Friday, November 15, 2019
اخر المستجدات

بين رسالة الانتفاضة ومقوّمات السلام


| طباعة | خ+ | خ-

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب

الإنتفاضة ليست غاية في حد ذاتها، ولا يوجد شعب في العالم يخرج في حراك شعبي كل يوم ليعطل الحياة ، إنتفاضة الشعوب لها أهداف وسمات مشتركة ، كل الإنتفاضات التي شهدتها شعوب العالم بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا وأسيا أمريكا اللاتينية هدفها واحد وجاءت لتعبر عن فض هذه الشعوب لكل أشكال الإحتلال، وهدفها التحرر الوطني، والكرامة الوطنية، والتخلص من كل اشكال الإذلال والإهانة الإنسانية.

ولعل اقصى درجات الإذلال البشرى والإهانة الإنسانيىة هو الإحتلال وهو ابغض أشكال القهر التى توصلت لها الإنسانية ، وكما نقول ان الديموقراطية هي اسمى وأرقى ما توصل اليه العقل البشري لحكم نفسه، بكرامة وإنسانية، فإن نقيض الديموقراطية هو الإحتلال، لأنه إجهاض لكل الممارسات الفطرية لحقوق الإنسان. الإحتلال إلغاء لآدمية الإنسان وتحويلة لمخلوق آخر غير بشري أقرب إلى السلالات الحيوانية الأخرى التي تأكل وتسخر لخدمة الإنسان. وكراهية الإحتلال ونبذه يرتبط بهوية الشعب نفسه وإنتماءاته الدينية والتاريخية والحضارية ، فإشكالية الإحتلال أنه يتعلق بهوية الشعب الذي يخضع للإحتلال، شعب او قوة محتلة بفتح التاء، تعتمد على القوة وغطرستها ، والتعصب الأيدولوجي أعمى البصيرة لا يرى الا نفسه، ولا يرى في الشعب الذي يعاني من الإحتلال إلا مجرد رقم بشري ،او أفراد يتحركون من اجل الغذاء والملبس، او انهم مجرد رعاع، معتدين، مغتصبين.

والإشكالية الكبرى ان هذا يحدث على الأرض التي يعيش فيها هذا الشعب منذ نشوئه، والتي منها إستمد هويته ووجوده وإنتمائه ، وبالتالي العلاقة هنا علاقة وجود وبقاء وإستمرارية وديمومة ، ففقدان هذه الأرض فقدان لهذه الهوية ، وهذا الإنتماء، والإرتباط. هذا المفهوم لعل الشعب الفلسطيني وهو الشعب الوحيد في العالم الذي يعاني من الإحتلال، هو الأكثر إدراكا ماذا يعني إستمرارا الإحتلال الإسرائيلي للآراضي الفلسطينية ، هو الأكثر معاناة من ذل الإحتلال بكل أشكاله من إعتقال، وقتل، وطرد، وتدمير للمنزل الذي يأوي من شدة البرد وحرارة الصيف، والذي يستر العورات وتستظل الاسرة.

الشعب الفلسطيني يعاني يوميا من هذا الإحتلال بكل أشكاله منذ ان يستيقظ من نومه حتى نومه، بل في أثناء النوم ذاته، الإحتلال لصيق بحياة المواطن الفلسطيني. فكيف له ان يقبل ان يفقد هويته ، وشخصيته الوطنية ؟ وكيف له أن يصبر على أشكال الإهانة اليومية ، والتي لو لحقت بأي مخلوق آخر لصرخ بأعلى صوته وقال كفى. والإشكالية الأخرى ان إسرائيل بعصبيتها الأيدولوجية لا ترى في الفلسطينيين شعباً له حقوق إنسانية آدمية ، ولو إعترفت إسرائيل بذلك منذ وقت طويل وتعاملت مع الفلسطينيين اولا من منظور الحقوق الإنسانية ، ثم الإعتراف بحقوقهم السياسية وحقهم في قيام دولة ديموقراطية مساملة مدنية ، لوفرت على نفسها وعلى غيرها الكثير من الدماء، الخطوة الأولى هي إعتراف إسرائيل ان هناك شعب إسمه الشعب الفلسطيني، كما إعترف هذا الشعب وعبر منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد له بإسرائيل كدولة ، وعندما نقول دولة يعني الإعتراف بأركان هذه الدولة وأهمها الشعب. ماذا تريد إسرائيل اكثر من ذلك حتى تعيش في أمن وإستقرار. وثانيا ان تعترف إسرائيل انها دولة وسلطة إحتلال، وثالثا ان هذا الإحتلال لا بد وأن ينتهي وهذا هو قانون التحرر النضال لكل الشعوب، وما عليها إلا ان تقرأ تاريخ الشعوب.

الإحتلال مصيره الإنتهاء بالقوة او بالطرق السلمية التفاوضية . هذه هي حقائق البشر. الفلسطينيون الشعب الوحيد الذي يعاني من الإحتلال لم يكونوا إستثناء عن بقية الشعوب، بل قد يكونون اكثرها إدراكا لهويتهم وتاريخهم، وصيرورة نضالهم ، فلن يقبل الشعب ان يخضع لغيره، ولن يقبل ان يذل من غيره ، ولن يقبل ان تهان كرامته على منافذ الذل والإهانة التي تقيمها إسرائيل. ولعل الشعب الفلسطيني وهذا مصدر قوته انه قد نجح في الحفاظ على هذه الهوية ، حتى فلسطينيي الشتات ما زال إنتماؤهم وهويتهم الوطنية قويين، وكذا فلسطينيو الداخل.

هذه حقيقة بشرية لن تجدي معها اي قوة عسكرية ، ولنفترض ان لدى إسرائيل كل القوة العسكرية في العالم، والسؤال الذي اوجههه لساسة إسرائيل هل يمكن إستئصال هذا الشعب من جذوره والتخلص منه ومحوه من التاريخ؟ الإجابة قطعا بالنفي، فالفشل الوحيد الذي منيت به القوة الإسرائيلية المفرطة انها فشلت وبعد هذه السنين من شطب الشعب الفلسطيني ومحو هويته. وعليه لم يبق أمامها لكي تعيش كدولة آمنة مستقرة أن تبدأ اولا بإنهاء هذا الإحتلال، وهذا هو هدف الإنتفاضة الفلسطينية.

وثانيا العمل على إحترام الحقوق الإنسانية للفلسطينيين، وهذا هو الهدف الثاني للإنتفاضة.

وثالثا العمل على قيام دولة فلسطينية ديموقراطية، وهذا هو الهدف الثالث للإنتفاضة، ورابعا البحث بعدها عن صيغ للتعايش بين الشعبين الفلسطيني واليهودي.

والفلسطينيون ابدوا الكثير من مظاهر التعايش والسلام ، وإسرائيل تعرف ذلك. هذه هي أقصر الطرق لتحقيق الأمن والبقاء. وستبقى الإنتفاضة أقوى من كل سياسات القوة،، ويبقى أن يعرف العالم ان الديموقراطية التي يعيش في كنفها تستوجب إنهاء الإحتلال لأنه لا قيمة لهذه الديموقراطية والإحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني مستمر.