Monday, September 16, 2019
اخر المستجدات

هل يمكن أن تثق موسكو فى أنقرة


| طباعة | خ+ | خ-

ترجمة / بسام عباس

بعد شهور من العداء العميق، أخذ التقارب المفاجئ بين روسيا وتركيا الجميع، حتى المراقبين المخضرمين، على حين غرة. ومع ذلك ما زالت هناك تساؤلات حول ما إذا كان تقاربًا حقيقيا أم مستدامًا.

لقد كنا على نفس الطريق من قبل. كلما شهدت العلاقات التركية مع شركائها الغربيين انحرافًا، تنظر أنقرة كالعادة إلى موسكو.

ومع ذلك، هناك عناصر من بين النخبة التركية تدعو علنا للخروج من حلف الناتو والتخلي عن أضغاث أحلام الالتحاق بالاتحاد الأوروبي لصالح تحالف أوراسي مع روسيا وإيران.

الآن، إما أن ينتصروا في حجتهم  أو أن تراوغ تركيا من جديد.

في العالم المثالي، من الطبيعي أن تكون روسيا وتركيا حلفاء لأنهم بينهما الكثير مما يوحدهم. فكلاهما جزئيا في أوروبا، ولكن تم استبعادهما تاريخيا من الصميم السياسي والثقافي لأسباب مشابهة.

وقد تم تجنيب روسيا لأنها تعتبر أوسع مساحة  وأشد قوة وأكثر سكانا لكي تندمج بسهولة مع فرنسا وألمانيا، اللتين أيضًا خافتا من رؤية نفوذهما يتبخر.

في الوقت نفسه، وفي حالة تركيا، فالأرقام والحجم، وكذلك عقيدتها الإسلامية التي تغلب على البلاد، وغيرها من العوامل التي لها تأثير كبير في العزلة النسبية. بالإضافة إلى ذلك، المستعمرات السابقة لإمبراطورياتهما الزائلة ، الاتحاد السوفيتي ونظيره العثماني، غالبا ما تكون متشككة بشدة حيال هذه الدول المنكمشة التي خلفت تلك الإمبراطوريات العظيمة.

وكما نعلم، فهذا أبعد ما يكون عن الكون المتصدع، والذي يشمل العلاقة بين أنقرة وموسكو التي لم تكن أبدًا سلسة. في الواقع، كثيرا ما توترت العلاقة بشدة.

وهذا هو السبب في أن الهجوم الدبلوماسي السريع لهذا الأسبوع قد أثار الدهشة.

اختلافات عديدة

لكي نفهم الأسباب، فإننا بحاجة فقط للعودة بضعة أشهر. لعدة سنوات، حاول الكرملين بناء جسور التواصل مع تركيا. ولكن كانت هناك سببين رئيسين أدَّيا إلى فشل هذه الاستراتيجية.

أولاً، بدت عضوية تركيا في حلف الناتو على أنها جزء من التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة والذي كان موجودًا في المقام الأول لاحتواء روسيا.

وثانيًّا، اختلفت كلا الحكومتين طويلا حول الأحداث في دمشق.

حيث تريد أنقرة الإطاحة ببشار الأسد في حين تحاول موسكو إبقائه في السلطة، لأنها تخشى عواقب حدوث فراغ في السلطة لاحقًا.

أخذت الأمور منعطفا سيئا في نوفمبر الماضي عندما استهدفت القوات الجوية التركية طائرة روسية من طراز سوخوي سو 24 التي كانت تنفذ إحدى المهام في سوريا.

وانتقامًا لهذا العمل، فرضت موسكو عقوبات اقتصادية وحظرت السفر إلى تركيا.. والواقع توقع بعض المعلقين نشوب حرب. وكانت النتيجة النهائية أن العديد من النقاد المطلعين أكد أنه طالما ظل رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في السلطة، فلا أمل في إحياء أي حوار إيجابي.

ثم تحولت الأحداث من جديد. ففي ليلة 15 يوليو، جرت محاولة انقلاب عسكري في تركيا، يقودها فصيل في الجيش.

والذي يمثل القوة التي توالي منذ فترة طويلة الولايات المتحدة وتعادي الصداقة مع روسيا.

في الواقع، قامت القوات المسلحة بالإطاحة بإدارة عدنان مندريس في عام 1960 عندما كان على وشك أن يتخلى عن حلف الناتو لتحسين العلاقات التركية مع الاتحاد السوفيتي.

ولكن هذه المرة، لم تكن لمحاولة الانقلاب علاقة بروسيا.

في أعقاب الانقلاب الفاشل، وفشل القادة الغربيين في التحلق بقوة حول أردوغان. ويرجع هذا في الغالب إلى القمع الداخلي ضد المعارضة ووسائل الإعلام.

ولكن تظل الحقيقة أن أردوغان رئيس تركيا المنتخب وزعيمها ذو الشعبية الجارفة  والذي شعر أنه حصل على دعم أكثر دفئا من حلفائه الوهميين.

وهو ما بدا كما لو أن ذلك قد أغضب بشدة رئيس الوزراء التركي. ما لم يكن، بالطبع، خدعة.

وهذا هو التحدي بالنسبة لموسكو هنا، لمعرفة ما إذا كان مخادعًا أم لا.

اللعب بالأوراق

في روسيا، هناك احتمالين يتم تناقلهما على نطاق واسع. حيث يخشى المراقبون الحذرون أن يلعب أردوغان بالبطاقة الروسية من أجل تحقيق تنازلات غربية.

وهناك اثنان على وجه الخصوص يسعى وراءهما. أحدهما تنفيذ ترتيبات السفر بدون تأشيرة والذي وافق عليه الاتحاد الاوروبي من حيث المبدأ في وقت سابق هذا العام.

والآخر هو تسليم فتح الله جولن، الداعية الإسلامي الذي يعيش في منفاه في الولايات المتحدة، ويلقي أردوغان بمسئولية تخطيط لانقلاب عليه. وترفض السلطات الأمريكية، حتى الآن، تسليمه.

وبالتالي، يكون لدينا حالة يؤوي فيها أحد زعماء حلف الناتو شخصًا تآمر على إسقاط حكومة عضو آخر منتخب ديمقراطيًّا.

من ناحية أخرى، تدرك أنقرة تمامًا أن الأمريكيين في حاجة ماسة لتعاونها. فتركيا ذات أهمية استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهي تعتبر قاعدة للعمليات وكذلك من خلال استخدام قواتها، عالية الكفاءة ، في المساعدة على تحقيق الأهداف الأمريكية.

ونت خلال تقاربه مع موسكو، ربما يرغب أردوغان في جذب انتباه واشنطن. وفي بروكسل أيضًا، والتي نادرا ما تحتاج للتذكير بأن تركيا هي الحاجز الوحيد الذي منع طوفان المهاجرين من التدفق إلى الاتحاد الأوروبي.

وهناك نظرية أخرى تقول إن تركيا صادقة هذه المرة. وأن أردوغان تعب من رفض الحلفاء الغربيين لمعاملة أنقرة على قدم المساواة والانتقاص المستمر من قيادته.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، تستمر الرواية في أن تركيا ربما تكون على استعداد للبحث عن شراكات جديدة.

وبالطبع، ربما يلقى هذا أيضًا آذانًا صاغية في موسكو.

يحاول بوتين، لبعض الوقت الآن، ترويج فكرة تكتل بديل للحد من الهيمنة الأمريكية على النظام السياسي العالمي. ومع تعاونه المتزايد مع الصين، فإن انضمام تركيا إلى هذا المزيج سيكون تتويجًا لهذه العملية.

وبطبيعة الحال، يمكن أن يقامر بوتين هنا بنفسه. فالشاغل الرئيسي لروسيا هو الحفاظ على أمنها من خلال ممارسة النفوذ في محيطها الخارجي الأقرب وكبح المحاولات الأمريكية لكسب مزيد من النفوذ والتأثير في ذلك المحيط.

هل يمكن الوثوق في تركيا؟

حدث يومي الأربعاء والخميس الماضيين حدثين أسفرا عن آراء مختلفة حول الدرجة التي قد تكون تركيا انطلقت بها نحو روسيا.

فقد أشار وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، إلى أن أنقرة قد تسعى لخيارات الأخرى خارج حلف الناتو للتعاون الدفاعي. ومع ذلك، أصر أيضًا على أن عملية الانتقال السياسي في سوريا مع وجود الرئيس بشار الأسد (في منصبه) غير ممكنة، وهو ما يتعارض مع رغبات موسكو.

وفي الوقت نفسه، طلب  جاويش أوغلو من روسيا تنفيذ عمليات مشتركة ضد تنظيم داعش، عدوهما المشترك.

وفي الوقت نفسه، وفي اليوم السابق، أصدر أردوغان إنذارا نهائيا إلى الولايات المتحدة، قائلاً إنه يتعين عليها الاختيار بين تركيا وجولن.

إن عاجلا أو آجلا ستضطر الولايات المتحدة للاختيار  إما منظمة جولن الإرهابية التي خططت للانقلاب أو تركيا الدولة الديمقراطية.

وقال إن على الولايات المتحدة أن تتخذ هذا الاختيار. وهذه التعليقات تضفي تأكيدًا لفكرة أن أنقرة تحاول اللعب على الجانبين في هذه اللحظة.

ووفقًا لـ “فلاديمير سوتنيكوف” ، مدير مركز روسيا  الشرق والغرب للدراسات الاستراتيجية وتحليل، فإن المحادثات الجديدة مع أنقرة تعطي الكرملين صكًّا جديدًا للتأثير على الوضع في الشرق الأوسط والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الأخرى، وهو ما يزعزع التحالف الغربي ضد روسيا.

إن موسكو الآن في مأزق، فهل تقبل توسلات تركيا في ظاهرها أم ما زالت متشككة؟ لأن هناك نوعان من النتائج المحتملة لهذا الحوار الحالي:  إما أن تكون علاقات سلسة بين قوتين مشتركتين في الحدود مع أوروبا، أو تصبح خيانة أخرى للبلاد يقوم بها أردوغان.

وأيًّا كانت النتيجة، فمن الانصاف ان نقول إن تأثيرها سيكون عميقًا.