Monday, July 22, 2019
اخر المستجدات

قراءة في المبادرة الأوروبية


| طباعة | خ+ | خ-

تزداد في الآونة الأخيرة فرص تدخل مجلس الأمن الدولي في المعركة التي تدور رحاها بين المقاومة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي منذ ما يزيد عن الخمس والأربعين يوماً. هذا التدخل الذي بدأت ملامحه في الظهور، يستند على نص مبادرة من عدة نقاط، تقدمت بها دول أوروبية ذات علاقة مباشرة بالصراع، هي فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا. وتنص المبادرة على رفع الحصار المفروض عن قطاع غزة، في مقابل عودة السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس لحكم القطاع المحاصر منذ ما يزيد عن الثماني سنوات. المبادرة أيضا تشير إلى عدد من النقاط مثل: إشراف بعثة دولية على إعادة أعمار القطاع، الرقابة على حركة البضائع والأفراد، إعادة بناء وتأهيل إدارات السلطة وقواتها الأمنية، منع تسلح الفصائل الفلسطينية، وأخيراً ضمان وجود اتصال فاعل بين “السلطة الجديدة” في غزة وبين إسرائيل. ولكن النقطة الأهم التي وردت في المبادرة هي دعوتها لبذل جهود وخطوات من قبل أطراف الصراع والمجتمع الدولي من أجل إطلاق مفاوضات تنتهي بتحقيق مبدأ حل الدولتين وفق أسس حدود العام 1967.

للوهلة الأولى، قد لا نجد خلاف ظاهري بين مضمون هذه المبادرة وبين تلك التي تقدمت بها مصر قبل حوالي الأسبوعين. ولكن مع قرأتها وتفحصها، نجد أن المبادرة الأوروبية ذات مغزى إستراتيجي طويل الأمد، يصب في إتجاه سياسي يسعى لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، بينما جاءت المبادرة المصرية على شكل محاولة تكتيكية لوقف القتال، مع بعض الخطوات بإتجاه التخفيف عن سكان قطاع غزة، ودون أن تشكل أرضية صلبة بإتجاه إنهاء الحصار أو الإحتلال. لذلك، وبدون أي ريب، نستطيع القول أن المبادرة الأوروبية أشمل وأوسع في الفرص التي تقدمها، بخلاف المبادرة المصرية التي جاءت على نحو أضيق، وتستجيب في معظمها للمخاوف الأمنية الإسرائيلية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو حول شكل إستجابة الأطراف المعنية على المبادرة الأوروبية بشكلها الحالي. في هذا الصدد، نستطيع أن نرصد الموقف الإسرائيلي بالقول أن بعض البنود فيها قد لا تجد لها صدى واسع داخل الحكومة الإسرائيلية، وخصوصاً المتعلقة بإطلاق مفاوضات للحل النهائي. فإسرائيل ترفض أي مبادرات تؤدي إلى مجرد مناقشة إنهاء الإحتلال أو تعبيد الطريق بهذا الإتجاه. فتركيبة الحكومة الإسرائيلية تشكلت على أساس رفض أي مبادرة تمنح إمكانية إقامة دولة فلسطينية وفق حدود 1967. لذلك، قد يسعى نتنياهو إلى التخلص من هذا البند، أو على الأقل تعديله، بما يسمح بإستمرار بقاء حكومته على قيد الحياة. باقي البنود قد تسعى إسرائيل للتأثير عليها سواء بالتعديل، أو بإضافة بنود تعطيها حق العمل ضد ما قد تراه تهديداً أمنياً. إلا أن تساؤلاً يفرض نفسه على أي متابع: هل تقبل إسرائيل التعاطي مع المبادرة الأوروبية كبديل عن المبادرة المصرية؟. هنا قد لا نستطيع تقديم إجابة قاطعة، ولكن يمكن الحديث عن مؤشرات بهذا الخصوص. فإسرائيل ترى في مصر حليف إستراتيجي تتقاطع معه في العديد من الملفات الحيوية في المنطقة، مثل الملف الإيراني، ملف الجماعات الجهادية، وملفات أخرى عديدة. لذلك فهي ليس بوارد التخلي عن هذا الحليف، على الرغم من وجود حلفاء أشد قوة وتأثير، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن إسرائيل ترى في حالة العداء المصري الشديد لحماس عقبة أمام تكتيك الوصول إلى وقف لإطلاق النار دون أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الوحدة الفلسطينية. فبقاء حالة الإنقسام الفلسطيني رؤية إستراتيجية تسعى إسرائيل لديمومتها. لذلك قد تتجه إسرائيل نحو المبادرة الأوروبية ولكن بعد تنسيق وإتفاق مسبق مع مصر بشكل لا يؤثر على حالة التحالف بينها. كما أن إسرائيل ومن خلال قبولها التعاطي مع المبادرة الأوروبية تسعى إلى تضييق هوة الفجوة مع الطرف الأمريكي وخصوصاً بعد الخلافات التي طفت على السطح مؤخراً.

مصر بدورها تسعى إلى دور يعزز من مكانتها، ويقدم لنظامها السياسي الجديد فرصة لعب دور مؤثر في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لذلك، قد ترغب مصر في بقاء مبادرتها على قيد الحياة، ولكنها لن تستطيع أن تفرض على الأطراف الإلتزام بها، على الرغم من محاولاتها لأسبوعين متتالين، لم تتمكن خلالها الوصول إلى أي حلول وسط، الأمر الذي جعلها في موقف لا تستطيع بعده ممارسة أي ضغوط أضافية على الطرف الفلسطيني تحديداً. أمر آخر يطرح نفسه، هو حالة التناقض التي طرأت بين الرؤية الإسرائيلية والمصرية بخصوص دور الرئيس عباس في قطاع غزة. فالأولى لا ترغب بهذا الدور من باب الإبقاء على الإنقسام، أما الثانية فترغب بدور للسلطة ينهي عملياً سيطرة حركة حماس على غزة، خصوصاً بعد تبنيها لشعار الحرب على الإخوان المسلمين. لذلك، قد لا نرى رفضاً مصرياً للمبادرة، ولكن قد نشهد دور لمصر في المبادرة يحظى بقبول دولي، خصوصاً وأنها تسيطر على مصير معبر رفح، إضافة إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه في منع تسلح الفصائل الفلسطينية.

على صعيد السلطة الفلسطينية، فالمؤشرات تقول بأنها لن تعارض المبادرة الأوروبية، على الرغم من إعلان رفضها لأي جهد يتجاوز المبادرة المصرية. وعلى قاعدة تمتنع وهي راغبة، فالمبادرة الأوروبية تحقق لها جملة من الإنجازات أهمها تعزز مفهوم السلطة الواحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما تضمن لها فرصة السير بإتجاه حل نهائي، بمعنى آخر الخروج من جمود المفاوضات. ولكن مأزق السلطة وخصوصاً الرئيس عباس يتمثل في كيفية تسويق هذه المبادرة عند الطرف المصري. ولعل اللقاء الذي سيجمع عباس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد يصب في هذا الإطار.

حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بدورها قد لا تجد حرجاً في تأييد المبادرة الأوروبية، فهي تتقاطع مع مطالبها برفع الحصار، وعدم تدخل إسرائيل في الشأن الفلسطيني، كما أنها تعطيها هامشاً واسعاً لربط مطلب نزع السلاح لديها بمدى نجاح تحقيق حل الدولتين على حدود العام 1967. ولكن ما قد يثير المخاوف لديها يتمثل في عدم إلتزام الرئيس عباس بمقررات الوحدة الوطنية وعلى رأسها إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، ودمج الموظفين، إضافة إلى خشيتها من توظيف هذه المبادرة للتنازل عن ثوابت لا تستطيع حماس قبولها.

إذاً، نستطيع القول أن المبادرة الأوروبية قد تحظى بقبول الأطراف على قاعدة وجود جهة دولية ضامنة لها، ولكنها لن تحظى بقبول أو إجماع على شكلها الحالي. فالكل سيسعى إلى تحقيق أهدافه من خلال إدخال بعض التعديلات. كما أن أطرافاً إقليمية ستسعى إلى أن يكون لها دور واضح وجلي فيها، وبدون هذا الدور فهي لن تتعاطى إيجابياً معها، الأمر الذي سيجعل مصيرها رهناً بالتجاذبات الإقليمية. ولكن يبقى الميدان هو من سيحدد مصير الجهود السياسية، فتدحرجه المتسارع، وسخونة أحداثه قد تجعل من أي مبادرة ضرباً من المستحيل.