Thursday, August 22, 2019
اخر المستجدات

روسيا حاولت التلاعب بالانتخابات الأمريكية منذ الحرب الباردة.. فكيف نجحت الآن؟


بوتين وترامب

| طباعة | خ+ | خ-

بالنسبة لموسكو فإن المخاطر أثناء فترة الانتخابات الأمريكية كانت واضحة تماماً، وفي مواجهة المرشح الذي صور الكرملين كعدو وعقبة أمام نشر الديمقراطية الليبرالية.

وقررت السلطات العليا في موسكو أن تفعل كل ما بوسعها لإدارة عجلة التصويت باتجاه المرشح المفضل.

وعلى مدار عام كامل، وقبل أن يتوجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع، أطلق الكرملين العنان لجهوده، وصدرت الأوامر لاختراق موظفي حملة المرشح المعارض، وانتشرت الدعوات لكافة العملاء في الخارج لتقييم إمكانية التسلل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ونشر الإشاعات حول المرشح المفضل.

ولكن هذا لم يحدث في عام 2016، بل في عام 1984 فقد استحوذ كريستوفر أندرو المؤرخ في كامبريدج على “أرشيف ميتروكين”، وهو جبل ضخم من الوثائق السرية التي تم تسريبها من قبل موظف أرشيف سابق في المخابرات الروسية، تحتوي على تفاصيل عن كيفية عمل موسكو دون كلل، ولكن دون جدوى، لترجيح كفة الميزان ضد إعادة انتخاب رونالد ريغان.

وكتب أندرو في كتابه بعنوان “السيف والدرع” ، بأن إدارة المخابرات الروسية “أوضحت بأن أي مرشح من أي الحزبين سيكون أفضل من ريغان”.

وبالطبع، وكما يعرف والتر موندال جيداً، باءت جهود موسكو بالفشل، بينما وقف الكرملين يراقب انهيار امبراطوريته بعد سبع سنوات فقط، وعلى النقيض من ذلك، بعد كل ما عرفناه خلال الأسبوع الماضي حول الجهود التي قامت بها روسيا لتشويه حملة هيلاري كلينتون وشرعية الانتخابات الأمريكية.

ومن الخطوط العريضة المشتركة في تقرير كل من مدير المخابرات الوطنية الأخير – الذي أشار إلى أن مصادره كانت من واقع أرشيف متروكين – ومن تفاصيل الملفات المذهلة التي لم يتم التحقق منها، ولكنها تدور حول الرئيس المنتخب دونالد ترامب والتي نشرت هذا الأسبوع، فمن الواضح أن موسكو لديها الوسائل والأدوات والعزيمة على إفساح الطريق أمام مرشحها المفضل للوصول إلى البيت الأبيض، وفي عام 2016 تكللت هذه الجهود بالنجاح.

وحتى الآن يجب علينا أن ننظر إلى الأحداث التي وقعت خلال عام 2016 والتي لم يسبق لها مثيل. فمن المهم أن نضع في اعتبارنا بأن تدخل موسكو ليس ظاهرة جديدة.

وفي هذا السياق، وبينما جاءت النتائج محيرة للعقول، فيجب على الدبلوماسيين الأمريكيين ومكاتب الاستخبارات أن لا يندهشوا من قدرة الخصوم الأجانب وعن سعيهم للوصول لأي طريقة لإضعاف والتلاعب بالديمقراطية الأمريكية النموذجية حتى النهاية.

محاولات فاشلة

وبالإضافة إلى الحملة الموثقة في عام  1984، كتب أندرو بأنه في عام 1960، صدرت الأوامر لعميل الكي جي بي في واشنطن “باقتراح أية مبادرات دبلوماسية أو دعائية أو أية تدابير لتسهيل فوز جون فيتزجيرالد كينيدي”، (وكان من المفروض ان يقوم الجاسوس بمحاولة الاتصال بروبرت كينيدي،  وقال أندرو بأن هذه المحاولات “تم رفضها بكل أدب”).

وفي عام 1968، جاء في تفاصيل مذكرات أنتولي دوبرينين، سفير الاتحاد السوفييتي لمدة  طويلة في الولايات المتحدة الأمريكية، بأن موسكو أصدرت الأوامر لرجلها في واشنطن لعرض أية مساعدة ممكنة بما فيها عرض صريح لتمويل حملة المرشح الديمقراطي هيوبرت همفري في الانتخابات الرئاسية لذلك العام وعلى الرغم من أن همفري خسر الانتخابات في النهاية إلا أنه بقي على رفضه لأي تمويل من الاتحاد السوفييتي.

وفي أحداث عام 1948، عندما ألقى الاتحاد السوفييتي بكامل دعمه خلف مرشح الحزب الثالث ونائب الرئيس السابق هنري والاس انتهى ترشيح والاس بسرعة، فقد فشل في الحصول على صوت واحد من أصوات المجتمع الانتخابي – فليس أمراً مفاجئاً أن تكون موسكو قد دفعت تجاه ترشيحه.

وكان هذا الرجل الذي خدم كنائب للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، واكتشف بأن مرشحيه المفضلين لوزارتي الدفاع والخارجية كانا عميلين للاتحاد السوفييتي.

تاريخ من التلاعب

وإذا ما وضعنا الرئاسة الأمريكية جانباً، فإن عملية التلاعب بالانتخابات كانت دائماً جزءاً من العملية التجسسية في الولايات المتحدة، وكما كتب المؤرخ مارك تراشتنبيرغ من جامعة كاليفورنيا، في صحيفة “Foreign Policy” هذا الأسبوع، أنه “منذ عام 1945 قامت أمريكا بالتدخل في السياسات الداخلية للبلدان الأخرى كأمر واقع”، وإذا ما حدث شيء، فهناك الحجة بأن التدخل في الانتخابات هو أمر أساسي ومن أدوات حقبة الحرب الباردة لإدارة حلفائها ونقطة مفصلية على حد سواء.

ومن الأمثلة على ذلك، البحوث التي أجراها دوف ليفين من  جامعة كارنيجي ميلون مؤخراً، حيث كانت آخر أبحاثه حول تدخلات واشنطن – وموسكو، والتي قدمت معلومات مهمة حول الممارسات في حقبة الحرب الباردة، وكما تبين لليفين، فإن أكثر أهداف الولايات المتحدة الأمريكية شيوعاً للتدخل بالانتخابات كان تجاه حلفائها المزعومين بما فيهم إيطاليا واليابان، (وللأسف فإن إيطاليا وفنلندا كانتا أصحاب عدد كبير من المرشحين المستهدفين من قبل موسكو تسبقهم مباشرة ألمانيا الغربية).

وبالمثل فإن بحوث ليفين، أشارت إلى أن تدخلات موسكو بالانتخابات انخفضت أواسط السبعينات ووصلت إلى أدنى مستوى عند وفاة الرئيس الروسي ليونيد بريجيينيف، وبينما استمرت جهود الولايات المتحدة – بقدر ما يعلم المؤرخون – فهي على الأقل وصلت ذروتها في أوائل الخمسينات، وارتفعت هذه الجهود في السبعينات قبل أن تقيد تماما في عهد ريغان.

أخيرا وجدت موسكو ضالتها

وحتى الآن، وعلى الرغم من كل هذا التاريخ المشترك، فيبدو أنه في عام 2016 كانت المرة الأولى التي تثبت جهود دولة أجنبية نجاحها، وحتى لو كانت الادعاءات بأن الملفات الروسية المتعلقة بترامب أمر مبالغ فيه أو حتى كاذبة، فإن الرئيس  المنتخب ضغط علانية على روسيا لاختراق منافسيه.

ومن الواضح بأن محاولات موسكو السابقة، كانت تفتقد إلى أحد المقومات الرئيسية، وهي مرشح على استعداد لتقبل مساعدة الكرملين والعمل بتوافق معه حتى النهاية – وصولاً إلى البيت الأبيض.