الأربعاء 20 / أكتوبر / 2021

طموحات فرنسا في مرآة الواقع

طموحات فرنسا في مرآة الواقع
وليد شرارة

وليد شرارة كاتب وباحث لبناني في العلاقات الدولية

أظهرت «أزمة الغواصات» أن ما يطلبه بايدن في حربه ضدّ الصين هو الانقياد الأعمى خلفه!

هل تمتلك فرنسا وبقية الدول الأوروبية الإرادة والقدرة على الأخذ بخيار الاستقلال الاستراتيجي عن أمريكا؟

هل ستستطيع الدول الأوروبية التوافق على القيادة والتنسيق والتحكّم أي «هل سيقبل الجيش الفرنسي بقيادة جنرال ألماني، أو مجَري، لأحد ألويته المدرّعة؟»

ما مدى استعداد النخب الأوروبية لنبذ الأطلسية كخيار والنظر إلى روسيا والصين وقوى الجنوب الصاعدة لا كأعداء بل كشركاء محتملين على قاعدة علاقات ندّية؟!

في ظلّ احتدام الاستقطاب الدولي بين بكين وواشنطن تعني الأطلسية الوقوف صفاً واحداً خلف أميركا وإلّا التعرّض لأنواع مختلفة من العقاب والإقصاء والتهميش.

* * *

لن ينجح الكلام المعسول، الأميركي والبريطاني، عن تاريخية العلاقات مع فرنسا وعمقها، وأهمية التعاون معها، في التخفيف من وقْع الشعور بالإهانة بين مسؤوليها ونخبها ورأيها العام، بعد «الطعنة في الظهر» التي تعرّضت لها من واشنطن ولندن وكانبيرا.

مبعث المرارة الفرنسية ليس مجرّد إلغاء صفقة الغواصات الضخمة التي عقدتها مع أوستراليا، وملابساته، بل ما يكشفه هذا الأمر أمام العالم من تراجع مريع في موقعها ومكانتها.

جوهر الموضوع هو صورة فرنسا، لا قدراتها المنحدرة باطّراد، ودائرة نفوذها الدولية التي تضمر باستمرار منذ ثلاثة عقود. وخلال السنوات الماضية، دار نقاش علني فيها بشأن واقع ذلك الانحدار، وسبل الحؤول دونه، أو الحدّ منه على أقل تقدير.

وأتت الاستدارة الأطلسية التي شرع بها نيكولا ساركوزي، عند وصوله إلى السلطة في أيار 2007، وتعزّزت خلال عهدَي فرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، ترجمة لقناعة غالبيةٍ من النخب وقطاع وازن من الرأي العام بأنّ التخلّي عن ثوابت الاستقلالية، النسبية، في السياسة الخارجية حيال الولايات المتحدة، التي أرساها الجنرال شارل ديغول، والاندراج في إطار الإجماع الاستراتيجي الغربي، هما الخياران الواقعيّان، اللذان يكفلان بقاء فرنسا جزءاً من «نادي الأقوياء».

صحيح أن ماكرون تحدّث، قبل عامين، عن دخول حلف «الناتو» في حالة موت سريري، لكنه فعل ذلك استنكاراً لسياسات دونالد ترامب الأحادية، لا كرهاً بالحلف. مَن يذكر الاحتفاء الحارّ في باريس بانتصار المرشّح الديموقراطي، جو بايدن، وبوزير خارجيّته «الأوروبي الهوى»، أنتوني بلينكن، يعي قوة الآمال التي انتعشت بعودة العلاقات الأطلسية إلى سابق عهدها.

نجح بايدن وفريقه في إغواء المسؤولين الفرنسيين، والأوروبيين، من خلال تأكيده على محورية التحالف بين الديموقراطيات، القائم على قاعدة الندّية لا الاستتباع، والقيادة المشتركة «للنظام الليبرالي الدولي» في مواجهة القوى «التحريفية الخبيثة» الصاعدة، والساعية إلى إضعافه، إن لم يكن تدميره. ظنّت فرنسا الرسمية أن التحالف في عُرف بايدن لا يعني التطابق بالضرورة في جميع الشؤون الدولية.

لكن «أزمة الغواصات» أظهرت أن ما يطلبه الرئيس الأميركي في حربه الراهنة ضدّ الصين هو الانقياد الأعمى خلفه، والتطابق الكامل مع توجّهاته حيالها.

ففي ظلّ احتدام الاستقطاب الدولي بين بكين وواشنطن، تعني الأطلسية فعلياً الوقوف صفاً واحداً وبلا نقاش خلف الثانية، وإلّا التعرّض لأنواع مختلفة من العقاب والإقصاء والتهميش.

رهانٌ أطلسيٌ خائب

لم تكن نهاية الحرب الباردة إيذاناً ببدء حملة أميركية لتوسيع النفوذ والسيطرة باتجاه بلدان المعسكر الاشتراكي السابق وبعض بلدان الجنوب التي لم تخضع لهيمنة واشنطن، بل هي امتدّت لتشمل الدول والمناطق التي كانت في ما مضى جزءاً من دائرة النفوذ الفرنسية، وفي أفريقيا جنوب الصحراء تحديداً.

مَن يذكر النزاعات التي اندلعت في منطقة البحيرات الكبرى، خلال تسعينيات القرن الماضي، في رواندا والكونغو، والتي خصّص لها الصحافي الاستقصائي الفرنسي، بيار بيان، كتاباً لافتاً بعنوان «مجازر»، يدرك أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل وبريطانيا وبلجيكا، طردت فرنسا من هذه المنطقة وساعدت القوى المناهضة لها، والحليفة لواشنطن، على تسلّم السلطة.

لم يكن حديث جاك شيراك عندما فاز بالانتخابات الرئاسية، في عام 1995، عن أهمية إقامة عالم متعدّد الأقطاب، وإصراره على مواقف متناقضة مع تلك الأميركية بالنسبة إلى قضية فلسطين، أو معارضته للحرب على العراق، في عام 2003، نتاجاً لقناعات مبدئية بضرورة الالتزام بالقانون وبقرارات الأمم المتحدة، بقدر ما كانت محاولات للدفاع عن مصالح فرنسا المتعرّضة للهجوم، وعن موقعها كقوة دولية مستقلّة إلى حدّ ما.

بقية القصة معروفة. تراجع شيراك في أواخر عهده الثاني عن «ثوابته»، وقرّر التصالح مع واشنطن من بوابة لبنان، عبر الصياغة المشتركة الأميركية ــــ الفرنسية للقرار 1559.

لم يفعل ساركوزي سوى المضيّ بهذا الخيار إلى نهاياته المنطقية، مع إعادة بلاده إلى القيادة المندمجة لحلف «الناتو» وتبنّي خطاب الأخير عن الوضع الدولي، وانقسام العالم إلى معسكرَين متقابلَين: الغرب في مواجهة «الآخرين» غير الغربيين.

وغزا أنصار هذه التوجّهات المؤسّسات الفرنسية المعنيّة بالسياسة الخارجية، وزارتَي الخارجية والدفاع أساساً، وأقصوا أنصار التوجّهات التقليدية للسياسة الفرنسية عن مواقع القرار والتأثير.

تأطلست فرنسا على المستويات كافة، الفكري والمفاهيمي والسياسي، وما الحملة الشعواء التي تُشنّ ضدّ الصين في وسائل إعلامها ومراكز دراساتها، على رغم عدم وجود تهديد صيني ملموس لها ولمصالحها الحيوية، حتى في أفريقيا حيث تتعايش الشركات الصينية بسلام مع أنظمة «صديقة» لباريس، سوى مؤشّر واضح على تجذّر الخيار الأطلسي في وعي قسمٍ عظيم من النخبة الفرنسية ووجدانها.

آخر تمظهرات هذه الحملة، وليس أقلّها أهمية، هو التقرير الصادر في 650 صفحة عن «معهد الدراسات الاستراتيجية» في الكلية الحربية الفرنسية، بعنوان «عمليات الدعاية والتأثير الصينية، لحظة ميكيافيلية».

من يطّلع على التقرير يخال أن الصين في صدد الاستيلاء من الداخل على الدولة ومؤسّساتها في فرنسا وبقية دول الغرب، ويكيل تهماً بالعمالة لمراكز دراسات معروفة، كـ«معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» الذي يرأسه الخبير الاستراتيجي، باسكال بونيفاس، لمجرّد موافقته على تنظيم ندوة مشتركة مع مركز دراسات صيني!

ولسخرية الأقدار، صدر هذا التقرير «الخطير» في اليوم نفسه الذي أخطرت فيه أستراليا فرنسا بإلغائها عقد الغواصات.

خيار الاستقلال الباهظ الكلفة

الإهانة الناجمة عن إلغاء العقد المذكور، حدت بوزير الخارجية، جان إيف لو دريان، وبعددٍ من المحلّلين والمعلّقين، إلى التلويح بإمكانية خروج فرنسا من «الناتو»، وحضّها بقية شركائها الأوروبيين على بلورة سياسة دفاعية مستقلّة.

ورغم وجود أنصارٍ لمثل ذلك الخيار بين المثقّفين وبعض القوى السياسية غير المرشّحة للوصول إلى السلطة، فإن الفكر السياسي المُهيمن، حتى اللحظة، بين النخب السياسية هو أطلسي حتى النخاع.

هذا ما اتضح من ردود فعل الكثير من الخبراء في العلاقات الدولية، كفاليري نيكي وفرنسوا هايسبورغ مثلاً، الذين وجّهوا لواشنطن نقداً أخلاقياً، من نوع «ما هكذا تتمّ معاملة الحلفاء»، من دون التوصية بأيّ مراجعات جدّية للتوجّهات الأطلسية.

السؤال الصائب هو في الحقيقة ذلك المرتبط بامتلاك فرنسا وبقية الدول الأوروبية للإرادة والقدرة على الأخذ بخيار الاستقلال عن الولايات المتحدة على المستوى الاستراتيجي.

تقرير آخر صدر في ربيع 2021، على موقع دورية «أنترناشيونال سيكيورتي» للباحثيَن، الفرنسي هنري ميير، والأميركي ستيفن بروكس، بعنوان «أوهام الاستقلال: أسباب عدم قدرة أوروبا الحفاظ على أمنها إذا انسحبت الولايات المتحدة»، شكّل تحدّياً فكرياً لافتاً للمتحمّسين للاستقلال الأوروبي.

يرى الباحثان، باختصار، أن أوروبا لا تملك القدرة على الاستقلال الدفاعي عن واشنطن، نتيجة عقبتَين رئيسيّتين:

– ما يسمّونه «الضوضاء الاستراتيجية»، أي غياب الإجماع الاستراتيجي بين البلدان الأوروبية على تحديد التهديد الرئيسي؛ فبعضها يرى روسيا عدوّاً أساسياً، بينما يعتقد بعضها الآخر بأن الإرهاب واللااستقرار في الشرق الأوسط أو في أفريقيا هما التهديد الأقرب.

– أمّا العقبة الثانية، فهي تراجع القدرات الردعية العسكرية الأوروبية بشكل هائل في العقود الثلاثة الماضية. فعلى مستوى القوات البرية مثلاً، انخفض عدد الدبابات للبلدان الأوروبية بنسبة 85%، بين عامَي 1990 و2020، والأمر نفسه ينطبق على ناقلات الجند المدرّعة التي انخفض عددها بنسبة 64%، وأيضاً على المدفعية التي تراجعت بنسبة 58%.

روسيا تتفوّق في هذه الميادين على الدول الأوروبية مجتمعة، في حال انسحاب القوات الأميركية. أمّا في ميدان سلاح الجو، وعلى الرغم من امتلاك الدول الأوروبية طائرات متطوّرة تكنولوجياً، فإنّ روسيا قامت بتحديثٍ ناشط لأسطولها الجوي يسمح لها بمنع سيطرة الأوروبيين على الأجواء، ما يعني أنّ الاشتباك البرّي سيصبح حتمياً معها، إذا قرّرت مهاجمة دول أوروبية.

نقطة أخرى بالغة الأهمية، هي تلك المتعلّقة بالقيادة والتنسيق والتحكّم. حتى اللحظة، تتولّى الولايات المتحدة هذا الدور في إطار «الناتو»، لكن، في حال انسحابها، هل ستستطيع الدول الأوروبية التوافق على كيفية تولّيها هذا الدور، أو كما يقول الباحثان «هل سيقبل الجيش الفرنسي بقيادة جنرال ألماني، أو مجَري، لأحد ألويته المدرّعة؟».

التساؤلات التي يطرحها هذا التقرير مشروعة، وكذلك غيرها، وأوّلها هو مدى استعداد النخب الأوروبية لنبذ الأطلسية كخيار، والنظر إلى روسيا والصين وغيرهما من قوى الجنوب الصاعدة، لا كأعداء، بل كشركاء محتملين على قاعدة علاقات ندّية. الجواب حتى اللحظة هو بالسلب، من دون شك.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook