الخميس 02 / ديسمبر / 2021

سوريا والعراق واليمن.. كلمة السر في انقلاب دول مجلس التعاون الخليجي على الجمهورية اللبنانية

سوريا والعراق واليمن.. كلمة السر في انقلاب دول مجلس التعاون الخليجي على الجمهورية اللبنانية
سوريا والعراق واليمن.. كلمة السر في انقلاب دول مجلس التعاون الخليجي على الجمهورية اللبنانية

في الأسابيع الأخيرة، اتخذت العديد من دول مجلس التعاون الخليجي إجراءات عقابية ضد لبنان وشرعت في مقاطعة لها ما بعدها. فقد سحبت السعودية سفيرها من بيروت وأمرت السفير اللبناني بمغادرة الرياض، وصدرت أوامر للشركات السعودية بوقف جميع التعاملات مع الشركات اللبنانية. وحذت الإمارات والبحرين والكويت حذو السعودية فيما يخص الدبلوماسيين.

ولم تُفرض أشد الإجراءات حتى الآن، أي تعليق التحويلات المالية من المغتربين اللبنانيين في الخليج، وحظر السفر بشكل كامل، وسحب الاستثمارات كليا من الاقتصاد اللبناني.

ولا تتناسب هذه الإجراءات مع السبب الظاهري لها وهو تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي بشأن الحرب في اليمن. ومن الواضح أن هذه التصريحات كانت فقط القشة الأخيرة التي دفعت المملكة للبدء في فرض عزلة حقيقية على الجمهورية اللبنانية.

ولو كانت العلاقات بين الجانبين في حالة أفضل، أو لاحظت دول الخليج فرصا في استمرار التواصل مع لبنان، كان من الممكن استهداف أفراد أو مجموعات محددة بالعقوبات بدلا من البلد بأكمله، أو كان من الممكن تجاوز المشكلة بأكملها أو الاكتفاء بالرد عليها خطابيا.

بمعنى آخر، يبدو أن رد الفعل لم يكن مدفوعا بشكل أساسي بالتصريحات ولكن بالظروف السياسية التي صدرت خلالها تلك التصريحات.

الأسباب الكامنة

ويتطور التخلي الفعلي عن لبنان من قبل معظم دول الخليج منذ عقد على الأقل، ولطالما عبرت هذه الدول عن قلقها من نفوذ حزب الله، وقد تصاعدت هذه المخاوف بشكل مطرد مع صعود نفوذ إيران الإقليمي في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والتدخل الناجح لروسيا وحزب الله وإيران في الحرب الأهلية السورية.

ومنذ أن انتهى الجزء الرئيسي من الصراع السوري بسقوط حلب في أيدي القوات الموالية للنظام، أصبح حزب الله يحتل دورا إقليميا يتجاوز وظيفته كحزب سياسي وميليشيا لبنانية. وبالفعل، يعمل الحزب بشكل فعال لدعم وكلاء إيران الآخرين في سوريا والعراق واليمن.

وبعد أعوام عديدة من الضغط والجهود لإيجاد طرق للمناورة داخل لبنان لتقييد أنشطة حزب الله وقدرته، يبدو أن العديد من دول الخليج توصلت إلى استنتاج مفاده أن العمل داخل لبنان في ظل الظروف الحالية هو قضية خاسرة.

وجاءت أول إشارة واضحة على استعداد دول الخليج للتخلي عن لبنان في عام 2016، عندما خفضت السعودية مساعدات بمليارات الدولارات للبلاد، وأوقفت السياحة السعودية إلى لبنان، واتخذت قرارا بتصنيف “حزب الله” رسميا كمنظمة إرهابية. ومع ذلك تم استئناف بعض المساعدات لاحقا لكن بمستوى أقل بكثير من السابق.

ويساعد تحول اللاعبين الإقليميين خلال الأشهر الـ18 الماضية، بعيدا عن المواجهات المباشرة وباتجاه الاعتماد على ورقة الدبلوماسية والسياسة والتجارة، على تفسير التفكير الاستراتيجي الخليجي فيما يتعلق بلبنان.

وفي الواقع، فإن إغلاق ماكينات صرف البتر ودولار في وجه اللبنانيين، لا سيما في لحظة الحرمان الاقتصادي الشديد الذي تشهده البلاد، هو العصا الدبلوماسية والتجارية المتاحة عندما يكون الصدام العسكري غير مطروح.

العصا والجزرة في المناورات الإقليمية

وتعتمد معظم القوى الإقليمية خلال الفترة الحالية على النفوذ الدبلوماسي والتجاري، فقد انتشرت الحوارات بين الخصوم وظهرت ترتيبات اقتصادية وتجارية جديدة في الشرق الأوسط، الأمر الذي كان مفاجئا للعديد من المحللين الذين افترضوا العداء المستعصي بين الخصوم.

ويستخدم اللاعبون الإقليميون الجزر لإغراء بعضهم البعض بخفض التصعيد بل والشروع في مستوى معين من التعاون. ومع ذلك، فإن المناورات الدبلوماسية والسياسية والتجارية يمكن أن تنطوي أيضا على العصي، كما يظهر في حالة لبنان.

وشعرت السعودية والإمارات والبحرين والكويت أن الضغط الحالي على اللبنانيين يمكن أن يوفر نفوذا أكبر، كما ترى هذه الدول أن هذه الإجراءات لن تؤدي إلى خسائر أكبر إذا لم تنجح.

وقد تلاشى الشعور العربي والخليجي بلبنان كمركز ثقافي وتعليمي وتجاري، وهو ما كان يستند إلى حد كبير على ذكريات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا يملك الجيل الصاعد من قادة ومواطني دول الخليج العربية سوى القليل من الحنين إلى بيروت، التي كان آباؤهم وأجدادهم يعتزون بها في كثير من الأحيان. وبالنسبة لهذه المجموعة الأصغر سنا، يبدو لبنان وكأنه حفرة من المساعدات المهدرة التي لا نهاية لها ومصدر رئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي.

• ستراتفور: أزمة قرداحي ستطول والاقتصاد اللبناني سيدفع الثمن

وبالمقارنة مع سوريا والعراق، يبدو أن لبنان له أهمية استراتيجية ثانوية بالنسبة لدول الخليج. وليس من قبيل الصدفة أن ينحرف لبنان عن مساره في الوقت الذي بدأت فيه بعض دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، الانخراط في سوريا بحثا عن فرص للعمل مع روسيا وتركيا والولايات المتحدة وحتى نظام الرئيس السوري “بشار الأسد”، في محاولة لتهميش نفوذ إيران وحزب الله في سوريا.

وبالنسبة لدول الخليج، فإن أهمية لبنان الاستراتيجية تنبع من كونه ملحقا جغرافيا وسياسيا وماليا لسوريا. وكان الكابوس التقليدي للدول العربية السنية هو إنشاء ممر عسكري أو هلال تسيطر عليه إيران يمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان وساحل البحر الأبيض المتوسط. وتعتقد العديد من الحكومات العربية أن تطوير مثل هذا الممر الآمن بين إيران والبحر الأبيض المتوسط ​​هو هدف جيوستراتيجي أساسي لطهران. وبالرغم أنه لم يتحقق بعد، فقد تحول منذ عام 2003 من خيال بعيد المنال إلى هدف قابل للتطبيق.

سوريا ولبنان وإيران

تعد سوريا، وهي دولة عربية ذات أهمية استراتيجية وسياسية أكبر بكثير في وجهة النظر الحالية لمعظم دول الخليج، هي الموضوع الحقيقي للمناورة في الوقت الحاضر. كما يأتي العراق في نفس المرتبة بينما ترى دول الخليج أن أهدافها في لبنان يمكن أن تتحقق من خلال المشاركة الأعمق في سوريا.

ولا يعد الهدف النهائي لدول الخليج تهميش نفوذ إيران وحزب الله داخل سوريا فقط، بل تشجيع النظام السوري على التحرك بشكل مستقل عن طهران لإعادة تأسيس هيمنته داخل لبنان، وبالتالي الحد من سيطرة حزب الله على البلاد.

وقد يبدو هذا بعيد المنال في ظل الظروف الحالية. ولكن بالنظر إلى تاريخ النفوذ السوري في لبنان، فإن الشبكة الواسعة من الحلفاء والروابط التي تتمتع بها دمشق في جميع أنحاء البلاد ورغبتها الخافتة لاستعادة نفوذها السابق بعيدا عن عن الهيمنة الإيرانية، تشير كلها إلى أن هذا قد يكون ممكنا.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول، توافق حزب الله وحلفاؤه الموارنة في التيار الوطني الحر بقيادة الرئيس ميشال عون أخيرا على تشكيل حكومة، بالرغم أنها لم تلبي مطالب التيار الوطني الحر التي طال أمدها. وكان موقف حزب الله مدفوعا في جزء كبير منه بالخوف من أن السقوط الحر للبنان قد يخلق فرصا لدول عربية أخرى، ولا سيما سوريا، للبدء في التدخل مرة أخرى في لبنان.

وعلى المدى الطويل، يمكن أن يساعد الضغط في تمهيد الطريق لتصبح سوريا قوة خارجية عربية منافسة داخل لبنان. ومرة أخرى، إذا لم ينجح هذا الأمر فإن التفكير الخليجي الحالي يرى أنه على الأقل لن تتم خسارة أي شيء مهم.

اليمن وإيران

في الوقت ذاته، فإن موقف السعودية من لبنان مرتبط باليمن والحوارات السعودية مع الحوثيين في عُمان والإيرانيين في العراق. ومنذ أعوام، تبحث السعودية عن طريقة لتخليص نفسها من مستنقع اليمن بعد أن أثبت حلفاء الرياض اليمنيون أنهم غير فعالين بشكل ملحوظ. وتتعرض مأرب، المعقل الرئيسي الأخير لحكومة “عبد ربه منصور هادي” في الشمال، لهجوم مستمر حاليا ويبدو أنها في طريقها للسقوط في أيدي المتمردين.

وبينما تسعى السعودية إلى تخليص نفسها من الحرب، يرى الحوثيون أن بإمكانهم تحقيق المزيد من المكاسب العسكريةالتي ستعزز مواقفهم السياسية والاستراتيجية والتفاوضية. لذلك كانت المحادثات في عُمان غير مثمرة من وجهة نظر السعودية.

ومع ذلك، تفتقر الرياض إلى النفوذ على الحوثيين وتسعى إلى استخدام حوارها مع إيران في العراق لدعم مساعيها للخروج من مستنقع الحرب اليمنية. وبالنسبة للسعوديين، كانت محادثات بغداد محبطة أيضا لأنهم يسعون لمناقشة قضية اليمن بينما يركز الإيرانيون بالكامل على استعادة العلاقات الدبلوماسية. ولا تستمر المحادثات بسبب وجود أجندة مشتركة ولكن بسبب الرغبة المشتركة في وقف التصعيد.

ولا شك أن أحد حسابات الرياض الأساسية هو أن الضغط على طهران عبر لبنان وحزب الله قد يعود بمقابل، ليس فقط من حيث العلاقات الدبلوماسية مقابل تخفيف الدعم الإيراني للحوثيين، ولكن أيضا كنوع من مبادلة لبنان باليمن.

والمعنى الضمني للوضع الحالي هو أنه إذا خففت إيران الضغط على السعودية من خلال تقليص الدعم للحوثيين، يمكن للسعودية وحلفائها تخفيف أو على الأقل عدم تكثيف ضغطهم على لبنان وبالتالي على حزب الله وإيران في نهاية المطاف. ومما يشير إلى هذا الارتباط بين القضيتين، دعم حزب الله المكثف لـ”الحوثيين” على الأرض.

ماذا لو فشل هذا مرة أخرى؟

ومن المفارقات، أن أمل للبنان للخروج من هذا الضغط الخليجي المفاجئ والمؤلم لا يعتمد فقط على المحادثات في عُمان وبغداد (التي لا يشارك فيها) ولكن حتى على نتائج ساحة المعركة في مأرب البعيدة. ومع ذلك، إذا فشلت حملة الضغط الخليجية هذه على لبنان ​​في تحقيق أي فوائد فيما يتعلق بلبنان أو سوريا أو إيران أو اليمن، فقد يتعين إعادة التفكير فيها.

وتعتمد الحسابات القائلة بأن لبنان له أهمية استراتيجية ثانوية وأن إعادة الهيمنة السورية على لبنان يمكن أن تفيد العالم العربي على افتراضات عديدة قابلة للنقاش.

وفي الوضع الحالي القائم على المناورة والبحث عن النفوذ، فإن التصعيد الخليجي مهما كان مؤلما بالنسبة للبنان، فإن له منطقه لدى دول الخليج. لكن الأيام قد تثبت أن هذه الخطوات كانت مجرد جهود عقيمة مثلها مثل الجهود المماثلة في الماضي.

حسين إيبيش – معهد دول الخليج في واشنطن

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook