Saturday, August 24, 2019
اخر المستجدات

سيارة البوسطة.. غرفة تعذيب متنقلة


| طباعة | خ+ | خ-

الوطن اليوم /  نور نطط

سيارة البوسطة.. تبدو كباقي السيارات عند رؤيتها من بعيد، خارجها يوحي أن داخلها جميل ومريح، بل يتمنى البعض عند رؤيتها أن يستقلها ولو ساعة، لكنهم لا يعلمون أنها أشبه بغرفة تعذيب متحركة، يقودها سجان إسرائيلي، لا يعرف معني للإنسانية سيما وأن الأسرى الذين ينقلون خلالها يؤكدون أنهم يتعرضون لعذاب لا يمكن وصفه.

كرسي أرضيته وظهره من حديد، وثقوب صغيرة للتنفس ربما تكفل للأسير البقاء بصعوبة على قيد الحياة، أما الرؤية معدومة بالمطلق، والزنزانات هي تقسيم السيارة من الداخل، يجلس فيها أسرى يتألمون وسجان متغطرس بيده كلب لا يقل قذارة عن مرافقه.

و”البوسطة” هي امتداد آخر لمسلسل التعذيب النفسي والجسدي الذي تمارسه إدارة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين، ووفقاً لأحاديث منفصلة أجرتها المراسلة نور نطط مع أسرى محررين، فإن بعض الأسرى يقبلون بأحكام تزيد عن أحكامهم بسنة أو أكثر، في سبيل التخلص من معاناة “السفر بـ “البوسطة”.

ذكرى مؤلمة

(الله لا يوريكي اياها) هي أول كلمة قالها محمد الحسني أسير محرر ضمن صفقة “شاليط – وفاء الاحرار” التي جرت بين حماس وإسرائيل أواخر عام 2011م عندما سألته مراسلتنا عن سيارة البوسطة.

ويستذكر الحسني رحلاته في تلك السيارة وقد بدا على وجهه الاشمئزاز وكأنه يقول “ليتني لم أتذكرها”، خاصة وأنه  أمضى ستة وعشرين سنة ونصف من حياته قابعاً في سجون الاحتلال تنقل خلالها عشرات بل مئات المرات في سيارات “البوسطة” التي يصفها أنها متعبة جداً إلى حد يصعب تخيله .

وعن أصعب رحلة للحسني في سيارة البوسطة يقول: “عندما نقلت من سجن “هيداريم” إلى سجن “جلبوع” استغرقت الرحلة يوماً كاملاً في وسيلة نقل لا تصلح ان يبقى فيها أحد ولو لدقيقة واحدة فكيف لي أن أتحمل ذلك”.

ويصف: “عند دخول السيارة يجب أن تتهيأ للرطوبة والروائح الكريهة والشعور بالدوار والغثيان فأنا أتكلم معك الآن وقد أصابتني قشعريرة بمجرد مرور اسم “البوسطة” أمامي فهي من أصعب ما مررت به طيلة فترة اعتقالي.

والبوسطة هي عبارة عن سيارات مصفحة ومحكمة الإغلاق يتم فيها نقل الأسرى الفلسطينيين من والى المحاكم الإسرائيلية، أو للنقل والترحيل بين السجون المختلفة، كذلك لنقل الأسرى المرضى إلى المستشفيات، وأيضاً في حالات الاستدعاء إلى مراكز التحقيق.

ويتابع الحسني حديثه ويتكلم بملئ عن هذه التجربة القاسية ويعبر عن الألم النفسي الذي يعانيه الأسير في “غرفة التعذيب المتنقلة” الناتج عن المعاملة الهمجية للسجان خاصة في ظل وجود كلاب الحراسة بشكل استفزازي. ويذكر أن طاقم “البوسطة” المسمى “بالنحشون” يتلذذ بعذابات الأسرى.

و”النحشون” هم من وحدات القمع الخاصة بالسجون، ويغلب عليهم الحقد والعنصرية والسلوك الفاشي والهمجي، إضافة للقوة الجسدية، وعادة ما يكونون من المتطرفين الحاقدين على كل ماهو فلسطيني وعربي.

مسجل خطر

ومن ناحيته يروي الأسير المحرر مراد أبو ركاب تجربته في سيارة “البوسطة” قائلاً : ” كان لي في سيارة البوسطة زنزانة خاصة لأنني كنت مسجلاً خطراً لديهم حيث كنت أمنع من مقابلة زملائي الأسرى حتى داخل السيارة إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة يتابعها جنود داخل السيارة ولكن في حجرة أخرى.

الأسير مراد أبو ركاب كان محكوم عليه بالسجن لمدة سبع وعشرين سنة أمضى منها تسع سنوات وخرج في صفقة وفاء الأحرار.

وفي نبرة كلها فخر وشموخ تابع أبو ركاب حديثه  لمراسلة “وكالة قدس نت للأنباء”، حول رحلة الألم في غرفة العذابات المتنقلة، مبيناً أن من الصعوبات التي كانت تواجهه ايضا غرفة “المعبار” وهي محطات يتم فيها تجميع الأسرى من سجون مختلفة أثناء تنقلهم وترحيلهم بين السجون الإسرائيلية، أو ذهابهم للمحاكم والتي غالباً ما تتجاوز طاقتها الضعفين على الأقل ويكون الأسرى فيها في حالة يرثى لها”.

يستشعر أبو ركاب من معاناة سيارة “البوسطة” ويقول لقد كنا نترك في السيارة من ساعتين إلى أربع ساعات ونحن مقيدون دون حركة، وكان الجنود في كل استراحة يذهبون لتناول الطعام والشرب ونبقى نحن داخل السيارة بقيودنا لا يسمح لنا بأخد أدني قسط من حقوقنا في الراحة، وكانوا يبقون المصفحة الحديدية في الشمس الحارقة فتصبح وكأنها ” فرن متحرك”.

وعن أسباب ترحيل الأسرى بين السجون أوضح أبو ركاب أن هناك عدة أسباب منها: النقل بغرض تنفيذ قرار تعسفي حتى يحرم الأسير حياة الاستقرار، أو كنوع من عمليات تدوير الأسرى بين السجون ضمن سياسة مصلحة السجون الإسرائيلية. ويكمل: أما بالنسبة لي فكان لا يسمح لي بالبقاء في أي سجن أكثر من ثلاثة شهور وكانوا قد أسموني عندهم بـ “كعب داير”.

ويتابع أبو ركاب حديثه: “كنا نأمل ونحن بداخل السيارة بنظرة حرية للخارج نرى خلالها أرضنا المحتلة لكن حتى هذا الحلم يقتله السجان بجعل الرؤية في السيارة معدومة فالزجاج مطلي باللون الأسود علاوة على طبقات من الشبك السميك لمنع أي محاولة للنظر خارجاً ولكن برغم هذا كنا نفخر بأننا قد أسرنا ثمناً لإعادة وطننا المسلوب”.

والجدير بالذكر ان في سيارة البوسطة لا يوجد فيها استثناءات فحتى المرضى يتم نقلهم فيها ويضعون في أيديهم وأرجلهم القيود دون أدنى مراعاة لحالتهم الصحية، ففي حالات عديدة وبعد العلاج يرجع المرض للأسير ويفتق الجرح من جديد بسبب نقلهم في سيارة “البوسطة ” وتستمر معاناتهم ذهاباً وإياباً.

نقلا عن وكالة قدس نت