Thursday, June 27, 2019
اخر المستجدات

حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق في حوار مطول: تنافسنا مع السعودية في سوريا


حمد بن جاسم

| طباعة | خ+ | خ-

نشرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية تقريرا مطولا عن لقاء جمع صحفييها برئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم جبر آل ثاني، ناقشت فيه السياسات القطرية خاصة بعد التغيرات التي شهدها الشرق الأوسط والتراجع الملحوظ للدور القطري في المنطقة.

ولم يخلُ حديث الشيخ حمد بن جبر آل ثاني أثناء غدائه في أفخر فنادقه في لندن، من طعم الخيبة. فالرجل الذي يعد أحد أغنى رجال قطر، تمكن بصفته رئيسا للوزراء من الاستثمار في بريطانيا والتدخل في مجريات الربيع العربي، لكن ما آلت إليه الأمور غير في المعادلات الكبرى في الإمارة الصغيرة.

وتصف الصحفية رلى خلف التي تناولت الغداء معه، الشيخ حمد بن جبر بالشخصية المهيبة، انتظرته على طاولة خالية بجانب النافذة كما خلا الصف بأكمله لزوم المقابلة التي بدأت فور دخول الشيخ محاطا باثنين من مساعديه ما لبثا أن اختفيا على الفور.

بدا الشيخ الذي خلع لبس الثوب والعقال وارتدى بذّة رسمية مخاطة بشكل ممتاز، كأنه في موطنه فعلا. بعمر الـ 56 سنة، لا يزال الشيخ صغيرا على التقاعد ، لذلك هو يجوب العالم، ويلقي الخطابات، ويتواصل مباشرة مع القادة في مجال الأعمال والسياسة. لكنه بالرغم من ذلك يقضي الكثير من الوقت في لندن، حيث تعتبر المدينة موطنا ثانيا للعديد من أفراد عائلة آل-ثاني، لديه 15 ابنا وابنة.

اقتصاديا، يعتبر حمد بن جبر آل ثاني الشخصية الوازنة للإمارة الصغيرة في لندن، يمتهن شراء كل شيء تقع يده عليه، من حصص في كل من هايدي بارك حيث يمتلك شقة خاصة، إلى أشهر قسم للمبيعات على الشبكة العنكبوتية  هارودز وناطحة السحاب ” شارد”، كما في أشهر الأحياء التجارية وفي بورصة لندن.

سياسيا، مرّت ثلاث سنوات على تنحّي الشيخ حمد بن جبر آل ثاني عن رئاسة وزراء قطر، كجزء من صفقة تقضي بأن يتخلّى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاكم قطر آنذاك، عن منصبه لابنه تميم .

التنازل كان له بالغ الأثر على الشيخ حمد بن جابر الذي أدرك أن الطريقة الوحيدة التي تمكّن الأمير الجديد من تولّي حكم البلاد هي في خروج والده ورئيس وزرائه من دائرة الحكم الضيقة.

ثنائية المال والسلطة

هذا الرجل الذي احتفظ بمنصب وزير الخارجية حين تولّيه رئاسة الحكومة، وصفه الشيخ حمد بن خليفة بالحاكم الفعلي لقطر على امتداد سنوات حكمه الست 2007 – 2013، عُرف عنه علانيته وتنقّله من سياسة إلى أخرى دون اكتراث.

استمتع  الشيخ حمد بن جبر بالقوة المالية للدولة، فهو ترأس على هامش الحكومة جهاز قطر للاستثمار الذي يملك 250 مليار دولار، وصندوق الثروة السيادية للدولة، وعقد الصفقات الضخمة كما نسج شبكة عداوات أيضا.

مؤخرا، توجّب على الشيخ حمد بن جبر التعامل مع جميع الأنباء التي تتناوله في موضوعاتها. جاء استثماره في بنك  Barclays الذي كان يمر بأسوأ أزمة مالية عام 2008 ملفا للتحقيقات الجزائية والروتينية التي تنفذها السلطات البريطانية رغم عدم وجود أي شبهة فساد أشارت إليه أو تجاوز للقانون سُجّل عليه.

لكن اسمه ظهر أيضا في وثائق بنما التي كشفت عن شركة خارجية اعتادت أن تسيّر أعمال يخته الفاخر الذي قٌدّر بقيمة 300 مليون دولار والرّاسي في جزيرة  Mallorca  الإسبانية في البحر المتوسط.

خيبة الغرب من العرب

يُشار إليه في الإعلام على أنّه ملك العقارات في لندن، فيرد: أنا لست متأكدا من ذلك، ربما كان هناك بعض الضجة حول الموضوع لكن الشرق الأوسط مليء بالمؤامرات والناس يحبون المبالغة في بعض الأحيان .

وحين سئل عن البحث الذي أعدته مجلة أتلانتك بعنوان سياسة أوباما، حول ميل الرئيس الأمريكي لعدم التدخل وموقفه تجاه العديد من حلفائه، الذي وصفهم بـ الراكبون بالمجان، ما استتبع رد فعل لاذعا في أنحاء الشرق الأوسط نتيجة  لملف سياسة أوباما، ولانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة، علّق الشيخ حمد بن جبر أنّه يتوجب على الجميع شكر أوباما.

وقال: لأكون صريحا، أنا محبط أيضا، ولا ألومه، فنحن العرب لم نبرهن أننا حلفاء يمكن الإعتماد عليهم، نحن على علاقة ممتازة مع الولايات المتحدة الأمريكية لكن الولايات المتحدة الأمريكية  لن تأتي للمنطقة كما كانت تفعل بالسابق.

لم يقل كلامه أنّه لا يشارك الندم مع الآخرين، وأضاف:  لم يكن هناك توازنا في العلاقات الأمريكية-الخليجية. لثلاثين عاما كانت منطقة الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية تتحكم بأسعار النفط لأجلهم (الغرب)، لكن ماذا كسبنا في المقابل؟ عندما كانت الأسعار تنخفض أكثر من اللزوم كانوا يقولون: “سيطروا على  الأسعار”. لكن عندما كانت ترتفع أسعار النفط يبدأون بالصراخ، وينعتوننا بالمحتكرين ويقولون: ” ليس باستطاعتكم القيام بهذا”.

بالانتقال للحديث عن فلاديمير بوتين، الموضوع المؤلم للشيخ حمد بن جبر آل الثاني. فعلى الرغم من أن تدخل روسيا في الأزمة السورية مؤيدا لنظام الأسد يخالف سياسة دول الخليج، حيث أنهم الداعمون الرئيسيون للمعارضة السورية، إلا أنّ رؤساء المنطقة يشقون طريقهم إلى موسكو. يصف الشيخ حمد بن جبر آل الثاني القضية بـ اللعبة بالنسبة لروسيا، هم يريدون إثبات نقطة للمنطقة ونجحوا في ذلك. النقطة هي “لا تعتمدوا على أمريكا، بل اعتمدوا علينا. لكن يتوجب علينا الاعتماد على أنفسنا بداية، قبل توجهنا لأمريكا أو روسيا.

الهرم المقلوب

عندما سئل إن كان يقبل تحمّل بعض المسؤولية فيما يتعلق بالكارثة في سوريا، أتى جوابه:  سأقول لك أمرا لم أخبره لأحد من قبل، عندما بدأنا في التدخل بالشأن السوري (في عام 2012) كنّا على يقين بأن قطر ستقود التدخل لأنّ السعودية لم ترغب بقيادته في ذلك الوقت. بعد ذلك تم تغيير السياسة ولم تعلمنا السعودية أنّها تريد أن نكون خلفها، فانتهى بنا الأمر بالتنافس، وهذا غير صحي”.

وبالإشارة المشكّكة إلى السياسات المتبعة في ليبيا أقرّ أنّ كثرة الطباخين في ليبيا أفسدت الطبخة.

وعن صراع الملكة العربية السعودية وإيران على السلطة، أوضح على خلفية مقولته أنّ العرب يقتدون بخطى إيران: علي الإقرار بأمر واحد: الإيرانيون أذكى منا، وأكثر صبرا منا، وهم أفضل المفاوضين، انظري لعدد سنوات تفاوضها مع القوى العالمية، هل تعتقدين أنّ البلاد العربية كانت ستفاوض لوقت طويل كهذا؟

عالِم المال

يبدو آل ثاني مسترخيا أثناء المقابلة، لكنّه في الحقيقة  سرعان ما يفقد حماسه عندما يُصوّب الحوار تجاه آخر استثماراته، ليس بالأمر المستغرب،  لأنّه استثمر هو ودولته قطر في شركات كانت تمرّ بظروف صعبة.

ويشكل جهاز قطر للاستثمار QIA أكبر المساهمين في شركة Volkswagen، الموسومة بفضيحة الغش. وهو يعترف قائلا: كمساهمين، نحن قلقون لكن هكذا هو السوق، يرتفع أحيانا وينخفض في أحيان أخرى.

ليس المال على المحك في قضية شركة Volkswagen على الإطلاق. أما بالنسبة  لبنك Deutsche يختلف الحال تماما، فقد أصبحت عائلته ثاني أكبر مستثمر في أكبر بنوك ألمانيا في العام 2014، لكن أسهمها انخفضت بنسبة 50% في السنة الماضية.

يعلّق الشيخ: نحن نملك رؤيا طويلة الأمد، ونؤمن أنّ Deutsche ستعود لسابق عهدها، هذا اقتصاد قوي، ونحن مستثمرون لوقت طويل.

ويضيف: لا يجوز الحكم على الاستثمارات القطرية من خلال الاستثمارات التي تصدرت عناوين الصحف، فالآخرون الذين لم تسمعوا عنهم أداؤهم جيد.

وأؤكد ونظرا للبيئة الحالية، أنّ الوقت الراهن ليس جيدا للاستثمار، يُفضّل الآن إجراء الدراسات والانتظار.

تعتبر Barclays الاستثمار في طلب النقود في حالات الطوارئ أكثر استثماراته المثيرة للجدل والبالغ قيمته 7.3 مليار يورو، حيث أعطي للمستثمرين القطريين رسوم جيدة، وضمانات مجانيا في خدمة  Barclays  بالإضافة لأسهمهم. وكانت الصفقة موضوع التحقيقات التنظيمية والجنائية الجارية من قبل سلطة المملكة المتحدة، رغم عدم وجود أية إيحاءات بأنّ الشيخ حمد بن جبر آل ثاني أو قطر نفسها تصرفوا بشكل مخالف للقانون.

رفض الشيخ حمد بن جبر آل ثاني  التعليق على أي دعاوى قضائية أو تحقيقات ما زالت جارية لكنه قال إنّ جهاز قطر للاستثمار قام بكل الإجراءات بالطريقة الصحيحة والقانونية.

الحاكم المستشار

ربما أكثر ما يحرج الشيخ على المستوى الشخصي، الدعوى القضائية التي رفعها في لندن مسؤول قطري سابق، يزعم فيها استيلاء الشيخ على أرضه.

وجهت الادعاءات في المحكمة على الأرض التي يملك فيها الشيخ حمد بن جبر آل ثاني حصانة دولية ودبلوماسية، هو رئيس الحكومة ووزير الخارجية الأسبق الذي أصبح مستشارا في السفارة القطرية في لندن، هذه نقلة نوعية كبيرة للأسفل ربما، لكنّها على الأكيد إشارة إلى أنه ما زال حلقة هامة تربط بين أوروبا وقطر.

ولا يزال الشيخ حمد بن جبر آل ثاني مقربا من الأمير السابق، الشيخ حمد، ويسافر الاثنان مع بعض، كثيرا، لكنه في الدوحة يحافظ على ظهور قليل. فمنذ تنازل الشيخ حمد، عمل الشيخ تميم على إعادة تشكيل الحكومة، مزيلا هياكل السلطة المتروكة مكانها من قبل رئيس الوزراء السابق.

ويقترح الشيخ قراءة الكثير بما يتعلق بالتغييرات في قطر.

إنها مقاربة مختلفة. فربما عند قيامنا بذلك، خلقنا الكثير من الغيرة، والعديد من الأعداء.. لكنني كنت  جنديا في الحكومة والقيام بالأعمال في نفس الوقت كان ضروريا لقطر لتصبح ملاحظة، إما سياسيا أو اقتصاديا.

ولاحظ الشيخ حمد بن جبر آل ثاني أن جميع الحكومات الجديدة تحضر معها فريقا جديدا وتقدم سياسات جديدة، وأنه مع نهيار أسعار الوقود، يجب على قطر الاقتصاد  أنا أحمد الله أنّنا من وقت لآخر نصدم  بأسعار النفط. لأننا نصبح مدللين.

أما في معنى تضارب المصالح، فرأى في خلط السياسة بالاقتصاد أسلوب حياة غريب: فهنا في الغرب، يتم ذكر هذا دائما على أنه جيبة واحدة  لكن يوجد جدار صيني- ما هو شخصي يبقى شخصيا.

وأضاف :إذا قلت للقطريين لا تمارسوا التجارة إذا أردتم العمل في الحكومة، فعلى الأرجح أن لا نجد أحدا في وظيفته.

وعن تعليق الأمير حول تملّكه للدولة، رد الشيخ حمد بن جبر آل ثاني مقهقها: يحب الأمير أن يقول النكت عني دائما! حمدا لله على وجود أشخاص أكثر غنى في قطر. ثم جاء تحذيره الذي أعاده مرارا ومرارا خلال الجلسة  ليس كل ما تسمعينه حقيقة.

“وكالات”