Friday, December 6, 2019
اخر المستجدات

نحو بناء استراتيجية وطنية لتحرير فلسطين


محمد حمدان

| طباعة | خ+ | خ-

ناقشت الحركة الوطنية السبل والوسائل الكفيلة بتحرير فلسطين، وقد اختلفت هذه الحركة في مرحلة مبكرة منذ سنوات العشرينيات من القرن الماضي حول هذه السبل، وهنا أُلخص في هذه العجالة أهم نقاط الخلاف.

1. اعتبر جزء من الحركة الوطنية أن الأمر بيد بريطانيا العظمى، وذهب بناء على ذلك إلى ضرورة محاورة بريطانيا وإقناعها بالتخلي عن المشروع الصهيوني.

2. قسم ثان، ذهب إلى ضرورة مقاومة بريطانيا، باعتبارها دولة استعمارية، سوف تتولى مهمة تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين.

3. قسم ثالث دعا إلى تفريغ الجهود وتخصيصها لمواجهة الحركة الصهيونية وحدها، على أساس أن الاستعمار البريطاني في فلسطين مؤقت وزائل بالضرورة، بينما سيظلّ المشروع الصهيوني جاثمًا في فلسطين.

4. وأخيرًا، فإن القسم الرابع، هو ذلك الذي راهن على الدول العربية لحماية فلسطين وتحريرها من الاحتلال الصهيوبريطاني.

شكَّلت نكبة فلسطين صدمة لكل هذه الأطراف، بما فيها الأطراف العربية، وشهدت المنطقة تحولات جوهرية؛ فقد قامت العديد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية، بما فيها مصر، وأصبح خيار العرب المعلن هو هزيمة “إسرائيل” عسكريًّا.

لم تثق الحركة الوطنية الفلسطينية بنوايا العرب، ولا سيما بعد طرح بعض المشاريع الدولية الخاصة بتوطين اللاجئين في سيناء وغيرها، وهنا رأت أغلبية في الحركة الوطنية ضرورة أخذ زمام المبادرة وتأسيس مقاومة فلسطينية للمشروع الصهيوني، تقودها قيادة فلسطينية، تأخذ على عاتقها مهمة تحرير فلسطين.

في هذا السياق جاء تأسيس حركة فتح وباقي حركات المقاومة الفلسطينية،إلا أن نكبة عام ١٩٦٧ وهزيمة الأنظمة العربية شكّلت تغيرًا في العقلية العربية تجاه “إسرائيل”، وأصبح الخطاب العربي يتضمن رؤية مفادها أن هزيمة “إسرائيل” مستحيلة، وأنه لابدّ من التفاوض معها لإزالة آثار العدوان، وقد تطورت هذه النظرة بعد مجيء السادات وطرحه شعار “اإن ٩٩٪ من أوراق الحل في يد أمريكا”.

أما الحركة الوطنية الفلسطينية، وبرغم شعاراتها المعلنة،إلا أنها باتت تؤمن بالحل المرحلي وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧، أو على أي أراض يجري تحريرها، ولكن هذا الطرح لم يلغ خيار المقاومة إلا بعد توقيع اتفاق أوسلو واشتراط التخلي عن المقاومة، واتخاذ المفاوضات مع “إسرائيل”، برعاية أمريكية فقط، سبيلاً وحيدًا للحل.

أما الحركة الإسلامية ممثلة بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، فكانت على النقيض التام الذي يرى المقاومة المسلحة السبيل الوحيد لتحرير فلسطين. وقد كانت حماس في بداية انطلاقتها ترى أن تحرير فلسطين عبء تتحمله الدول العربية، لا المقاومة الفلسطينية وحدها، ولكن بعد الانتكاسات التي أصابت الدول العربية، وهو ما انعكس على آمال الفلسطينيين وقناعاتهم، وتصاعد المقاومة في قطاع غزة؛ ترسّخت قناعة ما، لدى حركة حماس، ولا سيما الأوساط العسكرية فيها في قطاع غزة، مفادها أن غزة ومقاومتها هي محور التحرير، وقد عززّ تصوّر أن تحرير غزة قد تمّ بفعل العمل المقاوم المسلح مثل هذه القناعة، ومن ثمّ فليس على الضفة الغربية وبقية مناطق فلسطين سوى سلوك نفس المنهج لتحرير فلسطين من الاحتلال.

يبدو لي من هذه المقدمة، أن الحركة الفلسطينية لم تبذل الجهد الكافي لبلورة استراتيجية موحدة للتحرير، إذ إنّ كل طرف أخذ بجزئية واعتبرها وحدها محور التحرير، ولذلك فشلت كل الخيارات والاستراتيجيات، وعليه فإنّ الواجب يقضي بضرورة العمل لبلورة استراتيجية موحدة للتحرير، تأخذ بعين الاعتبار كل الخيارات، ولأجل بلورة هذه الاستراتيجية، فلا بد من توضيح عدة قضايا.

1. إن قيام دولة “إسرائيل” كان نتيجة لإرادة استعمارية تمثلت في كل من بريطانيا وفرنسا، وبعد ذلك في أمريكا قائدة القوى الاستعمارية الحديثة.

2. وهذا يعني أن هزيمة “إسرائيل” عسكريًّا؛ هو هزيمة للمشروع الاستعماري الغربي في المنطقة، وهذا غير متيسر للحركة الوطنية الفلسطينية والعربية في هذه المرحلة.

3. لا تقتصر عوامل البقاء الإسرائيلي على العوامل الداخلية الاجتماعية، أو عوامل القوة العسكرية والاقتصادية، بل إنّ العامل الأهم في بقائها هو الرعاية والدعم الغربيّان.

4. “إسرائيل” ونخبها السياسية غير مستعدة لتقديم تنازلات على الأرض للفلسطينيين لهشاشة وضع “إسرائيل” الجيواستراتيجي، ولارتباط المناطق المطروح التنازل عنها باعتبارات دينية، وهذه الاعتبارات الدينية تشكّل محورًا مهمًّا لتماسك هذا الكيان وجعله مركزًا ليهود العالم، ويضيف بعدًا جديدًا لتحالفه مع الغرب.

5. إن التوافق على استراتيجية موحدة وشاملة؛ من شأنه تركيز الجهود العربية والفلسطينية وتوحيدها في إطار جامع موحد.

جوهر هذه الاستراتيجية يتعلق بكون القوى الغربية الاستعمارية، وتحديدًا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، هي التي أقامت هذا الكيان، وهي التي ما زالت ترعاه وتدعم وجوده وتعتبره جزءًا مهمًّا من مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ومن ثم ينبني على ذلك، ضرورة تركيز الضغط على هذه القوى للتخلى عن رعايتها ودعمها لهذا المشروع وذلك من خلال الخطوات التالية:

أولاً: مقاومة هذا المشروع بكل أشكال المقاومة العسكرية والسياسية والاقتصادية والشعبية؛ وللمقاومة عدة أهداف في إطار مواجهة المشروع الصهيوني وهي:

أ. إبقاء جذوة الصراع مشتعلة، والتذكير بأن القضية الفلسطينية لم تنته، وبأنها عامل توتيري لكل المنطقة.

ب. ردع الاحتلال عن القيام بخطوات إجرامية بحق شعبنا ومقدساته.

ج. زيادة تكلفة الاحتلال، وتحميل الغرب الراعي للمشروع الصهيوني تكلفة باهظة لاستمرار المشروع الصهيوني.

د. تخويف يهود العالم من القدوم إلى “إسرائيل”، وإبقاؤهم في دولهم والضغط على يهود “إسرائيل” للهجرة منها.

ثانياً: الضغط على الغرب الراعي للمشروع الصهيوني؛ وذلك من خلال:
أ. تبنى خطاب سياسي إعلامي يربط بين جرائم الاحتلال الصهيوني والغرب، وتحميل الغرب المسؤولية القانونية والأخلاقية عن جرائم الصهاينة في فلسطين، ابتداء من النكبة إلى وقتنا الحاضر، إذ إنّ الغرب هو الذي أقام “إسرائيل”، وهو الذي ما زال يدعمها، ويحافظ على وجودها، وبالتالي فهو المسؤول عن معاناة شعبنا.

ب. الضغط الشعبي على المجتمعات الغربية وتحميلها المسؤولية الأخلاقية عن كل جرائم الاحتلال بحق شعبنا.

ج. اعتبار الدول الغربية الراعية للمشروع الصهيوني جزءًا من حالة الصراع مع العدو الصهيوني.

ثالثاً: فيما يتعلق بالمفاوضات مع الصهاينة، فقد ثبت قطعيًّا أن الحركة الصهيونية والقيادة السياسية الإسرائيلية غير مستعدة لأي حلول وسط، ولا سيما فيما يتعلق بتقاسم الأراضي وإقامة الدولة الفلسطينية،ومن ثم فإنّ المفاوضات ليست أكثر من مضيعة وقت على الأقل.

رابعاً: وعليه؛ إنّ الحوار السياسي ينبغي أن يتركز مع الغرب، ذلك لأنه الطرف الوحيد القادر على إلزام الحركة الصهيونية بأي تسوية أو حل سياسي للقضية الفلسطينية، وهذا الحوار يجب أن يستند إلى:

أ. تحميل الغرب كل تبعات إقامة المشروع الصهيوني واستمرار وجوده.
ب. المشروع الصهيوني أضر ويضر بالمصالح الغربية في المنطقة.

ج. وهذا يجب أن يرتكز إلى موقف شعبي ورسمي، عربي وإسلامي، داعم للرؤية الفلسطينية لطبيعة الصراع مع الحركة الصهيونية.

د. العمل على تشكيل تحالف شعبي في الغرب يدعم الرؤية العربية.

خامساً: على المستوى العربي والإسلامي يجب تشكيل تحالف شعبي ورسمي ضاغط على الغرب ومصالحه سياسيًّا واقتصاديًّا، لتحقيق الرؤية الفلسطينية ودعم الحوار بين الغرب والحركة الوطنية الفلسطينية، واستثمار العنصر الديني في الصراع، ولا سيّما قضية المسجد الأقصى المبارك.