Monday, October 14, 2019
اخر المستجدات

ما هي الانجازات الأمريكية والروسية من الحرب على تنظيم الدولة؟


| طباعة | خ+ | خ-

غزة – وسام البردويل

يبدو أن تحقيق المصالح الكبرى تحت ذريعة محاربة الإرهاب كان النهج المتبع من قبل أغلب الدول العظمى، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في حربهما ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا والعراق ودول أخرى.

وتدار أسئلة عدة حول مصير تنظيم الدولة الإسلامية برسم المشهد الميداني في كل سوريا والعراق، خصوصا بعد التراجعات العسكرية المتتالية للتنظيم وتآكل مواقع نفوذه، وقرب طرده من مدينة الموصل، والمعركة المرتقبة لاستعادة الرقة منه بقيادة أميركية.

وتبدو سلسلة تراجعات تنظيم الدولة -الذي أعلن الخلافة على دولته المفترضة في سوريا والعراق في يونيو/حزيران 2014-في الأشهر الماضية ذات دلالات تطال مسألة الوجود ذاتها، حيث تؤكد التقديرات والوقائع على الأرض أن التمدد الذي اتخذه التنظيم شعارا لم يعد متاحا، وبالتالي فإن عنوان المرحلة هو البقاء واحتمالاته وأشكاله.

صحيح أن تنظيم الدولة لم يفقد كل أسباب البقاء بعد، وبقي يسيطر على رقعة جغرافية كبيرة، وحواضر كالموصل (ما بقي بساحلها الأيمن)، وتلعفر والرقة دير الزور، وعلى معظم الحدود بين سوريا والعراق، لكن أدوات هذه السيطرة تهلهلت وسط ضغوط عسكرية تشتد يوميا من عدة أطراف، وتراجع كبير في القدرات البشرية والمالية والتنظيمية.

وفي قراءة هذا الواقع الميداني تصبح معركة الموصل وبعدها الرقة  -وفق معظم الخبراء والمحللين- نهاية مرحلة بالنسبة لتنظيم الدولة وربما المنطقة، وفيصلا في تحديد ماهيته، سواء في العراق وسوريا، أو في بلدان أخرى يتواجد فيها التنظيم بدرجات متفاوتة.

ومع انحسار بقعة تنظيم الدولة نبين في هذا التقرير الإنجازات الأمريكية والروسية من حربهما ضد تنظيم الدولة في سوريا والعراق كمناطق عمليات جغرافية.

الدور الروسي

وقال الكاتب والمختص في الشؤون الروسية سامر إلياس، إن التدخل في سوريا لم تمكن روسيا من تحقيق إنجازات على الأرض تمهد لفرض حل سياسي، مما يعني فقدانها إمكانية لعب أي دور للوساطة بين النظام والمعارضة.

وتابع إلياس” استغلت موسكو فشل التحالف الدولي في تحقيق نتائج ملموسة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، رغم مرور عام على غارات التحالف، وأسهمت الماكينة الإعلامية الروسية في الترويج لمخاطر سقوط دمشق على يد مقاتلي داعش المنتشرين في جنوبها، ومن ثم بدأت في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي التمهيد لأول تدخل عسكري لروسيا في خارج بلدان الاتحاد السوفياتي السابق منذ انهياره عام1991″.

وأضاف أن موسكو بررت تدخلها العسكري بحصولها على طلب رسمي من دمشق للمساعدة في محاربة “الإرهاب”، وقرَّرت العمل بعيداً عن التحالف الدولي، الذي تراه غير شرعي ولا يمكن أن ينجح في مهمة القضاء على “داعش”، لأنه لا ينسق مع “الحكومة السورية الشرعية” على الأرض.

وقال:” إن الكرملين ساق جملة من الأسباب والدوافع لتدخله في سوريا، ومع مرور الزمن بدأت تصريحات المسؤولين الروس تكشف جوانب أخرى مهمة تتعلق برغبة موسكو في تجريب أسلحتها الحديثة والترويج لها”.

ولفت إلى أن موسكو ترغب في تجريب أسلحتها الحديثة والترويج لها، وبعث رسائل داخلية وخارجية حول قوة الجيش والأساطيل الروسية، رغم أن محاربة المعارضة المسلحة أو حتى “تنظيم الدولة” لا تحتاج إلى هذه الأنواع من الأسلحة.

ويعّد التدخل الروسي في سوريا تطوراً غير مسبوق في تاريخ علاقاتها مع البلدان العربية، وهو الأوسع نطاقاً خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ حرب أفغانستان. فروسيا سبق لها أن جرَّبت قواتها في نزاعات مع جورجيا وأوكرانيا عامي 2008 و2014، لكن صعوبة التدخل في سوريا تكمن في بعده عن مراكز قيادة الجيش الروسي، وتحدي مصاعب تأمين وإدارة الدعم اللوجستي والمعلوماتي للعمليات.

وأوضح إلياس أن روسيا تخوض في سوريا تجربة عسكرية سبقتها إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بالضربات الجوية والقوى البرية، لكن مأزق موسكو يكمن في أنها تعتمد على الجيش السوري وقوى شيعية أخرى أُنهكت بفعل سنوات الحرب الطويلة “.

وأشار إلى أن موسكو لن تقدم على أكثر من إرسال مستشارين عسكريين دون التورط في حرب برية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع خفض كثافة ضرباتها الجوية من أجل إجبار المعارضة والقوى الإقليمية والدولية على تبني رؤية موسكو للحل السياسي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن ويصعب تحقيقه في ظروف الميدان الحالية.

وأردف” لا تستطيع روسيا مع طول مدة تسويق تدخلها على أنه يهدف إلى محاربة “تنظيم الدولة”، والتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، فهي اتبعت تكتيكاً مركباً يجمع بين توجيه ضربات جوية وصاروخية تستهدف كل معارضي الأسد من جهة، ودعم قوات الأسد وحلفائه بالأسلحة والتغطية الجوية لتغيير الوقائع على الأرض من جهة ثانية”.

وتجمع كل التقارير على أن 15% فقط من الضربات الروسية استهدفت “داعش”، بينما كان باقي الغارات على مواقع المعارضة المسلحة.

وأشار إلى أن التدخل الروسي فرض مساراً سياسياً رسمه القرار 2254، المبني على غموض في مرجعياته بين “جنيف1” غير المفضل عند روسيا، وتفاهمات “فيينا”، فإن النتائج المخيبة على الأرض ستجبر صناع القرار في موسكو -عاجلاً أو آجلاً-على وضع استراتيجية بديلة تتضمن تقديم تنازلات بشأن مصير الأسد، وربما تأسيس تحالف مع الولايات المتحدة والبلدان الإقليمية لمحاربة الإرهاب.

فالبديل هو استمرار العملية العسكرية الروسية من دون سقوف زمنية، وغوص روسيا في مستنقع يمكن أن تخسر نتيجته كل ما جنته حتى الآن، ويضعها في مواجهة استحقاقات طالما هربت منها إلى الأمام مثل أزمة أوكرانيا والأزمة الاقتصادية بفعل تراجع أسعار الطاقة، وغياب الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الهيكلية، وقد يزج بها في مواجهة مع العالم الإسلامي.

الدور الأمريكي

على الرغم من أن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة “داعش” متهم دائمًا بأنه لم يحقق تقدم ملحوظ في حرب ضد التنظيم، إلا أنه يصر على نجاحه في إنجاز “المرحلة” الأولى من العمليات بنجاح على حسب المتحدث باسم الجيش الأمريكي الكولونيل ستيف وارن، والذي أكد فيه على أن التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا إنجاز “المرحلة” من الحرب بنجاح، وينفذ التحالف عملية من ثلاث خطوات رئيسية في حربه المستمرة منذ 20 شهرًا ضد التنظيم المتطرف.

حرب الولايات المتحدة وحلفائها على “داعش” في العراق بدأت فعليًّا في 19 سبتمبر عام 2014، فيما انطلقت الغارات على مواقع تنظيم “الدولة” في سوريا في 22 سبتمبر من نفس العام، واستخدمت فيها مئات الطائرات المقاتلة والتجسسية والصواريخ المجنحة إضافة إلى الأقمار الاصطناعية وأحدث تقنيات الرصد حشدت واشنطن تحالفًا يمكن القول إنه الأكبر في التاريخ ضد مجموعة “إرهابية”.

ورصدت لحربها ضده 3.5 مليارات دولار من ميزانيتها الدفاعية البالغة 650 مليارًا، ونشرت المئات من جنودها وخبرائها في الدول المجاورة، وكان لسلاحها الجوي نصيب الأسد من عمليات القصف الجوي في البلدين، نحو 93% في سوريا و70% في العراق.

ومع ذلك لم يؤد ذلك إلى أي نتائج تُذكر وتشير الأرقام الرسمية الأمريكية إلى أن طائرات قوات التحالف الذي تشارك فيه بأشكال مختلفة أكثر من 60 دولة، بينها 5 دول عربية، نفذت 20000 عملية قصف ودعم جوي ومرافقة، بينها 5200 طلعة استخدمت خلالها الطائرات سلاحًا واحدًا من ترسانتها على الأقل في العام الأول.

وأسفرت آلاف الغارات التي نفذتها قوات التحالف، حسب تصريح لتوني بلينكين نائبوزير الخارجية الأمريكية أدلى به في يونيو  2015م عن مقتل 10 آلاف من عناصر تنظيم “الدولة “، بمعدل مصرع 1000 مقاتل شهريًّا منذ بدء العمليات الجوية في أغسطس من العام الماضي،  وتدمير 10684 هدفا له  في البلدين منها 3262 مبنى، و119 دبابة و1202 آلية و2577 موقعا قتاليا ولكن  بلينكين قال: إن “داعش” يجند ألف عنصر كل شهر ويعوض خسائره البشرية.

وإلى جانب حصيلة “الإنجازات” تسببت ضربات التحالف الدولي الجوية في العراق وسوريا في مضاعفات خطيرة، حيث قالت وسائل إعلام أمريكية: إن استهداف القصف الأمريكي للمنشآت النفطية ومخازن الحبوب ومحطات الكهرباء في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا ضاعف من معاناة السكان وتسبب بنقص في الغذاء وزاد من ارتفاع أسعار السلع لتبقى هذه الأسباب هي المعرقل الأساسي لنجاح التحالف.

وشهدت الأيام الأخيرة أول تدخل بري أمريكي لقوات العمليات الخاصة «الكوماندوز» على الأراضي السورية، بما يخالف التصريحات السابقة لكل من أوباما والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، حيث أكد الأول أن التدخل الأمريكي في سوريا سوف يقتصر على سلاح الطيران حتى لا تتكرر مأساة الجيش الأمريكي في العراق، فيما رفض الثاني فكرة التدخل عسكريًا في سوريا من الأساس.

عمرو عبد العاطي، الخبير بالشأن الأمريكي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، اعتبر أن الإدارة الأمريكية لم تتخذ تلك الخطوة العسكرية التصعيدية لفرض وجود في المشهد السوري بعد تراجع دورها السياسي فيه، كما توقع بعض الخبراء.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية لا تضع الملف السوري وتعقيداته في أولوية اهتماماتها، بل تستهدف بالأساس مكافحة الإرهاب، لذلك تحكمت روسيا وإيران وتركيا في القضية بشكل أكبر».

ورغم إشارته إلى تسريبات حول قوات برية أمريكية في سوريا، استبعد عبد العاطي أن نشهد فيما بعد تكتلات عسكرية أو قوات برية أمريكية في سوريا كما كانت في العراق أو أفغانستان، مرجحًا أن تقوم قوات الكوماندوز بعمليات معينة تعود بعدها إلى الولايات المتحدة.

وإذا سحبنا ذلك على “تنظيم الدولة الأم” في العراق وسوريا فيبدو أنه من الصعب أن يعيد تشكيل نفسه من جديد على قاعدة جيوسياسية قابلة للحياة -وفق معظم التقديرات- ولعل تعدد الأطراف التي تحاربه هناك -من روسيا والولايات المتحدة إلى النظام فالمعارضة والأكراد وتركيا والتحالف الدولي- يوحي بصعوبة القدرة على الانبعاث والتجدد.

كن تنظيم الدولة قد يستغل ظرفيا الأهداف والأجندات المختلفة لهذه الأطراف -في سوريا خاصة- لكسب مزيد من الوقت، ربما عبر إطالة أمد الحرب في الرقة والانتقال بعدها إلى “عاصمة جديدة” في دير الزور، حيث المعركة المؤجلة مرحليا، لكن ذلك لن يكون متاحا في النهاية إلا بما تسمح به الأطراف الأخرى وعوامل الصراع على الأرض من قبل هؤلاء اللاعبين.

كما أن انتقال تنظيم الدولة “بمركزه” إلى مواقع في دول أخرى مثل سيناء أو ليبيا أو نيجيريا أو ربما أفغانستان والتي أنشا فيها جميعا ما يسميها ولايات، أو في بلدان مجاورة لسوريا والعراق رهين بالمتغيرات الأمنية والسياسية في تلك المناطق، لكن شروط وجود مركزي فاعل فيها غير متوفرة حاليا، كما أن الوضع الدولي والاستنفار الكبير للحرب على “الإرهاب” لن يسمحا بذلك.

وفي مطلق الحالات فإنه لن تتوفر لتنظيم الدولة بيئة أفضل وظروف ملائمة أكثر و”دولة مركز” أهم مما كان بالعراق وسوريا اللذين تفجر فيهما واحد من أعقد الصراعات على الصعيد الدولي معبأ بالمصالح المتضاربة إقليميا ودوليا والنزاعات المتشابكة عسكريا وسياسيا واجتماعيا والتي وجد فيها التنظيم مجالا واسعا للعمل والمناورة والتوسع.

ومهما كانت سيناريوهات مستقبل تنظيم الدولة فإنه لن ينتهي وجوديا في سوريا والعراق -بالمعنى الحرفي للكلمة- إلا بانتهاء الظروف الموضوعية التي أوجدته والبيئة الجاذبة التي كان أساسها الفوضى الأمنية والعسكرية والغبن الاقتصادي والاجتماعي لمعظم السكان، والاستبداد بمختلف أشكاله، والاحتراب الداخلي والتوظيفات الطائفية والتهافت الإقليمي والدولي في المنطقة.

(شهاب)