Sunday, November 17, 2019
اخر المستجدات

السلام الإقتصادي.. صفقة القرن إسرائيل في الشرق الأوسط


| طباعة | خ+ | خ-

بقلم : شروق عدنان علاء الدين النتشة

سعت إسرائيل منذ احتلالها لفلسطين إلى دمج نفسها في الشرق الأوسط وتحييد القوى العربية المجابهة لها بشكل تدريجي. اتبعت إسرائيل سياسة العصا والجزرة في احتلالها لفلسطين والسيطرة على المنطقة، حيث تقوم بقمع جذري بالقوة لأي محاولة تحرك ثوري ونضالي، في ظل العمل على استمالة وخلق فئات من المنتفعين والوكلاء عبر بعض الإغراءات والامتيازات الاقتصادية. حيث عملت وتعمل على تخلق سياسة العصا والجزرة لخلق حالة من التوازن تتجنب بها إسرائيل حدوث أية حالة من الضغط على الشعب المحتل قد تؤدي به إلى الانفجار، ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار بالجانب الاقتصادي لصالح فرض الرؤى السياسية الخاصة بها.

مع انفجار الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينيات، ظهرت وجهات نظر إسرائيلية تدعو إلى الاستفادة من النظام العالمي الاقتصادي الجديد وتبني الرؤى الأمريكية الداعية للسلام الاقتصادي لاحتواء الوضع المتفاقم. دعم المغدور شمعون بيرس فكرة السلام الاقتصادي منذ بداية التسعينيات ونظر لها في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”، حيث روجت اسرائيل نفسها كشريك اقتصادي لدول المنطقة، وجزء من العلاقات والتكتلات الاقتصادية فيها. إن الاستثمار المتسرع للقيادة المتنفذة في م.ت.ف لنتائج الانتفاضة الأولى وهزيمة العراق، قادت إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، التي أنتجت توقيع اتفاقية أوسلو الانتقالية بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال الصهيوني عام 1993م.

استغلت إسرائيل المرحلة الانتقالية في اتفاقية أوسلو لصالح التغلغل في السوق الفلسطيني، وخلقت منه سوق ملحق وتابع لاقتصادها، تسيطر وتتحكم من خلاله بالسلطة الوطنية الفلسطينية والشارع الفلسطيني لتمرير الخطط السياسية التي ترغب بها. سيطرت اسرائيل على المعابر والحدود وفرضت التعريفات الجمركية، وربطت أفراد الحركات الوطنية برواتب شهرية ومناصب سياسية واقتصادية عبر السلطة الوطنية الفلسطينية. أقامت اسرائيل لاحقاً الحواجز المرورية وقطعت أوصال المدن الفلسطينية، وجعلت تصاريح الدخول والعمل مقترنة بالبعد عن العمل الثوري والمقاوم.

عملت اسرائيل على تنمية العلاقات مع رجال الأعمال الفلسطينيين والعرب وخلقت طبقة منهم ترتبط مصالحها ببقاء الاحتلال واستمراريته، ويعملون كوسطاء له. أعطت الإدارة المدنية الإسرائيلية الصفة التفضيلية بالتعامل لفئة رجال الأعمال والعاملين المهرة، وربطتهم بالغرف التجارية، وزودتهم بتصاريح دخول إلى إسرائيل شبه دائمة، وعملت على تزويدهم بالمهارات والتدريبات اللازمة. تنوعت أشكال الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية مع اسرائيل لتشمل مشاريع بنى تحتية ومناطق صناعية مشتركة، ووكلاء فلسطينيين لشركات اسرائيلية، بجانب تزويد الخدمات وعقد الشراكات التكنولوجية وغيرها.

خلقت اسرائيل على مدار الخمسة وعشرون السنة الماضية حاضنة شعبية وطبقة وسطى من الموظفين ورجال الأعمال العرب والفلسطينيين، ترتبط مصالحهم باستمرارية بقاء الاحتلال، ويؤيدون فكرة السلام الاقتصادي ويروجون له، مبتعدين عن الهم الوطني والمبدأ السياسي. عززت إسرائيل التعاون والترابط مع طبقة رجال الأعمال واستخدمتهم لتمرير سياساتها في التغلغل الاقتصادي، فبرزت جماعات اقتصادية ترى نفسها شريك وحليف للجانب الاسرائيلي، وربما مؤخراً بديل مرشح عن السلطة الوطنية الفلسطينية في تمرير بعض السياسات الإسرائيلية والدولية.

مع انفجار ما يسمى بأحداث الربيع العربي، وسقوط العديد من الأنظمة العربية في المنطقة، استغلت اسرائيل الفرصة لتعزيز انخراطها في الشرق الأوسط وإنشاء وتعميق شراكات سياسية واقتصادية مع الدول العربية، التي كانت ستكتمل مع سقوط النظام السوري. إن فشل إسقاط النظام السوري والقضاء على وحدة الدولة السورية وبالتالي محور المقاومة الممثل بإيران- سوريا- حزب الله وجماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن وحركات المقاومة الفلسطينية، جعل اسرائيل تستشعر بالخطر الاقليمي الناتج خاصة في ظل بروز قطبية دولية جديدة.

سارعت اسرائيل وأمريكا في محاولة استباق الأحداث والتغيرات الدولية التي قد تحدث بالإقليم وربما على بنية النظام الدولي، من خلال حسم وإنهاء الصراع الاسرائيلي- العربي في المنطقة ومحاولة دمج اسرائيل لضمان استقرار أمنها ووجودها المستقبلي. روجت إسرائيل لنفسها كحليف سياسي للدول العربية السنية في مواجهة خطر النفوذ الإيراني في إطار سعيها إلى حرف جوهر الصراع، واستثمرت بالمشاريع الاقتصادية لتعزيز الروابط والعلاقات بينهم. تنظر إسرائيل لعملية السلام مع الفلسطينيين كأساس لتوسيع العلاقات التطبيعية مع الدول العربية المجاورة، وخلق واقع لشرق أوسط جديد في المنطقة تلعب به دوراً فعالاً، فجاءت “صفقة القرن”.

1. صفقة القرن والسلام الاقتصادي:

مع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة بدأت مساعيه حول تنفيذ خطة سلام في الشرق الأوسط، التي تهدف إلى إنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني ودمج اسرائيل في المنطقة. كثف ترامب زياراته إلى الحكام العرب وخاصة حكام دول الخليج حلفاءه الاستراتيجيين في المنطقة مستغلاً تخوفاتهم من “خطر مد النفوذ الإيراني”، وسعى إلى عقد تفاهمات معهم تصب في معظمها إلى تعزيز وتطبيع العلاقات المشتركة مع اسرائيل. تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى استغلال طبيعة علاقاتها مع الدول العربية وموجة تطبيع العلاقات العلنية العربية-الاسرائيلية الحاصلة مؤخراً، إلى دفع هذه الدول إلى لعب دور أساسي ومهم في خطة السلام وتحمل تكلفتها الاقتصادية التي قد تصل إلى 25 مليار دولار.

عمل فريق خاص من حكومة ترامب على صياغة تفاصيل “صفقة القرن” خلال العامين الماضيين. ضم فريق العمل الخاص جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ترامب ومستشاره والذي تولى المسؤولية عن سياسة واشنطن الخاصة باسرائيل والفلسطينيين، بالإضافة إلى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط جيسون غرينبلات والسفير الأمريكي لدى اسرائيل ديفيد فريدمان. أعلن كوشنر أن “صفقة القرن” سوف تشمل على جانب اقتصادي مهم يضمن تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين، بجانب خطة سياسية شديدة التفصيل تتناول تعيين الحدود وحل قضايا الوضع النهائي.

تتضمن صفقة القرن التعاون مع كل من الأردن والإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر، التي بدأت بتطبيع العلاقات الاقتصادية العلنية مع اسرائيل في وقت سابق، كما شملت جولة كوشنر إلى الشرق الأوسط دول البحرين وسلطنة عمان وقطر. تم تأجيل الإعلان عن تفاصيل “صفقة القرن” عدة مرات ومن المنتظر الإعلان عن شقها الاقتصادي كبداية في المنامة عاصمة البحرين ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في 25 و26 حزيران لعام 2019. يتضمن العمل في الجانب الاقتصادي للخطة أربعة مجالات تتمحور في البنية التحتية والصناعة والتمكين والاستثمار في الأفراد وإصلاحات الحكم.

يروج الجانب الاقتصادي من “صفقة القرن” وفق ما جاء في صحيفة “الجيروزاليم بوست” إلى سعيه في تحقيق تنمية اقتصادية وحياة رفاهية للشعب الفلسطيني، من خلال جعل المنطقة قابلة للاستثمار قدر الإمكان. يركز الجانب الاقتصادي على دعم الكفاءات الشابة وإنشاء منطقة تجارة حرة على جزء من أراضي سيناء تشمل محطة لتحلية مياه البحر، ومحطة توليد الطاقة الكهربائية. سيتم العمل على إنشاء خمسة مناطق صناعية، وميناء بحري ومطاراً دولياً، بحيث يتوقع من هذه الاستثمارات خلق آلاف من الفرص الوظيفية للفلسطينيين وبالتالي إنعاش ونمو الاقتصاد.

تحمل “صفقة القرن” في مضمونها فكرة السلام الاقتصادي، الذي حملته الحكومات الأمريكية والاسرائيلية المتتالية منذ نهاية الثمانينيات. رافقت فكرة السلام الاقتصادي جميع اتفاقيات السلام الاسرائيلية- العربية منذ عام 1991م، التي من شأنها دعم وتحفيز الاتفاق السياسي وعملية السلام. تركز الجانب الاقتصادي وفق رؤى المفاوضين على دفع التنمية الإقليمية والأمن على المدى البعيد من خلال تعزيز التعاون والثقة بين الأطراف والاستثمار في المشاريع الاقتصادية المشتركة، إلا أن المتتبع لمسيرة عملية السلام لا يجد بها سوى المزيد من التغلغل الاقتصادي دون أي تقدم سياسي يذكر.

إن خلق مشاريع اقتصادية مشتركة بين أطراف الصراع خاصة في مجال البنية التحتية كمشاريع بناء الطرق السريعة وأنابيب المياه، ومشاريع التنمية المشتركة الهادفة لزيادة حركة السياحة والتجارة والتعاون في مجال صيانة الموارد الطبيعية والبيئية، تخلق الثقة والترابط بين الأطراف. تلامس المشاريع الاقتصادية المرجوة من عمليات السلام حياة المواطن اليومية، وتروج إلى رفاه اقتصادي من شأنه أن يربط الفرد بالمؤسسة والراتب الشهري، وتبعده تدريجياً عن الهم الوطني، وتخلق له هم اقتصادي جديد مرتبط بوجود الاحتلال.

تحدث الجانب السياسي من “صفقة القرن” عن مبدأ تبادل الأراضي بين فلسطين والأردن ومصر وإسرائيل وفرض السيادة الاسرائيلية على مستوطنات الضفة الغربية لتشكل كتل استيطانية متصلة بالإضافة إلى السيطرة الأمنية على الحدود الأردنية. تكون القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وتعطى المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية حكماً ذاتياً مطوراً يرتبط مع الأردن، حيث تقام دولة في غزة بجانب تسليم سلاح المقاومة فيها، ويتم تخصيص رواتب شهرية لأفراد وعناصر حركة حماس من قبل الدول الداعمة.

منحت تصريحات ترامب الشرعية للمستوطنات الاسرائيلية التي تبتلع ما يقارب 60% من أراضي الضفة الغربية و10% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني. تعزز “صفقة القرن” السيادة الاسرائيلية على الموارد الطبيعية الفلسطينية خاصة المياه، وتبقي لها الغلبة العسكرية في حفظ الأمن وارتهان الاستقرار الفلسطيني بيد الاحتلال. ليس من المعلن حتى الآن آلية تنفيذ المشاريع الاقتصادية أو الخطط السياسية أو عمل المعابر الحدودية المقترحة في ظل السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الحدود وتبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل.

بجانب الاعتراف الأمريكي بشرعية المستوطنات الاسرائيلية، حسمت قرارات ترامب قضايا جوهرية أخرى في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي أخرجتها من أية مفاوضات مستقبلية ووضعت السلطة الفلسطينية تحت ضغوطات سياسية واقتصادية كبيرة. إن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يستثنيها من أية مفاوضات مستقبلية بين الطرفين، كما وقطع التمويل عن وكالة الغوث هو محاولة لإنهاء وجودها وتصفية قضية اللاجئين وحق العودة، وبالتالي إنهاء ملف آخر واستثناءه من أية مفاوضات مقبلة بين الطرفين، كما هو الحال بالاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.

ربط كوشنر وفريقه السلام وحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بالتنمية الاقتصادية وتوفير حياة رفاه اقتصادي للفلسطينيين عوضاً عن البحث في حل النزاع وتأمين الحقوق الأساسية للفلسطينيين، كما تحدث على أنها تركز على أربعة مبادئ أساسية وهي الحرية والاحترام والفرص والأمن. إن عدم التوصل إلى تسوية النزاعات السياسية والوطنية لن يوفر الحرية للفلسطينيين، وفي ظل سيطرة الاحتلال الاسرائيلي على مقدرات الشعب الفلسطيني وموارده لن يكون هنالك احترام للسيادة، كما أنه من الصعب خلق فرص ونمو اقتصادي يرتبط بشكل مباشر بسلطة الاحتلال وسياساته.

شكل إعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس تصريح واضح للرؤى الأمريكية لعملية السلام، وتجاوز صريح لحل الدولتين –الذي تعتبره أساس التفاوض، الأمر الذي رفضته السلطة الوطنية الفلسطينية، وأعلنت رفضها التفاوض والامتثال للوساطة الأمريكية في عملية السلام. عملت الحكومة الأمريكية على الضغط على الجانب الفلسطيني للخضوع إلى القرارات الأمريكية والموافقة على صفقة القرن، حيث أعلنت في حزيران من عام 2018م عن وقف جميع مساعداتها المالية المقدمة للحكومة الفلسطينية وإنهاء جميع البرامج والمشاريع الممولة من قبلها.

تصر السلطة الوطنية الفلسطينية على رفض القبول بصفقة القرن والتفاوض عليها، كما تسعى جاهدة إلى منع المحاولات الأمريكية- الإسرائيلية بإيجاد طرف آخر تتفق معه على تنفيذ بنود هذه الصفقة. يسعى الجانب الاسرائيلي إلى تعزيز التواصل مع رجال أعمال فلسطينيين يقيمون ويدعمون علاقات شراكة اقتصادية مع الجانب الاسرائيلي يكونوا قادرين من خلالهم إلى التغلغل في السوق الفلسطيني وتمرير المشاريع الاقتصادية لصفقة القرن كطرف بديل عن السلطة الوطنية.

بالرغم من إعلان الحكومة الفلسطينية عن ضرورة عدم التعاطي مع المداولات الأمريكية حول “صفقة القرن”، إلا أن مؤتمراً اقتصادياً في القدس قد تم في شهر شباط من عام 2019م وجمع بين رجال أعمال فلسطينيين وإسرائيليين. برز من الحضور في مؤتمر القدس رجل الأعمال أشرف الجعبري الذي وجه له فريدمان كلامه قائلاً “باسم الولايات المتحدة لا نسعى لشريك أفضل منك” موضحاً أنه سيتم لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قريباً، حيث يجدون به رجل أعمال يتفق مع سياساتهم.

في الأول من أيار لعام 2019 تم الإعلان عن “حزب الإصلاح والتنمية” يطرح نفسه بديل محتمل عن السلطة الوطنية الفلسطينية بعد فشل حل الدولتين، ليكون شريك مع الجانب الاسرائيلي في تنفيذ سياساته والالتفاف على السلطة الوطنية الفلسطينية. يدعو “حزب الإصلاح والتنمية” كما صرح أحد مؤسسيه أشرف الجعبري -في إحدى المقابلات الصحفية- ” للعيش بسلام مع جيراننا اليهود، ويقبل بفرض إسرائيل لسيادتها على الضفّة، ويريد المشاركة في الانتخابات الإسرائيليّة، ويسعى إلى إقامة دولة واحدة يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون، بعد فشل حل الدولتين”.

إن استمرار تطوير التعاون والشراكة الاقتصادية مع اسرائيل سواء فلسطينياً أم عربياً، ما هو إلا وسيلة إلى استدخال المزيد من التغلغل والتوسع الاستعماري الصهيوني إلى العمق العربي وخلق بيئة حاضنة للاحتلال دون الحصول على الحقوق السياسية للدول. أصبحت طبقة رجال الأعمال في معظمها تحاكي الهم والمصلحة الفردية ونزعت نفسها من البعد والهم الوطني، بل وأنتجت فئة جديدة تدعو إلى الانخراط الكامل مع اسرائيل، متجاوزة الحقوق السياسية الأساسية للشعب الفلسطيني.