Tuesday, August 20, 2019
اخر المستجدات

لماذا يبرئ حزب الله “اسرائيل” من دماء بدر الدين ؟!


| طباعة | خ+ | خ-

الكاتب // صالح النعامي

كان مشهداً سوريالياً بامتياز، حيث لم يكن لأحد أن يتوقع أن يتطوع حزب الله لنفي تهمة اغتيال قائده مصطفى بدر الدين عن الكيان الصهيوني، ويرمي بها فصائل المعارضة السورية المسلحة، مع أن كل الدلائل تشير بوضوح تام الى أن الجهة التي نفذت عملية الاغتيال ذات قدرات تقنية واستخبارية وعسكرية كبيرة، لا تتوفر إلا للكيان الصهيوني أو جهة تملك قدرات مماثلة لقدراته. وفي ظل التزام الصهاينة الصمت ومسارعة الولايات المتحدة بنفي أية مسؤولية عن العملية، إلى جانب أن أياً من فصائل المعارضة السورية لم تبادر للإعلان عن المسؤولية عن هذا العمل. فقد كان من الواضح أن حزب الله من خلال تبرئة الصهاينة من دماء بدر الدين وتحميل المسؤولية لفصائل المعارضة السورية يريد أن يبرر مواصلة ولوغه في دماء السوريين واستمرار تورطه في هذه الحرب خدمة لخياراته المذهبية والجيوسياسية بمعزل عن أي منطق أو عقل.

يعي قادة حزب الله أن تحميل الكيان الصهيوني المسؤولية عن عملية الاغتيال يفرض عليهم التعهد والالتزام بـ «الثأر» والرد على العملية، وهذا ببساطة يتناقض مع المصالح الإيرانية، وعلى رأسها مهمة الحفاظ على نظام الأسد الإجرامي. المفارقة أن الصهاينة الذين التزموا الصمت من ناحية رسمية، سارع معلقوهم وباحثوههم لتفسير حرص حزب الله على اتهام المعارضة السورية على أنه يمثل دليلاً على خيار الحزب المتمثل في مواصلة الحرب إلى جانب نظام الأسد بكل ثمن.

وعلى الرغم من أن أحداً ليس بوسعه تحديد جهة بعينها كمسؤولة عن عمليات الاغتيال، لكن في المقابل، فأن هناك العديد من العوامل التي تدفع للاعتقاد أنه على الرغم من حزب الله فأن الصهاينة هم المسؤولون عن تصفية بدر الدين، مستغلين الورطة التي علق بها الحزب في سوريا.

ويمكن هنا سرد المؤشرات على الدور الصهيوني وراء عملية الاغتيال:

أولاً: جاءت عملية الاغتيال في أعقاب اعتراف رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو قبل شهر بأن كيانه ينفذ عمليات داخل سوريا ولبنان، وذلك لأول مرة، مما يدلل على أن نتنياهو كان مرتاحاً بأن ثمة قرار اتخذ في قيادة حزب الله بتجاهل الضربات الصهيونية والتركيز على ضرب الشعب السوري.

ثانياً: منطقة مطار «دمشق»، التي يقع في محيطها المخيم الذي اغتيل فيه بدر الدين هي منطقة سبق للطيران الصهيوني أن نفذ فيها العديد من عمليات القصف، علاوة على أن هذه المنطقة ليست منطقة اشتباك بين قوى المعارضة المسلحة ونظام الأسد وحلفائه.

ثالثاً: التقنيات العسكرية التي استخدمت في عملية الاغتيال (حديث عن استخدام صاروخ موجه) لم يسبق لقوى المعارضة السورية استخدامها، ناهيك عن تحديد مكان بدر الدين بالضبط، وهو يحيط نفسه بهالة من السرية يحتاج إلى تفوق استخباري كبير، وهذه الميزة محفوظة للكيان الصهيوني. فقد اعترف حزب الله في الآونة الأخيرة بأن المخابرات الصهيونية تمكنت من زرع عدداً من عملائها في مناطق حساسة داخل الحزب ومؤسساته. وهذا ما فسر تمكن الصهاينة من اغتيال عماد مغنية عام 2008 وبعد ذلك نجله وعددا من قادة الحرس الثوري الإيراني وسمير قنطار.

رابعاً: هناك أساس للاعتقاد أن تعمد المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي في تل أبيب الصمت هذه المرة يأتي بشكل خاص نتاج تفاهم صهيوني روسي، يقوم على منح تل أبيب هامش مرونة كبيرة ومطلق في سوريا مقابل الحرص على عدم إثارة ضجيج إعلامي يحرج الروس أمام حلفائهم الإيرانيين وحزب الله، سيما في ظل تواتر المؤشرات على حدوث توتر في العلاقة بين طهران وموسكو مؤخراً، وفي ظل تعاظم التنسيق على أعلى المستويات بين موسكو وتل أبيب، لدرجة أن نتنياهو سيقوم بتاسع زيارة لموسكو في غضون أربعة أعوام.

خامساً: إن ما يدلل على طمأنة الصهاينة بشأن خيارات حزب الله وردود فعله المرتقبة تمثل في أنها المرة الأولى التي يغتال فيها قيادي في حزب الله في سوريا أو لبنان ولا يتم الإعلان عن حالة الاستنفار. بل على العكس تماماً، فقد طلبت المؤسسات الصهيونية من السياح وبقية الصهاينة من مواصلة التوافد على مناطق الشمال بأعداد كبيرة.