Friday, September 20, 2019
اخر المستجدات

سياسة الاغتيال المعنوي


د. حسام الدجني

| طباعة | خ+ | خ-

بقلم: د. حسام الدجني

كم من القادة اغتالتهم (إسرائيل) جسدياً عبر تاريخ الثورة الفلسطينية…؟ الآلاف، ولكن كان بعد كل عملية اغتيال لقائد، يظهر عشرات القادة، وكان الفصيل الذي ينتمي إليه هذا القائد ينتمي لصفوفه المئات.

واضح أن (إسرائيل) وأعوانها في المنطقة أصبحوا يدركون ذلك، ومع تطور أجيال الحروب، ودخول الجيل الرابع على خط المواجهة، وجوهر تعريف الجيل الرابع من الحروب هو العمل على زعزعة استقرار الخصم وصولاً لإفشاله وذلك يتم بأدوات قريبة من الخصم مثل الإعلام الجديد، المجتمع المدني، الإعلام التقليدي، أجهزة الاستخبارات، الطابور الخامس (العملاء).

وعليه بدأت تعمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على ممارسة هذا النوع من الحروب مع الشعب الفلسطيني وقادته وفصائله، وهذا يأتي ضمن استراتيجية كاملة متكاملة تقوم على استهداف الجميع بدراجات مختلفة، وأهم الوسائل هي الاغتيال المعنوي للقادة، حيث يحققون من وراء ذلك هدفين مهمين:

1- زيادة الفجوة بين قادة الفصائل والشعب، عبر بث الإشاعات واستغلال بعض الأخطاء وتضخيمها وتسليط الضوء عليها.

2- إعادة تعريف المواطن الصالح بالنسبة لدولة الاحتلال، فبكثرة استهداف القادة والفصائل يصبح عدم الانتماء السياسي، والعزوف عن الوطن والوطنية هي جوهر تعريف المواطن الصالح.

ما أشكال الاغتيال المعنوي…؟ وما هي مخاطره…؟ وما هي آليات مواجهته…؟

الاغتيال المعنوي هو تسليط الضوء على شخصية قيادية واستغلال أي خطأ أو ثغرة هنا أو هناك وتسليط الضوء عليها مع تضخيمها وخلق الأكاذيب المنسجمة والمتوافقة مع هذا الخطأ أو ذاك، وهذا يطبق على شريحة عريضة من القادة ومن كل الفصائل الفلسطينية والهدف هو أن يكفر الرأي العام بالحركة الوطنية ككل، وبذلك يسهل تدجين المجتمع وتمرير أهداف الاحتلال.

بينما وسائل وأدوات التنفيذ لعملية الاغتيال المعنوي تقوم على ثلاثة:

1.الاتصال المباشر بالدائرة الأولى للقائد وتهديده بالاغتيال، وهذا يؤثر على معنويات عائلته وينعكس سلباً عليه.

2.الاستهداف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتأخذ شكلين:

الأول: تأسيس صفحات وحسابات وهمية بأسماء فلسطينية، وضخ عشرات الشائعات عن هذا القائد أو ذاك وعن هذا الفصيل أو ذاك، في المحصلة كل ما هو فلسطيني مستهدف، ومع قوة الشائعة وفي ظل بيئة الانقسام تنتشر هذه الشائعات كالنار في الهشيم، وتصبح حقائق لدى جزء من الوعي الجمعي الفلسطيني.

3.الاستهداف المؤسساتي، أي بمعنى صناعة شبكة مؤسسات صحفية أو بحثية والطلب من بعض الباحثين أو الصحفيين أو النشطاء تقديم شبهات الفساد الفصائلي قادة أو عناصر أو مؤسسات، واستكتابهم مقابل أجر مادي، وتصل أحياناً إلى تقديم معلومات ميدانية لهؤلاء لنشرها وتقديمها للرأي العام.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الشاباك الإسرائيلي أنشأ عشرات صفحات الفيس بوك هدفها فقط: الاغتيال المعنوي للقادة والفصائل، والتركيز على بعض السلوكيات الخاطئة والتصريحات غير الموفقة وتضخيمها وتحويلها لدراما غرضها فقط التشويه.

وعليه بدأ الاحتلال بمراقبة كافة مواقع التواصل الاجتماعي داخل فلسطين وخارجها، والتجسس على معظم حواسيب وهواتف الشخصيات المستهدفة والتي يراد اغتيالها معنوياً، وفي ظل حالة الانقسام تقتات أجهزة الاستخبارات الصهيونية من كم معلوماتي مهم بقصد أو بدون قصد يقدمه بعض نشطاء التواصل الاجتماعي ضمن مبدأ المناكفات السياسية والدفاع عن الحزب، حيث أصبحت أبجديات الدفاع عن الحزب هي البحث في أخطاء الخصم السياسي، وهذا ما تقتات عليه صناعة الشائعات في مجتمعنا الفلسطيني.

أيضاً الانقسام الفلسطيني، وبيئة الحصار والعدوان في قطاع غزة، وانسداد الأفق السياسي في الضفة الغربية وزيادة وتيرة الاستيطان والتهويد والحواجز، كلها عوامل تساهم في زيادة حالة اليأس والاحباط والفراغ لدى الرأي العام الفلسطيني فيصبح أكثر قبولاً للشائعات والتعاطي معها وترويجها، بل على العكس يروجها ويظن أنها عبادة تقربه إلى الله، ووطنية سيخلده التاريخ لأجلها.

إن أهم آليات المعالجة لهذه الآفة الخطيرة التي تساهم في تحقيق الهزيمة الداخلية للشباب الفلسطيني، بحاجة إلى وقفة ومعالجة من قبل الكل الوطني ولعل أهم الآليات ينبغي أن تنطلق من:

1- إنهاء حالة الانقسام والتيه السياسي الذي تعيشه قضيتنا الفلسطينية.

2- التحصين المجتمعي ويتم ذلك من خلال ميثاق شرف تشارك فيه كافة الفصائل لا سيما فتح وحماس، للحفاظ على شرف الخصومة ورسم الخطوط الحمراء من جديد، لأن المستهدف المشروع الوطني وليس فصيلا أو قائدا بعينه.

3- زيادة الوعي السياسي في المدارس والجامعات والمساجد، وعبر بناء منصات وصفحات على مواقع التواصل هدفها تعزيز الوعي السياسي والتحصين المجتمعي ودحض الشائعات.

4- تثقيف القادة وذويهم وضبط إيقاع تصريحاتهم الاعلامية وسلوكهم الاجتماعي بما يتوافق وحالة العوز والجوع والفقر التي يعاني منها شعبنا.

5- ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية في إدارة الشأن العام، وتعزيز مبادئ الشفافية ومحاربة الفساد، وينبغي أن لا نخجل من القول إننا حاكمنا فاسداً فنحن لسنا مجتمعاً ملائكياً ولكن هذا سيعزز من ثقة الشعب بقادته، ويفشل مخططات العدو.

6- التواصل مع كافة المضللين ممن يعتقدون أن صفحاتهم هي لمحاربة شبهات الفساد، وأن ربطهم لفساد شخص ما، بفصيل ينتمي إليه أو قريب منه،يخدم الممول الذي من المحتمل أن يكون تابعا لجهة استخباراتية ما.

7- دراسة وتقييم أسباب ودوافع ما وصلنا إليه واتخاذ الإجراءات الكفيلة التي من الممكن أن تحافظ على ما تبقى لنا من أمل.