الأربعاء 01 / فبراير / 2023

عام على العدوان الإسرائيلي على غزة: استمرار إنكار العدالة للضحايا الفلسطينيين

يصادف غداً، الموافق 14 نوفمبر 2013، الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وهي العملية العسكرية واسعة النطاق لتي أطلقت عليها قوات الاحتلال عملية “عامود السحاب”، واستمرت مدة 8 أيام. وقد تميز هذا العدوان، كسابقه، بالوحشية وبالانتهاكات الجسيمة والمنظمة للقانون الإنساني الدولي، واقتراف جرائم حرب بحق المدنيين. وبعد عام على العدوان، يتواصل إنكار العدالة للضحايا أمام القضاء الإسرائيلي، بما يشكل دليلاً إضافياً على طريقة تعامل القضاء الإسرائيلي مع الضحايا الفلسطينيين.

لقد شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة بين 14-21 نوفمبر، عدواناً عسكرياً شاركت فيه طائرات حربية مقاتلة، وقطع حربية بحرية، ومدفعية كانت رابضة على الشريط الحدودي مع القطاع أطلقت خلالها آلاف الصواريخ والقذائف المدفعية والبحرية. وطالت الهجمات أماكن سكنية بقنابل يصل وزنها أكثر من “1000 كجم”، وسويت بالأرض مبانٍ سكنية متعددة الطبقات، وأبيدت عائلات بأكملها. واستهدف القصف المكثف أيضاً منشآت مدنية على امتداد مدن القطاع، بينها مؤسسات حكومية مدنية، جميعها تقع في أماكن مكتظة بالسكان، ما زاد من حجم الأضرار في الممتلكات والأرواح بين صفوف المدنيين الآمنين، وبخاصة النساء والأطفال. واستهدفت مئات من هجمات الطائرات المقاتلة أراضٍ خلاء، تقع داخل مناطق سكنية، بهدف إثارة الذعر والرعب في نفوس المدنيين الآمنين. وشهدت الأيام الأربعة الأخيرة من العدوان زيادة ملحوظة في الاستهداف المباشر للمدنيين والأماكن المدنية، وهو ما يفسر سقوط الغالبية في صفوفهم.

وعلى امتداد فترة العدوان عاش المدنيون الفلسطينيون أياماً صعبة وقاسية من الخوف والتهديد على الحياة، جراء الاستهداف المباشر للمدنيين وممتلكاتهم على امتداد القطاع، ولم يعد هناك مكان آمن في قطاع غزة، وبات خطر الموت يتهدد الجميع بلا استثناء. ومما زاد الأمر سوءاً، إلقاء قوات الاحتلال منشورات في مناطق شمال غزة، ومدينة غزة تطالب سكان تلك المناطق بضرورة إخلاء منازلهم. وقد أحدث هذا الأمر فزعاً شديداً وبث حالة من الرعب والخوف في صفوف المدنيين، حيث لجأ آلاف الأفراد إلى مدارس وكالة الغوث للاحتماء بها.

وتسبب هذا العدوان في مقتل (171) فلسطينياً، بينهم (102) من المدنيين، أي ما نسبته (60%) من إجمالي عدد الضحايا، منهم (35) طفلاً، أي ما نسبته (34%)، و(14) امرأة، ما نسبته (14%) من إجمالي الضحايا المدنيين. ومن بين مجموع القتلى، سقط خلال الفترة بين (18-21 نوفمبر)، (116) فلسطينياً، بينهم (78) مدنياً، أي ما نسبته (75%) من إجمالي المدنيين الذين سقطوا خلال العدوان. كما بلغ إجمالي عدد المصابين خلال العدوان على غزة، (648) شخصاً، غالبيتهم من المدنيين (625)، بينهم (214) طفلا، و(93) امرأة. ومن بين المصابين المدنيين، 16 شخصاً أصيبوا بإعاقات مختلفة.

وقد أبيدت عائلات بأكملها جراء قصف منازلهم بواسطة صواريخ تزن مئات الكيلوجرامات، كان من أفظعها جريمة قصف منزل عائلة الدلو وسط مدينة غزة، بتاريخ 18 نوفمبر، مما أسفر عن تدمير المنزل المكون من أربع طبقات كلياً على رؤوس ساكنيه، وعدد من المنازل المجاورة، ومقتل (12) مدنياً بينهم (5 أطفال و 5 نساء، وشابين) من عائلتي الدلو والمزنر وإصابة 6 مدنيين آخرين من سكان المنازل المجاورة. وفي جريمة مماثلة، استهدفت طائرة حربية بتاريخ 19 نوفمبر، منزل المواطن فؤاد خليل حجازي، في مخيم جباليا، ما أدى لتدمير المنزل بالكامل، ومقتل المواطن المذكور، بالإضافة لاثنين من أطفاله، وإصابة 7 من أفراد العائلة، و13 آخرين من سكان المنطقة. وفي جريمة أخرى، استهدفت طائرة حربية إسرائيلية بتاريخ 20 نوفمبر، شقة سكنية يملكها باسل مرتضى الشوا، تقع في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، الأمر الذي أسفر عن تضرر الشقة بشكل كلي، ومقتل أربعة مدنيين وإصابة 6 آخرين ممن كانوا يتواجدون على الشارع العام مقابل الشقة

من ناحية أخرى، أسفرت آلاف الهجمات الصاروخية عن هدم وتدمير المئات من المنازل السكنية والمنشآت المدنية على امتداد قطاع غزة. فقد وثق المركز تدمير (126) منزلاً بشكل كلي، تحتوي (191) وحدة سكنية، يقطنها (1229) فرداً، بينهم (710) أطفال. كما استهدفت تلك القوات (233) منشأة عامة، من بينها (88) مؤسسة تعليمية؛ (83) مؤسسة تابعة لدور العبادة والمقابر؛ (19) منشأة صحية؛ (3) مؤسسات نقابية؛ (2) منشأة رياضية؛ (4) منشآت صحفية؛ (41) منشأة خدمية؛ (6) منشآت ترفيهية؛ (4) بنوك؛ (182) منشأة صناعية، تجارية، وزراعية.

وتعيد هذه الذكرى إلى الأذهان مشاهد القتل والدمار والرعب الذي عاشه الفلسطينيون في قطاع غزة خلال عملية “الرصاص المصبوب”، في الفترة بين 27 ديسمبر 2008-18 يناير 2009، والتي أسفرت عن مقتل 1419 فلسطينياً، غالبيتهم من المدنيين (1167)، بنسبة (82%). كما أسفرت عن إصابة ما يزيد عن 5300 آخرين.

وبعد عام من العدوان، ما تزال أبواب العدالة موصدة أمام الضحايا من المدنيين الفلسطينيين لنيل حقهم في العدالة والإنصاف، حيث عملت سلطات الاحتلال على وضع عقبات قانونية ومادية ومالية في وجه الضحايا الفلسطينيين للحيلولة دون ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وتعويض ضحايا جرائمهم. ورغم ذلك، فقد عمل المركز على بناء ملفات قانونية للضحايا الفلسطينيين من جراء عدوان عامود السحاب، للمطالبة بحقوقهم الجنائية والمدنية, وذلك في سياق عمله المتواصل في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وإنصاف الضحايا.

ووفقاً للمعطيات، فقدم تقدم محامو المركز بـ 248 بلاغاً لوزارة الدفاع الإسرائيلية للبدء في إجراءات رفع قضايا تعويض للضحايا الفلسطينيين (وفق ما يتطلبه القانون الإسرائيلي) جراء الانتهاكات إسرائيلية، والتي شملت قتل 72 مدنياً فلسطينياً وإصابة 104 آخرين وتدمير 75 منزلاً خلال عدوان عامود السحاب. كما قام المركز بتقديم 79 شكوى للنيابة العسكرية الإسرائيلية لفتح تحقيقاً جنائياً في هذه الانتهاكات، وتقديم المسئولين للعدالة.

وقد تلقى المركز 26 رداً فقط على الـ79 شكوى التي تقدم بها للنيابة العسكرية الإسرائيلية، وكانت جميع الردود سلبية، والتي كان أخرها قرار النيابة العسكرية الإسرائيلية القاضي بإغلاق ملفي عائلة حجازي، والتي قتل فيها ثلاث مدنيين وأصيب أربعة آخرين، فضلاً عن تدمير منزلهم بشكل كامل. كما تلقى المركز رداً سلبياً في “قضية عائلة الدلو”، والتي تسبب القصف الإسرائيلي لمنزلهم بمقتل 12 مدنياً بينهم (5 أطفال و 5 نساء، وشابين) من عائلتي الدلو والمزنر وإصابة 6 مدنيين آخرين من سكان المنازل المجاورة، بالإضافة إلى تدمير المنزل المستهدف بشكل كامل والمنازل المجاورة بشكل جزئي. وقد جاء في رد النيابة بما يفيد بعدم وجود أي شبهة في حدوث مخالفات جنائية.

ويشدد المركز على أن تصرفات النيابة العسكرية الإسرائيلية تأتي في سياق سياسة ممنهجة لإنكار حق الضحايا الفلسطينيين في العدالة، ولتقديم غطاء قانوني لمجرمي الحرب الإسرائيليين، لتحصينهم من الملاحقة الدولية. ويؤكد موقف المركز حقيقة أنه تقدم بـ 490 شكوى جنائية إلى النيابة العسكرية الإسرائيلية بعد عدوان “الرصاص المصبوب”، إلا أنه لم يتلق رداً إلا على 19 منها بخصوص 23 قضية، وكان الرد يقتصر على إقرار استلام الشكوى، وإدعاء بأنه سيتم فحصها، وإعلام المركز بالنتائج. هذا بالإضافة إلى أن النيابة العسكرية الإسرائيلية لم يسبق أن قدمت أياً من المشكو ضدهم للعدالة، رغم وجود تقارير دولية تؤكد ارتكاب جرائم حرب، بل رجحت حدوث جرائم ضد الإنسانية ضد الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وخاصة خلال عدوان “الرصاص المصبوب”، والتي كان أهمها تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، المعروف بـ “تقرير جولدستون”.

كما استمرت سلطات الاحتلال الفلسطيني في إنكار حق الضحايا الفلسطينيين في التعويض من خلال سلسلة من العقبات المادية والقانونية، كان أخرها التعديل رقم (8) لقانون الأضرار المدنية (مسؤولية الدولة) لسنة 1952، والذي أقره الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 16 يوليو 2012. وبموجب هذا التعديل تم إعفاء الجيش الإسرائيلي من أية مسؤولية مدنية بخصوص الأضرار الناشئة عن العمليات العسكرية التي يجريها الجيش في “دولة العدو”. وقد طبق هذا التعديل بأثر رجعي من العام 2005، مما يعني أنه أعفى الجيش الإسرائيلي ليس فقط من تعويض ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2012 (عدوان عامود السحاب)، بل أيضاً أعفاه من تحمل أي مسؤولية مدنية تجاه ضحايا العدوان الإسرائيلي في العام 2008-2009 (عدوان الرصاص المصبوب). وقد ترتب على ذلك عدم قدرة المركز على رفع أي دعوى تعويض لضحايا عدوان عامود السحاب.

وتأتي الإجراءات السابقة في سياق سلسلة طويلة من الإجراءات الإسرائيلية لإنكار حق الفلسطينيين في الإنصاف. فقد عملت سلطات الاحتلال وخلال السنوات الأخيرة على إصدار قرارات وتعديل تشريعات، عملت من خلالها على فرض عقبات قانونية ومالية ومادية، مثلت في مجموعها إغلاقاً كاملاً لأية فرصة للضحايا الفلسطينيين للحصول على إنصاف أمام المحاكم الإسرائيلية. وتشمل هذه المعيقات على سبيل المثال لا الحصر منع الضحايا والشهود من الوصول إلى المحاكم، ومنع اللقاءات بين الضحايا ومحاميهم، والكفالات المالية الباهظة في المحاكم. هذا بالإضافة إلى تجاهل وزارة الدفاع للبلاغات التي يتقدم بها المركز بهدف مباشرة الدعوى المدنية لصالح الضحايا. فعلى سبيل المثال تقدم المركز الفلسطيني خلال الأعوام من 2009 إلى 2012 بـ 1046 شكوى إلى ضابط ركن التعويض في وزارة الدفاع، ولكنه لم يتلق سوى 16 رداً بشأن 26 قضية.

وإذ يؤكد المركز الفلسطيني على ضرورة مواجهة هذه التحديات ,والعقبات والمساهمة في التغلب على تلك الحواجز التي تمنع الضحايا الفلسطينيين من الوصول إلى العدالة والحصول على الإنصاف القضائي، فإنه:

1- يطالب السلطة الفلسطينية، وفي ظل الاعتراف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، بالعمل على انضمام فلسطين لجميع اتفاقيات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ويشدد على المباشرة بإجراءات التوقيع والمصادقة بشكل فوري على نظام روما الأساسي المنشيء للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998، باعتباره الضمانة الأساسية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

2- يطالب الجمعية العامة بإحالة تقرير غولدستون لمجلس الأمن، تمهيداً لإحالته من قبل المجلس للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك بموجب المادة (13) فقرة (ب) من نظام روما الأساسي.

3- يدعو الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف الإيفاء بالتزامها بالعمل على ضمان تطبيقها، وذلك بمد ولايتها القضائية الداخلية لمحاسبة مجرمي الحرب، بغض النظر عن جنسية مرتكب الجريمة ومكان ارتكابها، لتمهيد الطريق لمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وإنهاء حالة الحصانة التي يتمتعون بها منذ عقود.

4- يناشد الدول، التي مدت ولايتها القضائية الداخلية لمحاسبة مجرمي

للدخول إلى رابط التسجيل للحصول على مساعدة من المنظمات والجمعيات الأهلية: (مــن هــنــا)

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on vk
Share on whatsapp
Share on skype
Share on email
Share on tumblr
Share on linkedin

زوارنا يتصفحون الآن