Monday, September 21, 2020
اخر المستجدات

كلمة حق بحق البنك العربي


ناصر دمج

| طباعة | خ+ | خ-

بعد تحرري من الأسر نهاية عام 1989م، كنت قد حررت معي مسودة كتابي الأول “أنصار شاهد على عصر الجريمة” وهو عن تجربة الأسرى الإداريين في معتقل النقب الصحراوي لغاية تاريخة، وإستشهاد البطلين “أسعد الشوا وبسام السمودي” بتاريخ 16 آب 1988م.

في تشرين ثاني 1993م، تم تنسيبي مع مجموعة من الكوادر لتلقي تدريب (إذاعي وتلفزيوني) لدى التلفزيون الأردني، الذي كان يساعد منظمة التحرير في تأسيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، قبل سفري وضعت بين أمتعتي مسودة كتابي المذكور، لعلي أتمكن من طباعته بمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية.

في اليوم التالي لوصولنا عمان توجهت بصحبة شقيقي محمد لمقابلة بعض المسؤلين في مكاتب القطاع الغربي وعرضت عليهم الكتاب فأرشدوني لمكتب المرحوم “خليل سواحري” الذي كان يدير دار اليرموك للنشر التي أسسها الشهيد أبو جهاد لرعاية المنتج الثقافي للأدباء والكتاب الفلسطينيين.

فعرضت عليه الكتاب وطلب مني أن أشرح له عنه ملخصاً شفهياً، ففعلت، بعد ذلك قال: لي حرفيا “يا أخ ناصر أنت تعلم بأننا الآن بصدد اتفاق سلام مع الإسرائيليين، وهذا الكتاب من الواضح إنه تحريضي ونشره في هذه المرحلة قد يعكر صفو أجواء المفاوضات”.

لم أرد عليه، وخرجت من مكتبه وأنا مكسور الخاطر، في المساء التقينا صديقة عزيزة للعائلة وهي السيدة “سمر عبد الهادي – أم محمد” بعد أن استمعت لما حصل معي صباحاً، أصرت على عرض الموضوع على السيد “محمد العمد” مدير عام مؤسسة الرأي الأردنية ونائب رئيس مجلس الإدارة، بعد أن هاتفته على الفور.

فقابلنا في اليوم التالي بمزيد من السرور والترحاب، وقرر قبل أن نشرب قهوتنا نشر الكتاب على حلقات في جريدة الرأي الغراء، واتصل من هاتفه الداخلي بالسيد “سليمان القضاة” رئيس تحرير الجريدة حينذاك، وأصبح فيما بعد رئيساً لنقابة الصحفيين الأردنيين، فتولى مهمة النشر بحرفية مقدرة.

فظهرت أولى حلقات الكتاب بتاريخ 23 تشرين ثاني 1993م، فحملت نسخة منها وسلمتها لخليل السواحري رحمه الله، الذي رفض نشر الكتاب نفسه، فأبدى عجبه ومن ثم إعجابه وأضطر لاحقاً لقراءة الكتاب بالكامل من خلال جريدة الرأي.

قبل مغادرتنا مبنى جريدة الرأي، طلبت منا مديرة مكتب الأستاذ العمد مراجعتها في اليوم التالي، ففعلنا وطلبت مني مراجعة قسم الحسابات لأجد شيكاً بقيمة 1000 دينار بانتظاري، وهو مكافأة الجريدة لجهدي في كتابة الكتاب.

وكان شيكاً مسحوباً على البنك العربي في الشميساني، فتوجهت لصرف الشيك، هناك التقيت بسيدة نسيت أسمها، تولت صرف الشيك فسألتني عن سبب حصولي عليه، فشرحت لها الأمر.

فقالت لي: أنت الذي صورتك في جريدة الرأي اليوم ؟

قلت لها: نعم

وكانت بيدي نسخة من عدد ذلك اليوم، فأخذتها مني وذهبت بها إلى حيث لا أعلم، وعادت بعد قليل.

قالت لي: البنك سيمنحك مكافأة منه تقديراً لما قمت به، وصرف لي البنك حينها 1000 دينار إضافي تقديراً منه، ودون أن يطلب منه أي أحد القيام بما قام به.

هذا السرد لا يصلح للمقارنة بين ما قاله “خليل سواحري” فقط، بل للنظر إلى الدور التنويري الذي لعبه وما يزال البنك العربي على المستوى الوطني والقومي، ومن أجل هذه الغاية أنشأ للأمة مؤسسة عظيمة تعنى بهذا الأمر وهي مؤسسة عبد الحميد شومان، ورعايته المستمرة بعد افتتاح فروعه في فلسطين، للفعاليات الثقافية والإجتماعية والإقتصدية.

إخوتي وأخواتي

علينا أن لا نغفل، بأي حال من الأحوال عن أن مشكلة الأسرى مع البنوك الوطنية والعربية العاملة في مناطق الولاية الفلسطينية، منبعها ضعف السلطة الفلسطينية ووجود الاحتلال الإسرائيلي، الذي سبق له أن سطا على مدخرات البنوك الفلسطينية بعد عام 1948م وعام 1967م.

وهذا يعني أن البنوك التي تتاجر بالمال القابل للحرق والسطو والتبديد، تسأل عن القوانين قبل أن تباشر استثماراتها في أي مكان، للذود عن أموالها التي تشكل مصدر ومبرر وجودها الوحيد في سوق العمل.

فهي مستهدفة من قبل الاستعمار شأنها شأن النفط والغاز، ككيانات اقتصادية تسهم بشكل أو بآخر في ترسيخ الاستقلالية الاقتصادية للدول، لأن اليهود هم أخبر الناس من بين سكان الأرض بأثر وتأثير المال في استقلال الدول من عدمه، لهذا يمسكون منذ زمن بتلابيب الإقتصاد العالمي سيما الأمريكي، وصمام أمانه بنك الاحتياط الفدرالي، وهو شركة أمريكية مساهمة – تقوم مقام البنك المركزي – وهي محتكرة بالكامل من قبل عائلات المال والإقتصاد اليهودية (روكفلر وروتشيلد)، ويتحكم ذلك البنك بأنفاس الاقتصاد العالمي وبحركة النقد والبنوك والحكومات على مستوى العالم.

والبنوك في فلسطين، هي كيانات هشة في الحقيقة، ولا تمتلك قوى مسلحة لتدافع بها عن نفسسها، لهذا تعتبر القوانين ملاذها الآمن، وتطبيق القوانين كان على الدوام من اختصاص الحكومات التي تحتكر ممارسة القوة والعنف إن لزم ضد الخونة الداخلين والعابثين بالأمن العام والمعتدين من الخارج، وهنا تكمن المشكلة ! مع المعتدين من الخارج.

إن المشكلة التي تواجهها البنوك حالياً، منبعها ضعف السلطة السياسي والسيادي كما ذكرت، شأنها في ذلك شأن ممتلكات ومقدرات شعبنا المستحوذ عليها من قبل المحتل، فلماذ نتوقف عند طلب الاحتلال من البنوك وقف تعاملها مع الأسرى، وننسى احتلالها للأرض بالكامل، بكل فيها من مياه ومعادن وغاز، فهذه جزء من تلك ومكملة لها.

فالبنوك وكل ضروب التجارة الفلسطينية، تفتقران للغطاء السياسي الذي يلزمهما، لتمارسا بعد ذلك ما تشاءان من أشكال الاهتمام والإنحياز الجهري لأهداف مجتمعهما المحيط، حتى لو تضمن هذا الانحياز مقداراً من المخاطرة.

ويمكن القول: بأن السلطة هي المسؤولة عن وصول الأمور إلى هذا الدرك من الانحطاط، عندما قبلت بنقاش رواتب الأسرى والشهداء مع المحتل، والمندوبين الدوليين؛ فأرسلت رسالة لهم مفادها أن هذا الأمر قابل للتفاوض، وشطبت وزارة الأسرى من التشكيل الحكومي، وكانت على وشك أن تحول هيئة الأسرى لجمعية، فلو كان الرد الفلسطيني الرسمي حازماً في رفضه للتدخل الخارجي لما وصلنا إلى هذه النقطة أبداً.

وقامت السلطة بما قامت به، التزاماً منها بتعهدها القديم بمحاربة الإرهاب الذي توسع نطاق تعريفه، فطال الأسرى الفلسطينيين والأسيرات، وإنضباطاً منها للقوانين الإسرائيلية، لأنها لا تستطيع القيام بأي شىء يتعارض مع تلك القوانين؛ أو يخل بالأمن الإسرائيلي، وهذه مشكلة لا تضاهيهها في التعقيد أي مشكلة من المشكلات البينية بين الدول والشعوب في العصر الحديث.

يستنتج من ذلك، أن البنوك هي ضحية شأنها شأن الأسرى، بسبب هشاشة وضعف الغطاء السياسي الذي تعمل في ظله.

لذلك أقول: رفقاً برأسمالنا الوطني، لا تستعجلوا التضحية به، أو تبديد قواه وتهجيره من الوطن، وعلينا وفي مقدمتنا البنوك أن نسخلص العبر من خبرة اليهود في توظيف الرأسمال اليهودي، الذي أسس الحركة الصهيونية، وأنفق على قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي إنشأت بالمال ومن ثم السلاح.

يعني ذلك، أن البنوك مطالبة بمراجعة مواقفها بما يتسق مع الاحتياجات الملحة لجمهورها ومصدر ثرواتها، وعلى جمهورها وفي مقدمته الأسرى والحكومة وكل من لديه رأي رشيد التداعي بحثاً عن حلول.

وأدعو إخوتي وأخواتي الأسرى والأسيرات وذويهم، إلى إطلاق نداء يجرم المساس بالبنوك، تمهيداً للتوافق على كلمة سواء توفر لها الحماية من المحتل، وتجنب الجميع شر العواقب الوخيمة في حال منحت صلاحية حل المشكلة للشارع.

كتب: ناصر دمج

* باحث ومؤرخ فلسطيني

(مدير وحدة الدراسات والأبحاث في نادي الأسير الفلسطيني)