليسوا مخطئين بالضرورة بخصوص خطة الحكم الذاتي. نظرياً، هذه الخطة قد تكون “جادة وذات مصداقية” بالفعل. فقد استعملت إسبانيا والعراق مثل هذه الخطط للحفاظ على استقرار نسبي في كاتالونيا وإقليم كردستان. وخطط الحكم الذاتي، خاصة التي تضمن إجراء استفتاءٍ سلمي، تبدو ترتيباً سليماً للتعامل مع النزعات الانفصالية أو مزاعم تقرير المصير. إذاً ليست خطة المغرب في حد ذاتها هي المشكلة.

لكن تكمن الخطورة، بحسب فورين بوليسي، في مقتضى الخطة المقترحة: وهي أن الصحراء الغربية تؤوي حركة انفصالية ينبغي قمعها. لكن لا توجد حركات انفصالية في الصحراء الغربية، بل حركات مناهضة للاستعمار. وهذا ليس وصفاً أيديولوجياً، بل الموقف الرسمي للأمم المتحدة. نتيجة لذلك، تنفيذ الخطة المغربية المقترحة من جانب واحد- تلك الخطة التي تتخلى عن الاستفتاء الديمقراطي الموعود- ستجعل مستقبل الصحراء الغربية يبدو أقرب إلى انتدابٍ استعماري منه إلى الحكم الذاتي الحقيقي. وحتى الحلول “الجيدة” حين تُنفذ بوسائل غير ديمقراطية ومخالفة للقانون الدولي تُرسي سابقة ضارة على المدى الطويل.

وأن تنحاز الولايات المتحدة دون انتقادات إلى جانب الاحتلال- وتستعمل ذلك ورقةً رابحة في مفاوضات جانبيه، في أثناء نزاعٍ مسلح نشط- يظهر أن الولايات المتحدة تفضل الآن القوة على القانون، والتحركات من جانب واحد على التعاون الدولي.

لماذا قد يفعلها بايدن؟

فإن كان بإمكان المغرب تطبيع وضعه في المنطقة، لماذا لا تطبق الحكومة الروسية وضعها في القرم أيضاً؟ وما الذي يمنع الحكومة التركية من الاستثمار في دمج شمالي قبرص كما يرغب بعض أهل المنطقة؟ ولماذا لا تلجأ إسرائيل، المستفيدة من قرار الولايات المتحدة، إلى ضم الضفة الغربية رسمياً؟ إن المواقف المشابهة قانونياً كثيرة، وتُشير إلى تسامح دولي متزايد مع التوسع الإقليمي.

إلى جانب كونها خرقاً للأعراف، من المهم النظر في اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية من حيث ما سيغيره على أرض الواقع. فقد أحرزت المغرب بكل تأكيد نصراً دبلوماسياً ضخماً، والولايات المتحدة أفسحت المجال أمام بيع مسيراتها للجيش المغربي لاستعمالها في النزاع الدائر مع البوليساريو.

وقبل مناورة ترامب، كانت مبيعات الأسلحة إلى المغرب تأتي باشتراطات محددة بعدم استعمالها في الصحراء الغربية، التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها حتى وقتٍ قريب منطقة محتلة غير ذاتية الحكم. والآن، أفسح ترامب المجال أمام الولايات المتحدة لتسليح وتمكين سلطة احتلال بصورة مباشرة، وبالتالي أمام احتلال للصحراء الغربية.

إن التراجع عن قرار ترامب هدفٌ سهل إن كانت إدارة بايدن ترغب في توضيح التزامها بالقانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف. عملياً، سيكون التراجع بلا تكلفة على الولايات المتحدة، وكل ما سيتطلبه هو جرة قلم. والمغرب كانت تعقد صفقات سلاح قيمتها مليارات الدولارات مع واشنطن قبل كل هذا دون مشاكل تُذكر.

نظرياً يمكن أن تيد المغرب بقطع علاقاته الدبلوماسية الوليدة مع إسرائيل، لكنه سيدفع ثمناً أكبر مما ستدفعه الولايات المتحدة في هذه الحالة. ومع أن أقلية صغيرة من المغربيين (4% فقط) تدعم التطبيع مع إسرائيل، فلنصف مليون يهودي مغربي يعيش في إسرائيل علاقات وطيدة ببلدهم الأم.

كما يتمتع المغرب بعلاقات تجارية سرية مع إسرائيل لعقود مضت. والآن رسمية هذه العلاقات الدبلوماسية تسمح بالرحلات الجوية بين البلدين، وهذا مفيد اقتصادياً للرباط. والمخاطرة بهذه المكاسب القيمة فقط لمعاقبة إدارة بايدن إن عادت للحياد في صراعها مع البوليساريو خطوة يصعب حدوثها من جانب الحكومة المغربية.

ومع أن خطط الولايات المتحدة لفتح قنصلية أمريكية في الصحراء الغربية تجري بالفعل على قدم وساق، فإن عكس هذا القرار له سوابقه. خاصة في مرحلة مبكرة مثل هذه. والغريب أن سحب الاعتراف الرسمي لطالما كان سمة مميزة للنزاع على الصحراء الغربية.

فمنذ عام 1990 حصلت الجمهورية الصحراوية على اعتراف أكثر من 80 دولة. أما اليوم، فقد تضاءل العدد إلى نحو الأربعين، ويرجع ذلك إلى حجة قانونية مقنعة قدمتها الحكومة المغربية من 1991: لا يمكن للبلدان دعم استفتاء الأمم المتحدة المُقترح واتخاذ موقف من النتيجة المحتملة لهذا الاستفتاء.

والآن تنطبق هذه الحجة نفسها على سياسة الولايات المتحدة في الصحراء الغربية: لا يمكن لواشنطن أن تدعم دور الأمم المتحدة في حل النزاع وتعترف في الوقت نفسه بالسيادة المغربية. وأمام إدارة بايدن فرصة للاعتراف بهذا التناقض الضار والتأكيد على التزام الولايات المتحدة بالقيادة الدولية القائمة على القوانين والتعاون الدولي- بدلاً من القوة العارية- باعتبارها المبدأ الحاكم في حل النزاعات الدولية، وهذا الرأي عبر عنه أيضاً مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب جون بولتون.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook

زوارنا يتصفحون الآن

زوارنا يشاهدون الآن