الأربعاء 26 / يناير / 2022

من آخر مهازل “أبو مازن”

خيرالله خيرالله

ليس هناك ما يمنع السلطة الوطنية الفلسطينية من اعتماد لغة المنطق بدل السعي إلى إدخال نفسها في لعبة لا طائل منها، سترتد عليها وعلى القضية التي تقول إنها تدافع عنها، عاجلا أم آجلا.

كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قبل أن يخلف ياسر عرفات في كلّ مناصبه، شخصا عاقلا. سارع منذ البداية إلى رفض “عسكرة” الانتفاضة في العام 2000 محذّرا من أن هذه “العسكرة” ستعود بالويلات على الفلسطينيين. هذا ما حدث بالفعل. كان “أبو مازن” على حقّ وقتذاك. كان “أبو مازن” رجلا منطقيّا يفرّق بين الواقع والخيال. ما الذي دهاه في السنوات الماضية، خصوصا بعدما أصبح رئيسا للسلطة الوطنيّة إثر وفاة “أبو عمّار” في شهر تشرين الثاني – نوفمبر من العام 2004؟ يقول الذين يعرفونه عن كثب إن وصول “أبو مازن” إلى موقع الرئاسة أسقط كل الأقنعة التي كان يتخفى خلفها عندما كان يلعب دور المعارض لـ”أبو عمّار”!

ليس ما يدعو إلى تعداد الأخطاء التي ارتكبها رئيس السلطة الوطنيّة، في مقدمها استبعاد أي شخص يمتلك حدّا من الكفاءة عن أيّ موقع في السلطة. استغنى عن ذوي الكفاءة بالأزلام. لم يتحمّل الدكتور سلام فيّاض في موقع رئيس الوزراء نظرا إلى أنّ الرجل يتمتع بما يكفي من الاحترام للذات كي يقول في وجهه كلمة لا عندما يجب أن تقال مثل هذه الكلمة.

من آخر مهازل “أبو مازن” الذي اصطحب في الماضي أفراد عائلته إلى مسقط رأسه في صفد، القريبة من تل أبيب، ليقول لهم إنّه جاء بهم إلى المكان “الذي لن يعودوا إليه”، دخوله في لعبة يمارسها النظام الجزائري. ليس سرّا أن “أبو مازن” ذهب إلى صفد في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، وهو الاتفاق الذي يعود إليه الفضل في التوصل إليه وفي إقناع “أبو عمّار” به. كيف يمكن لرجل يتمتع بحدّ أدنى من المنطق والواقعية زجّ نفسه في ما لا يعنيه، أي في التصعيد الجزائري تجاه المغرب، في وقت لا طموح لديه سوى الدخول في مفاوضات مع إسرائيل؟

ليس مبلغ المئة مليون دولار، الذي حصل عليه رئيس السلطة الوطنيّة، كافيا لتبرير زيارة للجزائر. لن يقدّم هذا المبلغ ولن يؤخّر. كلّ ما يشكله رشوة جزائرية تستهدف الإساءة إلى المغرب في سياق لعبة عفا عليها الزمن. مثل هذه اللعبة لن تفيد الجزائر ولا يمكن أن تفيد السلطة الوطنيّة التي قرّر رئيسها الإساءة لنفسه وللقضيّة الفلسطينية في الوقت ذاته.

في نهاية المطاف، يعرف المواطن الجزائري أنّ كلّ التصعيد الذي يمارسه النظام في تعاطيه مع المغرب يستهدف الهرب من أزماته الداخليّة التي تتعمّق يوما بعد يوم. بين بلد مثل المغرب، يتطلّع إلى المستقبل، وبلد أسير عقده وأزماته الداخليّة اختار “أبو مازن” العيش في الماضي وفي أسر الشعارات البالية التي كان يدعو إلى التخلّص منها.

ليس معروفا أين مصلحة الفلسطينيين في زج أنفسهم في قضيّة لا علاقة لهم بها أصلا. هذه القضيّة قضيّة نظام جزائري مفلس تسيطر عليه مجموعة من الضباط لا همّ لديهم سوى البقاء في السلطة. أكثر من ذلك، اختار هذا النظام عبدالمجيد تبون رئيسا للجمهوريّة كي يغطي العودة إلى ممارساته السابقة التي أخذت الجزائر من فشل إلى فشل آخر على كلّ صعيد، اقتصاديا وسياسيا وزراعيا واجتماعيّا وحضاريّا. مارس النظام الجزائري كلّ أنواع الفشل. فعل ذلك في ظلّ شعارات فارغة من نوع المناداة بحق تقرير المصير للشعوب. لا يدرك النظام أن الطفل، أي طفل، يعرف أنّه لو كان بالفعل يريد حقّ تقرير المصير للشعوب لكان سمح للشعب الجزائري، قبل غيره، بممارسة هذا الحقّ… بدل إبقائه منذ العام 1965 تحت حكم عسكري تتحكّم به مجموعة من الضباط في السلطة.

تكمن مشكلة “أبو مازن” في أنّه لا يعرف الجزائر ولا يعرف المغرب. انضمّ بكل بساطة إلى المتاجرين بالقضيّة الفلسطينية الذين راحوا يهاجمون المغرب بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس الشهر الماضي للرباط. نسي مقدار الفرح والامتنان اللذين ظهرا عليه عندما وافق غانتس قبل ذلك على زيارته في رام الله…

عاد “أبو مازن” إلى الأرض الفلسطينية بإذن إسرائيلي، تماما مثلما خرج منها. يعرف رئيس السلطة الوطنيّة أنّ المهمّة الوحيدة لهذه السلطة في الوقت الراهن حماية إسرائيل والمحافظة على أمنها. قد تكون تلك الفائدة الوحيدة من مبلغ المئة مليون دولار الآتي من الجزائر والذي يعتبر الجزائريون أنّهم حرموا منه.

من المفيد لـ”أبو مازن” أن يجد من يعطيه دروسا تساعده في معرفة المغرب عن كثب وما طبيعة النظام في المغرب ومدى شرعيته. يضاف إلى ذلك في طبيعة الحال التقدّم الذي تحقّق في المملكة التي تفكّر بمنطق القرن الواحد والعشرين والتي لم تتردّد يوما في دعم القضيّة الفلسطينيّة بكلّ ما لديها من إمكانات. لا يحتاج المغرب إلى من يعطيه دروسا في الدفاع عن فلسطين. دماء الجنود المغاربة دليل حيّ على أن المغرب لم يلجأ إلى الشعارات بل إلى الأفعال عندما شارك في حرب 1973 على جبهة الجولان.

أمّا بالنسبة إلى الجزائر، حيث ليس عبدالمجيد تبون أكثر من واجهة للعسكر، فقد آن أوان الاعتراف بأنّ العالم تغيّر وأن المتاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة لا تفيد في شيء. كذلك لن يفيد في شيء التصعيد مع المغرب. ذهبت المئة مليون دولار هباء. لو كان لدى النظام الجزائري حرص فعلي على القضيّة الفلسطينية لكان أوّل ما فعله السعي إلى إعادة حركة “حماس” إلى رشدها عبر إقناعها بأنّ المصالحة الفلسطينية ضروريّة وأنّ هذه المصالحة خطوة لا بدّ منها في حال كان مطلوبا إعادة الحياة إلى المشروع الوطني الفلسطيني.

لكنّ الواضح أن الجزائر في عالم آخر لا علاقة له بفلسطين من قريب أو بعيد بمقدار ما له علاقة بالتصعيد مع المغرب. يصعّد النظام الجزائري مع المغرب لسبب واحد. يعود هذا السبب إلى عجزه عن التصالح مع الشعب الجزائري. هل يستطيع شخص مثل “أبو مازن” فهم هذه المعادلة؟ يمهّد فهمه مثل هذه المعادلة لمصالحة بينه وبين المنطق والواقع…

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook