Saturday, August 24, 2019
اخر المستجدات

بطلان اتفاقية تيران وصنافير يربك السيسي ويعقّد العلاقة بالرياض


| طباعة | خ+ | خ-

أثار حكم محكمة القضاء الإداري بالقاهرة الصادر، أمس الثلاثاء، ببطلان التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، بما ترتّب عليها من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أزمة في الأروقة الحكومية والبرلمانية في مصر، حول ما إذا كان من الممكن الآن المضي قدماً في مناقشة الاتفاقية بمجلس النواب من عدمه، مما سيترتب عليه استمرار الوضع المزعزع وغير المستقر للاتفاقية إلى أجل غير مسمى.

في هذا السياق، كان مجلس النواب قد قرّر سلفاً تعليق أعماله حتى 27 يونيو/حزيران الحالي، نظراً لصعوبة الانعقاد خلال شهر رمضان، ومع استئناف الجلسات ستكون الأولوية لتمرير الموازنة العامة الجديدة للدولة لتدخل حيز التنفيذ بدءاً من مطلع شهر يوليو/تموز المقبل، بالإضافة إلى تمرير قانون العلاوة المالية الجديدة للموظفين، والتي ستصرف في التاريخ ذاته. بالتالي فإن هناك العديد من الإجراءات المتعلقة بالقوانين الأخرى الحساسة وذات الأهمية العاجلة، التي سيكون البرلمان مطالباً بإنهائها، قبل مجرد النظر إلى اتفاقية الحدود البحرية.

وإلى جانب عنصر الوقت، يبرز خلاف حكومي قانوني، حول موقف البرلمان من مراجعة الاتفاقية قبل حسم الملف قضائياً. ويقول مصدر حكومي مطلع في هذا الصدد، إن “رئيس الوزراء شريف إسماعيل، طلب من وزير الشؤون القانونية مجدي العجاتي (وهو قاضٍ سابق بمجلس الدولة)، تقديم تقرير عاجل لاجتماع مجلس الوزراء، هذا الأسبوع، بالتصرف القانوني الصحيح إزاء الحكم، وما إذا كان يمكن اتخاذ إجراءات التصديق على الاتفاقية حالياً من عدمه”.

ويضيف المصدر أن “هناك وجهتي نظر في هذا الشأن: الأولى أن يتراخى مجلس النواب أكثر في التصديق على الاتفاقية، في انتظار صدور حكم الإدارية العليا في الطعن المتوقع أن تقدمه الحكومة. مع أن الإدارية العليا لن تبتّ في القضية قبل نهاية العام الحالي على أقلّ تقدير، نظراً لأن الإجازة القضائية تمتد من 15 يوليو إلى 15 سبتمبر/أيلول، كما أن الرئيس الجديد للمحكمة المستشار محمد مسعود (الذي سيتولى المنصب رسمياً مطلع يوليو) لم يغيّر تشكيل المحكمة حتى الآن”.

أما وجهة النظر الثانية وفقاً للمصدر، فهي أن “يسارع مجلس النواب في اتخاذ إجراءات التصديق على الاتفاقية من دون الطعن على الحكم من الأساس. وفي هذه الحالة سوف يكون النظام الحاكم قد اختار الصدام المباشر والرفض التام لحكم القضاء الإداري”. وهو ما يهدد، بحسب المصدر، بـ”إضعاف شعبية النظام أكثر ويسمح بالضغط عليه إعلامياً وسياسياً، وسيظهر الرئيس، عبدالفتاح السيسي، الذي يتفاخر دائماً بشموخ مؤسسة القضاء واستقلاليتها، بصورة الرئيس الذي يكره ويتحاشى تنفيذ أحكام القضاء”.

ويوضح المصدر أن “التوجيهات الأولية التي صدرت من مكتب عباس كامل، مدير مكتب السيسي، لرئيس الوزراء عقب صدور الحكم بنحو ساعتين، تنصّ على المسارعة في اتخاذ إجراءات الاستشكال والطعن على الحكم لوقف تنفيذه (من دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، التي يجوز لها أن تصدر قراراً مؤقتاً بوقف التنفيذ قبل البت في موضوع الطعن نهائياً)”.

ويشير المصدر إلى أن “أكثر من خمس جهات عليا في الدولة، بينها رئاسة الجمهورية والاستخبارات العامة والاستخبارات الحربية، أرسلت عدداً من موظفيها إلى مقرّ مجلس الدولة للحصول على حيثيات الحكم. مما يدلّ على أن قرار التعامل مع الحكم وتبعاته والاتفاقية من الآن، لن يكون قاصراً على دائرة معينة أو على الحكومة فقط، بل سيكون قراراً مشتركاً لجهات عديدة”.

ويرى مراقبون أن “الحكم، على الرغم ممّا فيه من إحراج لنظام السيسي، فإنه يمنح فرصة له ولحكومته لإعادة التفاوض مع السعودية حول بنود الاتفاقية بدعوى الاستجابة لأحكام القضاء، ومحاولة تخفيف الغضب الجماهيري المشتعل، منذ توقيع الاتفاقية، ضد السيسي والسعودية على حد سواء”.

ووفقاً لهذه الرؤية فإن حكم القضاء الإداري جاء بمثابة طوق إنقاذ حقيقي للسيسي من ضعف الشعبية، إذا قرر احترام الحكم وتنفيذه، أو إعادة إنتاج الاتفاقية بصورة جديدة وتقديمها للرأي العام بشكل مختلف عن الطريقة الأحادية الفوقية المفاجئة التي أعلنها. حتى أنه أمر وسائل الإعلام وجموع المواطنين بعدم فتح الملف مرة أخرى، بكلمته الشهيرة “محدش يفتح الموضوع ده تاني”.

كما تكشف مصادر سياسية مطلعة عن محاولات بذلها عدد من النواب والسياسيين البارزين لإقناع السيسي، برفع يده عن توجيه “ائتلاف دعم مصر”، صاحب الأكثرية النيابية بمجلس النواب، والسماح للنواب برفض التصديق على الاتفاقية، بهدف تخفيف الضغط الشعبي على القيادة السياسية وإظهار النظام الحاكم بصورة دولة المؤسسات التي تحترم رأي البرلمان.

وتضيف المصادر أن “النواب والسياسيين الذين بذلوا هذه المحاولات كانوا جزءاً من نظام 3 يوليو 2013، قبل أن يستبعدهم السيسي لمصلحة دائرته الاستخباراتية ـ الرقابية، وأنهم عرضوا هذه الخطة بوضوح على عباس كامل خلال حفل إفطار رمضاني، منذ أيام، وفي حفل إفطار لاحق أبلغهم كامل برفض السيسي التام فتح هذا الملف مرة أخرى، وضرورة انتظار حكم القضاء في الدعاوى المتداولة”.

وتؤكد المصادر أن “هؤلاء السياسيين أصحاب المبادرة، أُبلغوا أن فتح ملف تيران وصنافير مرة أخرى سياسياً وبرلمانياً، سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات المصرية السعودية، وأن النظام الحاكم تعرّض لضغوط شديدة لتوقيع الاتفاقية بهذه السرعة، خلال زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز الأخيرة إلى القاهرة، على الرغم من أنه كان متوقعاً أن تستمر المفاوضات إلى شهر يوليو المقبل”.

ويعكس حديث المصادر وجود محاولات من بعض المقربين للسيسي ودوائر مرتبطة بالنظام (دون دائرته المقربة) لاستثمار أي رفض قضائي أو برلماني للاتفاقية في مصلحة النظام، وإعادة توليد الاتفاقية في صورة جديدة، تضمن لها القبول الشعبي مستقبلاً.

وتعزز حيثيات الحكم خطورته، إذ لم يلتفت إلى أي عيوب إجرائية أو شكلية في الاتفاقية، كالتي كان يثيرها المحامون، مثل عدم إصدار قرار من السيسي بتفويض رئيس حكومته شريف إسماعيل التوقيعَ عليها، بل إن المحكمة أجرت بحثاً تاريخياً وتوثيقياً، انتهت فيه إلى أن جميع القرارات والاعتبارات القانونية والتاريخية تثبت مصرية الجزيرتين.

وذكرت المحكمة أن “الواقع الحاصل على الأرض، منذ زمن بعيد، هو أن الدولة المصرية تمارس على الجزيرتين، بالفعل، حقوق سيادة كاملة، لا يزاحمها في ذلك أحد، لدرجة أن مصر ضحت بدماء أبنائها دفاعاً عن الجزيرتين، وهو ما يفصح جهاراً عن أنها أرض مصرية”.

وشددت المحكمة على أن “المقطوع به الآن هو أن كلتا الجزيرتين أرض مصرية من ضمن الإقليم البري لمصر، وتقعان ضمن حدود الدولة المصرية، وقد مارست مصر السيادة على الجزيرتين بصفة دائمة ومستمرة. وتخضع الجزيرتان للقوانين واللوائح المصرية، وأن ترسيم الحدود البحرية مع أي دولة لا يتصل إقليمها البري بالإقليم البري المصري لا يجوز أن يمتد أثره إلى جزء من الإقليم البري المصري، الذي يشمل جزيرتي تيران وصنافير”.

وأشارت المحكمة إلى أن “الاتفاقية شكلت مخالفة صريحة للمادة 151 من الدستور التي حظرت التوقيع على أي معاهدة يترتب عليها الإخلال بالدستور أو التفريط في أي جزء من إقليم الدولة”. وهو ما يعتبر سابقة في تاريخ القضاء المصري أن يتهم السلطة التنفيذية الحاكمة بتوقيع اتفاقية تفرط في سيادة الدولة على جزء من أراضيها.

ورفضت المحكمة الدفوع التي أبدتها هيئة قضايا الدولة (محامي الحكومة) باعتبار أن الاتفاقية لم يصدق عليها من السلطة المختصة وهي مجلس النواب، حتى الآن، وأن قرارات توقيع الاتفاقيات أعمال سيادية تخرج عن اختصاص القضاء بوجه عام، مؤكدة أن “التوسع في نطاق أعمال السيادة أمر تتسم به الأنظمة الديكتاتورية”.