Saturday, September 21, 2019
اخر المستجدات

كيف جلب الناتو الدمار لليبيا


| طباعة | خ+ | خ-

ترجمة / شهاب ممدوح – شبكة رؤية الإعلامية

وفقا لما كشفت عنه صحيفة واشنطن بوست، فإن القوات الخاصة الأمريكية منخرطة الآن بشكل مباشرة في عمليات عسكرية في ليبيا، وذلك “بهدف تنسيق الضربات الجوية الأمريكية، وتقديم المعلومات الاستخبارتية للقوات المحلية التي تخوض معارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة “سرت” التي تقع على مسافة 450 كيلومترا شرق العاصمة طرابلس”.

كما تنشط القوات الخاصة البريطانية أيضا في ليبيا منذ عدة أشهر, حيث قدّمت تلك القوات مساعدة عسكرية مباشرة لكتائب مدينة مصراتة ( ثالث أكبر مدينة في ليبيا, وتقع في شمال غرب البلاد) التي تهاجم أيضا مدينة سرت. ومن المفارقات أن البريطانيين والأمريكيين يقدّمون دعما لأعداء ألداء في الصراع الليبي باعتبارهم حلفاء.

فرنسا أيضا متورطة في ليبيا, حيث تم إسقاط مروحية تحمل على متنها ثلاثة جنود فرنسيين في السادس والعشرين من شهر يوليو. تقدم القوات الخاصة الفرنسية دعما لقوات الجنرال “خليفة حفتر” قائد القوات العسكرية المسلحة التابعة للبرلمان الليبي ( المعروف بمجلس النواب) الذي يتخذ من مدينة طبرق في شرق البلاد مقرا له. قُتل الجنود الفرنسيون على يد مقاتلي “مجلس شورى ثوار بنغازي”, وهي جماعة مسلحة عمادها مسلحون متشددون من مدينة مصراتة. يتزعم هذه الجماعة المسلحة ” إسماعيل الصلابي”, وهو شقيق أحد زعماء جماعة الإخوان المسلمين الليبية ” على الصلابي”. تسعى هذه الجماعة لمنع الجنرال ” خليفة حفتر” من السيطرة على “بنغازي”- وهي ثاني أكبر مدينة ليبية- و على حقول النفط في إقليم برقة.

يتعين علينا القول أن المعركة التي يدور رحاها الآن بين مقاتلي مصراتة من جهة, ومقاتلي تنظيم الدولة من جهة أخرى هي شرطية في طبيعتها.

إن تنظيم الدولة في ليبيا هو عبارة عن تجربة تقف خلفها المخابرات القطرية, وهي تجربة لم يُكتب لها النجاح. وخلافا لتجربة سوريا والعراق, لم يسبق توسع التنظيم في ليبيا أي مقدمات.

في العراق مثلا, يعود ظهور تنظيم الدولة بصورة كبيرة للصراع الشيعي-السُنّي, وهو صراع غير موجود أصلا في ليبيا. وفضلا عن ذلك, تقوم إيديولوجية تنظيم الدولة على أساس توحيد الإسلاميين بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية. هذا الأمر ممكن في سوريا والعراق, إما في ليبيا فهو أمر يستحيل حدوثه, لأن العامل القبلي هناك يحدد هيكل المجتمع. وبعد إيقانها بأن تجربتها قد فشلت, بدأت قطر في تقوية جماعة الإخوان المسلمين الليبية وقبائل مصراتة, وبذلك أصبح القتال في سرت محاولة لاستخدام جماعة إسلامية للقضاء على أخرى.

وبعد علمه بحادث إسقاط الطائرة الفرنسية, أدان “فايز السراج” رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية ذات النفوذ المحدود أفعال باريس, واصفا ما حدث بالتدخل. ولكن الأمر المثير للاهتمام هو

أن حكومة السراج تتخذ موقفا مختلفا تماما فيما يتعلق بالتدخل الأمريكي في ليبيا, حيث لم ينحصر هذا التدخل على إرسال القوات الخاصة, بل تعداه لقصف مواقع تنظيم الدولة بواسطة مقاتلات إف 16.

وفي مقابلة له مع صحيفة “كورييرا دي لا سيرا” الإيطالية في التاسع من شهر أغسطس قال رئيس الوزراء الليبي إنه لا توجد قوات برية أمريكية على الأراضي الليبية, وأن الأمر يقتصر على مشاركة سلاح الجو الأمريكي الذي يشن هجمات دقيقة ضد أهداف إرهابية. وبتصريحه هذا, فإن فايز السراج قد ضلل الشعب عمداً, تماما كما فعل  مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الذي أطاح بحكم القذافي بتضليله الشعب في صيف عام 2011.

لا يذكر أحد اسم عبد الجليل في هذه الأيام, لقد غاب الرجل عن الأضواء. هل ستصبح الحياة السياسية للسراج الذي أصبحت حكومته بمثابة ورقة توت للتغطية على التدخل الغربي في ليبيا قصيرة مثل حياة عبد الجليل ؟ خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن حكومة السراج ليست الوحيدة في ليبيا.

فبجانب حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها, هناك أيضا مجلس النواب المنتخب في طبرق الذي ذكرناه آنفا, فضلا عن وجود حكومة أخرى في العاصمة طرابلس. ومع ذلك, لا تسيطر هاتان الحكومتان إلا على جزء صغير من البلد.

وبالإضافة إلى هذه الحكومات, تُوجد المئات من الجماعات المسلّحة التي تتحكم, حرفيا, في الوضع على الأرض.

تشكلت حكومة الوحدة الوطنية الليبية ( هذا الاسم في الحقيقة يدعو للسخرية, وذلك بالنظر إلى الوضع الراهن في ليبيا) نتيجة وساطة أممية وغربية استمرت من شهر إبريل حتى يوليو من هذا العام. غير أن هذه الحكومة كانت تخشى من ممارسة سلطتها في طرابلس- يقع مقر هذه الحكومة في قاعدة “أبو ستة” البحرية التي لا تبعد كثيرا عن العاصمة الليبية ( وهو ما يُذكّرنا بالمنطقة الخضراء في بغداد التي أقامتها قوات الاحتلال الأمريكية). وكانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجديدة هي البدء في محادثات حول دمج شركتي النفط اللتين تعملان على نحو منفصل في كل من إقليم طرابلس و إقليم برقة. وعند سماعهم بهذا الخبر, أنصت رعاة السرّاج الغربيون باهتمام, فالمصلحة الأساسية لهؤلاء في ليبيا هي النفط. ونتيجة لذلك, يدور صراع السيطرة على الأراضي في معظمة في مدينتي سرت وأجدابيا, حيث تتواجد موانئ النفط الرئيسية. أما المصلحة الثانية التي يهتم لأمرها المشاركون في تدخل حلف الناتو في ليبيا فتتمثل في حماية خاصرة أوربا الجنوبية من الأخطار القادمة من الساحل الليبي الذي يمتد لمسافة 1800 كيلو مترا.

لقد برر حلف الناتو تدخله الأول في ليبيا في عام 2011 بحجة ترسيخ الديمقراطية في هذا البلد بعد الإطاحة بنظام القذافي القمعي.

أما في هذه المرة, فيبررون تدخلهم بحجة مكافحة التطرف الإسلامي.

ولكن يبدو أنّ شيئا ما قد تغير خلال خمس سنوات بين عامي 2011 و 2016: فبينما نظمّت المعارضة الليبية ضد القذافي في عام 2011 المظاهرة تلو الأخرى في بنغازي من أجل دعوة حلف الناتو لنشر قواته في ليبيا, تُعقد الآن المظاهرات في ليبيا خاصة بعد إسقاط الطائرة الفرنسية- للتنديد بالتدخل الغربي.

خلال الخمس سنوات المنصرمة, تعلم الليبيون الكثير من تجربتهم المريرة: لقد أدركوا أنّ  المساعدة التي يقدمها الغرب من أجل ترسيخ  الديمقراطية بالإضافة إلى  مكافحة التطرف لم تجلب إلا الدمار, والموت، وتهجير الذين بقوا على قيد الحياة من الليبيين. واليوم أُجبر ثلاثة ملايين ليبي نصف عدد سكان ليبيا على العيش خارج وطنهم.