Sunday, August 18, 2019
اخر المستجدات

“عاصفة الحزم”.. و”الحزم العاصف” المطلوب !


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب:: حسن عصفور

منذ ايام عدة، وملامح تطور المشهد السياسي – الميداني في اليمن تتجه الى تغيير جذري في معادلة “المواجهة” الدائرة هناك، ومنذ أن أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا سحب كل ما لهما من ديبلوماسيين من هناك، رأى البعض أن تلك إشارة لانطلاقة عسكرية حوثية – أنصار الله – لاكمال مخططهم الخاص بالسيطرة المطلقة على اليمن، وخلال أيام معدودة سقطت اليمن كليا تحت قبضتهم، وفر “الرئيس الشرعي” خارج البلاد..

تطور الأحداث وسرعتها وطبيعتها حمل “مغامرة سياسية كبرى” وربما “فخ عسكري أمني” للحوثيين، وتحالفهم المحلي – الاقليمي، عندما اعتقدوا أن أمريكا منحتهم “الضوء الأخضر”، وأن قطر وتركيا سيلعبان دورا خاصا في تمرير “فوزهم” باليمن، وأن “العربية السعودية” ومعها بعض دول الخليج، خاصة الامارات والكويت والبحرين، لن تجرؤ على القيام بأي عمل عسكري، في ظل حسابات أن ايران قوة عسكرية حاضرة، ولن يتم استفزازها عبر عمل عسكري ضد اليمن، على أساس أنها باتت “قاعدة ايرانية”..

بل أن الحسابات الضيقة، الغت امكانية مشاركة مصر العسكرية في اي عمل ضد اليمن، نظرا لموقف مصر العام من التطورات الاقليمية، ووضعها الداخلي، خاصة بعد أن نفت وزارة الخارجية المصرية أنباء مشاركتها في أي عمل عسكري ضد اليمن، تبين لاحقا أن “حسابات الحقل لم تطابق حصاد البيدر”..

الآن باتت المعركة قائمة، وبدأت “عاصفة الحزم” العسكرية ضد السيطرة الحوثية على اليمن، ويبدو أنها لن تتوقف عند اعلان عسكري فحسب، بل ان هدفها الواضح “اعادة الشرعية” والرئيس الشرعي الى القصر الرئاسي في صنعاء، وهو ما لن يحدث قبل وجود ميزان قوة جديدة يفرض معادلة اعلاء الشرعية اليمينة ومحاصرة المتمردين عليها، انصار الله الحوثيين..

بعيدا عن حسابات البيدر والحقل السياسية والعسكرية، فما حدث هو تغيير استراتيجي في “التفكير والموقف العربي”، وهي المرة الأولى التي تعلن دول عربية ومعها دولة اسلامية هي الباكستان القيام بعمل عسكري واسع النطاق ضد بلد عربي آخر، دون أن يكون ذلك تحت “راية تحالف بمشاركة أميركية – اوروبية”، ما يؤكد ان هناك تطورات تفوق ما هو على سطح المشهد..

امريكا ليست جزءا من الحرب لاسترداد “الشرعية اليمنية”، ولا يمكن القول أنها تفاجأت بالعملية العسكرية، لكنها بالتأكيد لم تكن راغبة في مثل هذه الخطوة، كونها قد تتحول الى آلية عمل أمني – عسكري في المنطقة، تصل الى البحث الجاد والمسؤول في المقترح الذي تقدم به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والخاص بتشكيل “قوة عربية للتدخل السريع”..

“عاصفة الحزم”، بشكل أو بآخر، هي أحد مظاهر تلك الفكرة الجوهرية التي يجب أن تتحول الى “حقيقة سياسية”، انطلاقا من ميثاق الدفاع العربي المشترك، ولعل أحداث اليمن، تشكل منارة لكل من عارض أو رفض المقترح لأنه جاء من مصر..

تشكيل قوة عربية مشتركة للتدخل السريع، ليست بدعة أو خروجا على المألوف العام، بل أن التطورات في السنوات الأخيرة تستدعي التفكير العميق والمسؤول لتشكيل تلك القوة العربية، والتي لو كانت قائمة وضمن ميثاق الدفاع العربي المشترك، لكان لها أثر هام على مسار الأحداث في المنطقة، ولما سمح للقوات الغربية بأن تتدخل عسكريا في أي بلد عربي، إذ أن تدخلها لم ينتج سوى الخراب والدمار والمجازر، دون تحقيق هدف سياسي واحد متطابق مع رغبة شعوب المنطقة بالخلاص من “الاستبداد والجرائم والارهاب”، بل أن وجودها وتدخلها كان عاملا مساعدا للقوى الارهابية لتختفي خلفه..

إن انطلاق عملية “عاصفة الحزم” يجب أن تكون حافزا موضوعيا أمام القمة العربية للبحث في تشكيل “القوة العربية المشتركة”، وبحثها من مختلف جوانبها، دون أن تكون للحساسية الذاتية لهذا البلد أو ذاك، مكانة في الموقف الاساس..

المقترح ليس بدعة عربية، فهناك “حلف الناتو” قوة عسكرية تضم القوى الغربية وتركيا، يعمل كقوة ردع ضد ما يسموه خطر خارجي أو تهديد للدول الأعضاء، وتتوزع قواته الخاصة على قواعد في بلدان عدة، وله قيادة مشتركة، يتم اختيارها بالتوافق، كما كان يوما هناك “حلف وارسو” الخاص بدول المنظومة الاشتراكية قبل أن يتم تفكيكه بعد “تفكيك الاتحاد السوفيتي”، لكنها كان قوة عسكرية لحماية دول المنظومة من أي تهديد لشرعيتها، وقد مارس ذلك عندما تدخل في تشيكوسلوفاكيا عام 1968..وايضا هناك قوة عسكرية لدول الخليج ذاتها باسم “درع الخليج”..

ما حدث في اليمن والتدخل العسكري العربي، قد لا يكون نهاية المشهد، بل ربما هو البدايه خاصة لو ارتكبت ايران وبعض أطراف تحالفها “حماقة عسكرية مضادة” ليس في اليمن بل في مناطق أخرى بدول الخليج، في ظل مفاوضات اميركية – ايرانية تكشف ملامحها، بأن اميركا تعيد النظر جذريا في العلاقة مع ايران، في إطار خسارتها الاستراتيجية بعد أن تم حصار مخططها التقسيمي التخريبي في المنقطة، مشروعا وأدوات!

ولأن هدف العملية العسكرية المعلن هو “اعادة الشرعية لليمن” واطلاق حوار جاد وحقيقي بين أطرافه وقواه، فذلك يتطلب قوة قادرة لتصبح،”قوة رادعة – محفزة” للوصول الى حل سياسي حقيقي للمشكلة اليمنية..فالعسكرية ليست هل الحل ولكنها قوة دفع نحو الحل السياسي، ومن أجل أن لا يتم التعامل مع العملية العسكرية كـ”عدوان” يجب أن يصبح له إطار شرعي عربي دائم..وبالتأكيد التسمية ليست هي المعضلة، ولكن جوهر الفكرة “إنشاء قوة عربية للتدخل السريع”..

بعيدا عن الحسابات والحساسيات، نأمل أن يفكر قادة العرب في قمتهم المقبلة بشكل عربي بعيدا عن أي أثر خارجي..ولعل تجربة السنوات الأخيرة كشفت قيمة المثل الشعبي “ما حك جلدك الا ظفرك”..والتدخلات الأجنبية لم تنتج الا خرابا ودمارا، وأن حوار امريكا مع ايران دليل بأن امريكا لا تقيم وزنا لأي دولة عربية عندما تصبح مصلحتها هي الأساس..امريكا تعتبر أنها فوق الجميع..وأن الجميع العربي مهما كان مسماه يجب أن يبقى تحت حذائها..

هي فرصة تاريخية بعودة مصر روحا وحضورا وقوة، لأن تكون قاطرة فعل تغييري في مسار المنطقة بكاملها..فهل يصبح “الحلم العربي” حقيقة بعد أن أدركت الأنظمة بمختلف مسمياتها يمكنها ان تتحول من مفعول به الى فاعل..ولها من القوة الكثير لفعل ذلك، فقط أن تدرك أنها قوية وقادرة..المطلوب ارادة سياسية تكسر “حالة الرعب المسكون منذ زمن”..

“عاصفة الحزم” تتطلب لنجاحها حقا “حزما عاصفا” للخلاص من “تبعية” طال أمدها!

ملاحظة: لكي يكون لتصريحات رامي الحمدالله بأنه قادم لمنع انفصال غزة عن الضفة مغزى وقيمة..عليه أن يغلق أنفاق تلك “الشهوة السياسية”..الكلام وحده لا يكفي..والمطلوب معلوم جدا يا دوك!

تنويه خاص: اجتماع الحمدالله مع فتح وحماس كل على انفراد اشارة الى أنه ليس “رجلا توافقيا”..كان عليه أن يلتقي بالكل الوطني، وإن كان له بعضا الخصوصية تكون لاحقا..من أول غزواته كسر عصاته..والله عيب وعيب..ولكن الحق على الآخرين المستخفين بقدرتهم وقوتهم!