Monday, July 22, 2019
اخر المستجدات

نجاحات أردوغان.. ما أسرارها؟


| طباعة | خ+ | خ-

في مجتمع ترسخت فيه العلمانية الصلبة، المخاصمة للدين مخاصمة جذرية، كما هي في المجتمع التركي، فإن توالي نجاحات رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان، بخلفيته الإسلامية المحافظة، يؤشر على تحولات كبيرة، من أبرز مشاهد تجلياتها تراخي قبضة العلمانية الأتوتاركية عن الإمساك بمفاصل الحياة في تركيا.

نحن العرب تُفرحنا نجاحات أردوغان وتدهشنا، لكننا في غمرة الفرح والسرور، لا نتوقف كثيرا عند خلفيات تلك النجاحات وأسرارها، ولا تسترعي انتباهنا تلك النقلة التي أقدم عليها أردوغان في عالم الأفكار والرؤى التي مكنته وحزبه من تقديم ذلك النموذج الرائد في الإنجاز المستحوذ على إعجاب المعارضين قبل المؤيدين والمناصرين.

بداية ثمة خلط في العالم العربي بين حزب العدالة والتنمية في تركيا وجماعة الإخوان المسلمين، فبحسب نائب رئيس الحكومة التركية أمر الله إيشلر، في مقابلته الأخيرة مع “الشرق الأوسط” اللندية “هناك خلط كبير في العالم العربي بأن العدالة والتنمية نوع من الأحزاب التي أسستها حركة الإخوان”، نافيا العلاقة بينهما بقوله: “وليس هناك أي علاقة بين الحركتين، الحركة الإسلامية السياسية في تركيا شيء، والحركة الإخوانية شيء آخر في العالم العربي”. وشدد على أن وقوف تركيا مع “إخوان مصر” هو وقوف مع شرعية انتخابية جاءت من نتيجة صناديق الاقتراع، وليس لأنهم “إخوان”.

ولعل من أبرز الفوارق الجوهرية في الفكر السياسي بين العدالة والتنمية وجماعة الإخوان، هو ما عبر عنه أردوغان حينما زار القاهرة (في أغسطس 2011) حيث دعا المصريين خلال مقابلة تلفزيونية، إلى وضع دستور جديد لمصر استنادا إلى مبادئ الدولة العلمانية، مشددا على أنها لا تعني دولة اللادين، بل هي دولة تقف على مسافة واحدة من كل الأديان، مضيفا “لا تقلقوا من الدولة العلمانية، وأتمنى وجود دولة علمانية في مصر”.

تصريحاته تلك الكاشفة عن رؤيته الموجهة لسياساته الحاكمة في تركيا، رفضها قياديو إخوان مصر واعترضوا عليها، فالقيادي البارز في الجماعة ونائب رئيس حزبها (الحرية والعدالة) الدكتور عصام العريان قال: إنه تعجب جدا من كلام أردوغان، مشددا أنه لا يحق لرئيس الوزراء التركي التدخل في شؤون مصر الداخلية. وهو ذات الموقف الذي عبر عنه المتحدث باسم الجماعة الدكتور محمود غزلان وعضو مكتب الإرشاد بقوله: “إن تجارب الدول الأخرى لا تستنسخ، وأن ظروف تركيا تفرض عليها التعامل بمفهوم الدولة العلمانية، واعتبر نصيحة رئيس وزراء تركيا للمصريين تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد”.

تلك الرؤية “الأردوغانية” جاءت على إثر مخاضات عسيرة مرت بها التجربة التركية، “فبعد حل حزب “الرفاه” الإسلامي التركي، بزعامة نجم الدين أربكان، ورثه حزب “الفضيلة” الذي انقسم فيما بعد إلى جناح محافظ حمل اسم حزب “السعادة” كان الأكثر تمسكا بأفكار أربكان، وجناح براغماتي تبلور في حزب “العدالة والتنمية” بزعامة أردوغان..”.

حينما ظهر أردوغان بأطروحاته الجديدة وسياساته البراغماتية، تعرض للنقد والهجوم من قبل أستاذه نجم الدين أربكان (الأب الروحي لحركات الإسلام السياسي في تركيا)، وفي أواسط اكتوبر 2010 ألقى أربكان خطبة مليئة بالتحدي لكل القيادات السياسية في تركيا، وفي مقدمتها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، قائلا: “مصيدة الأعداء اختطفت منا أبناءنا، فانشق عنها تورغوت أوزال، ثم انشق عنها أردوغان، لكن حان الوقت كي يعرف الجميع الفرق بين الأصل والتقليد، إذ شتان بين الدمية والأصل، وسيرى الجميع كيف يكون العمل السياسي الصحيح”.

نموذج أردوغان ببساطة متناهية، وضع له صاحبه عنوانا واضحا ومعبرا، حينما قال عن نفسه “أنا رجل مسلم أقود دولة علمانية”، وقد أدرك بخبرته في إدارة البلديات أن أسهل طريق لكسب قلوب شعبه هو الإنجاز الاقتصادي، وليس التبشير الأيدولوجي، فتحقق له الإنجاز الوطني الكبير الذي جعل غالبية أبناء الشعب التركي يختارونه وينحاوزن إليه.

بصراحة ووضوح: لو رفع قيادي إسلامي رأسه في عالمنا العربي، وتبنى أفكارا ورؤى مقاربة للنموذج “الأردوغاني”، ما مدى تقبل الحركات الإسلامية (وخصوصا الإخوانية منها) لرؤاه وأطروحاته؟ هل سيمجدونه ويرفعون من شأنه أم سيعدونه من المتساقطين على طريق الدعوة والدعاة؟ (ولنستحضر بعض التجارب الإصلاحية الإسلامية كيف تمت مواجهتها والتعاطي معها).

إن ما قام به أردوغان وصحبه في سياقاته التاريخية (نظرا وعملا)، يُعد عملا شاقا وعسيرا، فهو خروج من أطر الأيدلوجيات المؤطرة والمقولبة إلى فضاءات العمل الوطني، مع التجرد الحقيقي في ممارسة السلطة من نوازع الانحياز الأيدولوجي الذي أهله بحق للوقوف على مسافة واحدة من كل الاتجاهات الفكرية والقوى السياسة، فمن يقوى من إسلاميي عالمنا العربي على مثل ذلك؟