Tuesday, November 24, 2020
اخر المستجدات

صفقة أبراهام والليبرالية الجديدة


تمارا حداد

الكاتبة الفلسطينية : تمارا حداد

| طباعة | خ+ | خ-

بقلم الكاتبة: تمارا حداد

توالت موجات التطبيع بشكل متسارع دون أدنى تحليل لما حدث وما سيحدث مستقبلاً، إن المُتتبع للحالة السياسية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية في العالم يعي تماماً أن حالة التطبيع ما هي إلا جُزء من نظرية الليبرالية الجديدة أو ما تسمى صفقة ” أبراهام ” أو ما سميت بصفقة القرن والتي أطلقها الرئيس الأمريكي “ترامب”.

نظام الليبرالية الجديد والتي أساسها رؤية أمريكية ملامحها التغيير في قواعد إدارة العلاقات الدولية وإعادة تغيير الأنظمة الحالية أو التجمعات إلى حالة جديدة تُكرس أُحادية القطب الأمريكي والسيطرة على العالم والنظام الدولي وأيضا القضاء على جميع حركات الإرهاب من خلال فرض القوة العسكرية الاستخباراتية والمعلوماتية لإعادة هيكلة النظام الدولي الجديد بنظرة أُحادية عالمية وترسيخ فكرة الإدارة الأمريكية لإبقاء الهيمنة على العالم.

وحالة التطبيع المؤخرة هي جزء من النظام الليبرالي الجديد وإعادة تشكيل نظام عالمي أمني يتماشي مع المبادئ والمصالح الأمريكية من خلال التوسع في بناء القواعد العسكرية والتدخل العسكري في كل مكان ليس من مفهوم البدء بالحروب أو الردع بل من مفهوم العمل الوقائي والتجهز لحروب استباقية إذا لزم الأمر، لذلك أمريكا متواجدة في بقاع العالم من خلال قواعدها فمثلاً على مستوى منطقة الشرق الأوسط فقواعدها موجودة في العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية واليمن وسوريا وتركيا والخليج العربي وأُوزباكستان وقيرغيديا وكازخستان وأفغانستان وباكستان وإسرائيل، وهذا الأمر يعزز ما سينبني على الليبرالية الجديدة بعمل ترتيبات إقليمية جديدة وإذابة النظم الوطنية والقومية القديمة وطمسها وجعل أمريكا من ضمن الترتيبات الجديدة كقاسم مشترك الأعظم ومن خلال الوكيل ” إسرائيل” داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة وإنشاء شرق أوسطي جديد وإسرائيل ضابط الإيقاع في الترتيب الإقليمي الجديد ضمن الاستراتيجية العالمية والمبنية على قوميات دينية ” يهودية، سنية، شيعية” من أجل الحفاظ على التفوق والأمن الإسرائيلي في المنطقة وهذا ما أشار إليه الحزبان الديمقراطي والجمهوري الأمريكيين.

الفكر الليبرالي الجديد من المنظور الأمريكي هو نظرية ليست لبناء وإنما لتفتيت الذاتية للدول والشعوب وخلق كيانات جديدة من خلال إذابة الوعي الجمعي للشعوب من خلال تفرغها بالنواحي المعيشية وإفقارها وبلورة نظام عالمي جديد أكثر عبودية وقد يُرجع الأمة العربية لعصر الجاهلية من خلال إذابة الوعي الجمعي، بالرغم إننا في عصر الاقتصاد المعرفي وعصر ما بعد الحداثة والتكنولوجيا والتي قد تتطور إلى الذكاء الاصطناعي والنانو تكنولوجي والذي سيجعل الذات الإنسانية أكثر إرتهاناً بما يسمى العالم الخفي ضمن بوتقة النظام الليبرالي الجديد.

هذا الأمر يقود إلى أن ثغرة النظام الليبرالي الجديد هو بإزاحة الدور الإنساني واستبداله بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو غير المرئية للسيطرة على العالم، يجعلنا نفكر كيف لنا أن نعيد صياغة ميثاق وطني يتفق عليه الشعوب باستغلال التكنولوجيا تزامناً مع التخفيف من العبودية المستقبلية .

إن الفكر الليبرالي الجديد استغل الثغرات التي يُعاني منها الشعوب العربية بعدم توحد الكلمة واللغة والخطاب الذي أدى إلى خروج أحزاب معارضة قتلت الدول بمفهومها الوطني والقومي نتيجة الاضطهاد والدكتاتورية وفقدان الحرية للشعوب هذه الثغرة بحاجة الى حلول، من خلال إنقاذ الشعوب من مهد ضعف الثقافة الوطنية والتخلف الاقتصادي بإيجاد النظام الديمقراطي لكل الدول العربية والذي يقضي على الصراع الحزبي والعمل على الوحدة الوطنية من خلال القبول بتعدد الإرادات في عملية صنع القرار وتقبل الآخر بما يضمن حرية الرأي والإعلام بحيث لا تحتكر القلة الحاكمة حصاد المعلومات المهمة.

والانتخابات قد تكون مخرج كونها تُحقق الرقابة السياسية وإجرائها تمثل الضمانة السياسية لمشاركة الشعوب في عملية صنع القرار على أسس ومفاهيم جديدة من خلال مفاهيم المقاومة لليبرالية الجديدة، ومن المهم إيمان الأنظمة العربية بوجود معارضة لكن بوجودها البنائي وليس المعارضة الهدامة، كما أن الدول يجب أن تعمل على مبدأ فصل السلطات وضمان استقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان وحرياته وخلق ثقافة ديمقراطية مدنية تعُم الجميع وعدم إساءة استخدام السلطة وتوزيع عادل للموارد بين كافة المواطنين بشكل متساوي مع تطبيق مبادئ الحكم الرشيد في الدول ضمانة لنهضة الشعوب وإنقاذها أمام الليبرالية الجديدة اللاهوتية والتي ستُعيد صياغة حكومة عالمية جديدة أكثر عبودية للدول النامية وأكثر نفعا للدول أحادية القطبية أو إذا توسعت لثنائية القطبية.