Wednesday, July 17, 2019
اخر المستجدات

خالد يوسف!.. ماذا حدث؟!


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب: محمود سلطان

أخذتني الدهشة كل مأخذ، عندما علمت أن الراحل “بيرم التونسي”، كتب في الأربعينيات أغنية: “قولى ولا تخبيش يا زين أيش تقول العين للعين، لما العين تشوف حبيب تقوله ولا تخشاش رقيب.. قولى ولا تخشاش ملام حلال القُبلة ولا حرام.. القُبلة إن كانت للملهوف اللي على ورد الخد يطوف ياخدها بدال الواحدة ألوف ولا يسمع للناس كلام..”

ومن المدهش أيضًا، أن هذه الكلمات لم تبق حبيسة “دفاتر” بيرم، وإنما غنتها على الناس أم كلثوم في فيلم “سلامة”!! ونالت شهرة واسعة، واستقبلها المصريون بالقبول والإطراء والثناء.

والأكثر دهشة أن الأغنية ـ وكما قلت كانت في الأربعينيات ـ تقبَّلها الرأي العام المصري، ولم يستهجنها.. ولم يعتبرها “إباحية” ولم تثر أية أزمة فيما يتعلق بـ”الآداب العامة”.. والمفارقة ـ هنا ـ أنه لو كانت أم كلثوم غنت هذه الكلمات “الجريئة” في وقتنا الحاضر (2019)، لحُركت ضدها الدعاوي أمام النيابات والمحاكم وأقسام الشرطة، تتهمها بنشر الخلاعة والدعوة إلى الانحلال والفجور والفوضى الجنسية!!

ما الفرق بين مجتمع عام 1945 ـ وقت أن غنتها أم كلثوم ـ وبين المجتمع المصري في عام 2019؟! الذي يتتبع عورات الفنانين ويشمت في “نزق” مخرج سينمائي؟!

وبالمثل سعد باشا زغلول، كتب في مذكراته: “كنت قبل 12 سنة (1901) أكره القمار وأحتقر المقامرين، وأرى أن اللهو من سفه الأحلام واللاعبين من المجانين، ثم رأيت نفسي لعبت وتهورت في اللعب، وأتى عليّ زمان لم أشتغل إلا به ولم أفتكر إلا فيه، ولم أعمل إلا له، ولم أعاشر إلا أهله، حتى خسرت فيه صحة وقوة ومالًا وثروة”.

وفي موضع آخر يقول: “أوصى كل من يعيش بعدي من لهم شأن في شأني أني إذا مِت من غير أن أترك اللعب، ألا يحتفلوا بجنازتي، ولا يحتدوا علىَّ ولا يجلسوا لقبول تعزية ولا يدفنوني بين أهلي وأقاربي وأصهاري، بل بعيدًا عنهم وأن ينشروا على الناس ما كتبته في اللعب حتى يروا حالة مَن تمكنت في نفسه هذه الرذيلة وبئست العاقبة”.

ناهيك عن اعترافه أيضًا على إدمانه الخمر!.. ومع ذلك استحوذ على حب الملايين من المصريين بوصفه “زعيمًا للأمة”.

وهذا أيضًا نموذج يعكس مدى سماحة المجتمع المصري في بدايات القرن الماضي.. والذي يختلف تمامًا عن حاله الآن: تطرف وتتبع للعورات وشتائم وكراهية للتعايش مع التنوع والتعدد والاختلاف.. وادعاء الفضيلة والمن بها على غيره.. والشماتة في المخالفين حال أصابهم مكروه!

قس ذلك على ما يتعرض له الآن المخرج والنائب خالد يوسف.. وما إذا كان سيتعرض لمثله حال كان يعيش زمن سعد زغلول في العشرينيات أو أم كلثوم في الأربعينيات؟!

حدث شيء ما في المجتمع المصري.. عند نقطة “ما”.. ظهر شيء “ما” أحدث هذا المنعطف اللا أخلاقي.. ترتبت عليه سلسلة متعاقبة من الانهيارات في الاجتماع والاقتصاد والسياسة لم تتوقف.. ولن تتوقف إلا إذا وضعنا أيدينا على السبب وبدأنا في تفكيكه بجرأة.. ولا نخشى للناس كلام.. على رأي عمنا بيرم التونسي.

ونكمل لاحق إن شاء الله تعالى..