السبت 27 / نوفمبر / 2021

لعبة الأمم في لبنان.. د. محمد نور الدين

لعبة الأمم في لبنان.. د. محمد نور الدين
د. محمد نور الدين

الكاتب: الدكتور محمد نورالدين

لفتت الانتباهَ الزيارةُ التي قام بها قبل أيام وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو إلى لبنان. وإضافة إلى لقاءاته الرسمية قام الوزير التركي بافتتاح العديد من المشاريع الصغيرة التي موّلتها تركيا.

الاهتمام التركي بلبنان يأتي في سياقات ثلاثة:

1- مع حزب العدالة والتنمية ظهرت سياسة «صفر مشكلات»، وظهر شعار العثمانية الجديدة. وكان ذلك يعني محاولة تركيا التمدد إلى كل المناطق التي كانت تابعة للدولة العثمانية. وهو ما حصل بل أكثر من ذلك تنوع «الانتشار» التركي ليكون له بعد عسكري وآخر سياسي واقتصادي، وبما يتخطى أحياناً الحدود القديمة للسلطنة العثمانية، ليصل إلى دول في العمق الإفريقي وفي آسيا الوسطى. فنجد أن الحضور التركي قد برز في الصومال وقطر وجيبوتي وألبانيا وفي شمال سوريا وفي العراق وليبيا وأذربيجان، وفي مشاريع مواجهات في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص الجنوبية وفرنسا. كما نجد حضوراً سياسياً بارزاً في أكثر من دولة. ولبنان في هذا السياق يعتبر إحدى الساحات التي تتطلع إليها تركيا، نظراً لقربه منها وارتباطه المباشر بالأزمة السورية، ولوجوده في منطقة شرق المتوسط الحيوية للنفوذ والمصالح التركية. لذا يتردد المسؤولون الأتراك من وقت لآخر على لبنان؛ لاستكشاف آفاق التعاون وبسط النفوذ.

2- تأتي زيارة وزير الخارجية التركية بعد تأليف حكومة لبنانية جديدة برئاسة نجيب ميقاتي المعروف بعلاقاته الجيدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. والحكومة الجديدة بصدد وضع خطط ومشاريع لإعادة بناء مرفأ بيروت الذي دمّره انفجار ضخم في الرابع من أغسطس/ آب من العام الماضي، كما مشاريع لبناء معامل كهرباء، وأخرى متصلة بالبنى التحتية. وتركيا تأمل بحكم خبرتها في هذه المجالات أن تحظى بجزء من كعكة إعادة الإعمار في المرحلة المقبلة.

3- لعل الأكثر أهمية هنا هو أن الزيارة تأتي بعد انكفاء عربي بارز عن الساحة اللبنانية، في أعقاب الأزمة التي أعقبت تصريحات سابقة لوزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي في ما خص اليمن. ومع أن هذا الانكفاء قد بدأ عملياً قبل حوالي السنتين، وانعكس في عدم قدرة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري على تشكيل حكومة جديدة، فإن الانكفاء الآن أكبر وأوسع بكثير من السابق؛ إذ شهد سحْباً للسفراء، ووقف التبادل التجاري، والتضييق على تأشيرات الدخول للبنانيين إلى دول الخليج. وقد أحدث هذا «فراغاً» واضحاً في الساحة اللبنانية. وبما أن «قوانين الطبيعة» لا تعرف الفراغ، فقد هرعت العديد من الدول لملئه، وعلى رأسها تركيا التي تبحث عن مرتكزات نفوذ أقوى لها في لبنان، في مواجهة خصوم ومنافسين في أكثر من منطقة.

غير أن المشكلة التي تواجه تركيا هي عن حظوظ نجاحها في مهمة ملء الفراغ هذا. ذلك أن لبنان بانقسامه الطوائفي والمذهبي لا يتيح للدول أن تلعب بسهولة وحرية في أرجاء ملعبه، حيث تبقى هذه الدول محكومة بالتحرك في حدود طائفية معينة. وحتى الآن وكما لم يحظَ سعد الدين الحريري بغطاء عربي لتشكيل حكومته، فإن حكومة نجيب ميقاتي الجديدة لا تزال تفتقد مثل هذا الغطاء، ولم يتمكن حتى الآن رغم مرور ما يقارب الشهر ونصف الشهر على تشكيل حكومته، من زيارة أي بلد خليجي. ومن هنا التساؤل عما إذا كان الانكفاء العربي الحالي يخدم مخططات الدول الأخرى المنافسة أم لا. وهذا الأمر مرتبط أيضاً بمصالح ومزاجيات الجماعات اللبنانية، ومدى قدرتها على فتح أبوابها أو إغلاقها أمام الرياح القادمة من الخارج، للبحث عن موطئ قدم فيه، في إطار لعبة الأمم المفتوحة على كل الرهانات.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook