الخميس 13 / مايو / 2021

الهوية.. حضوراً لا يمحوه تغييب

الهوية.. حضوراً لا يمحوه تغييب
الهوية.. حضوراً لا يمحوه تغييب

كتبت: مرام هواري

كثيرة هي التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية بالتوازي مع موجات التطبيع التي باتت تأخذ منحنى نهائي ومطلق لمسناه كحقيقة على أرض الواقع وليس بخيال، مع تلك التي احتضنت الاحتلال، بعد ان ذهبت بعيدة ومسرعة في التطبيع والانغماس الكلي مع إسرائيل، وصلت لحد لا يتصوره عقل ولا منطق دون ان تترك الباب موارباً حفاظاً على خط العودة، حتى انها لم تترك نشاطاً إلا وقد غيرت فيه.

فبين إرهاب يمارس القتل والتشريد واحتلال يتسلل الى كل مفاصل التاريخ، هناك وجه حضاري لمنطقة كاملة يواجه المصادرة والتزييف، في الوقت الذي تسعى دولاً وشعوباً في الحفاظ على ثقافتها وقيمها وميثاقها كان هناك من يحاول جاهداً لدفع المشروع الصهيوني الى الأمام وإقحام الشعوب العربية في التبعية وتذويبها في ثقافة النقيض، لتهدد أمّه بأكملها بالضياع ليس في شتات التهجير الذي عايشه الفلسطينيين فحسب ، وانما في شتات المحو والتذويب، في ظل انهيار الركائز العربية التي بدت مؤخراً طافحة بالنكسات والخذلان، وتغييب للهوية والحضارة العربية، بعد أن منحت إسرائيل صكوك الغفران على ما تقدم من ذنبها وما تأخر.

فالناظر لسياسة معسكر السلام العربي الذي بدأ يتسع بشكل لافت وخطير يتبين له انه امام نهجاً مخطط له ومدروس لغرس روح الاستسلام والانهزامية في العقول العربية، تستغلها إسرائيل في اتجاهين ….الأول بتعميم ثقافة التسطيح والتجهيل التي تسير فوق ثقافة المقاومة والمواجهة، والثاني بذل جهد هائل في ضرب الموروث العربي والثقافي والسطو عليه وكأن المطلوب اليوم ان تتحلل ذاكرة وثقافة البلد في الوقت الذي كانت به عقول العرب محصنة لأبعد الحدود، ولم تكن عرضة لغزو خارجي او مطية له لا مباشرة ولا بواسطة وكلاء الغرب وإسرائيل.

فأزمة الدول العربية اليوم ليست في كونها منزوعة الإرادة ومحاصرة فقط، وانما بما حل وحط من أهلها في ظل معالم لوطن عربي بدأ يتغير بتنكره لقيمه بعد ان فتح بوابته مشرعةً على الاعتراف بإسرائيل مصوراً الأمر على انه انتصار تاريخي، تحت عباءة ان معركة السلام اصعب بكثير من معركة الحرب، بل يتعوذون من شر القتال باعتباره دماء على الرمال لا يجدي نفعا،ً لينذر مما هو ابعد واعمق بكل ما يحمله من تبعات اجتماعية خطيرة تحملها المشاريع التطبيعية والمخططات التخريبية، بجعل إسرائيل جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وحضارتنا بل وصدىً لها، ودفعنا الى تقبل الآخر اليهودي كجزء من كياننا الديموغرافي، خصوصاً انه من بين بنود اتفاقية التطبيع ثمة إقرار بحق إسرائيل في الوجود مستلهمه فكرة التعايش تلك من منطلق مبادئ حقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير المصير، وهي ذات الشعارات التي كانت ترددها الدولة الغربية التي زرعت إسرائيل كشوكة في جسد الأمة العربية تحت حجة انه شعب اعزل ومسالم ومختنقاً من ظلم الآخرين، حتى ان العالم لم يشهد تمتع دولة تعاني أزمة في شرعية وجودها، كبر حلمها وقامت على حساب وحق الآخرين المسلوب بحماية استثنائية خاصة في مجلس الأمن كالذي يحدث اليوم مع إسرائيل بل يغض الطرف على تهديدها للسلم والأمن بشنها الحروب واحتلالها لأراضي الغير فضلاً عن تاريخها الدموي بحق الفلسطينيين الذي يشهد لها بتنظيمها لمذابح جماعية وأعمال تطهير عرقي باعتراف مسؤوليها السياسيين وشهادة مؤرخيها الاكاديميين، والذي أدى الى تشريد ملايين اللاجئين دون ان يجرؤ المجتمع الدولي الذي يتصدر واجهة الدفاع عن حقوق الانسان على إخضاعها لنفس معايير المحاسبة التي يطبقها على باقي دول العالم، ولعل اتفاقية أوسلو التي من خلالها بتنا واحدة من الأمم التي توقعت واستبشرت بها خيراً باعترافها بإسرائيل، بعد ان صُور لنا الأمر على انه انتصار تاريخي، لتتفاجأ من حيث تدري ولا تدري انه في حقيقة الأمر كان مجرد صلحاً وهمي ناخت تحت أعبائه وتبعاته فلسطين قبل ان يجف حبر التوقيع.

فعلى قاعدة خطوة بخطوة… سعت إسرائيل وما تزال الى تغيير وجه المنطقة العربية بأكملها، عبر خلق وعي شعبي جديد يمنحها مظلة من الحماية الشعبية مفصلاً على مقياس مصالحها التقطت خيطه الرفيع بترتيب كان مدخله اقتصادياً واهمه بأنه بالإمكان أن يتطور بالتدريج من بيننا وبينهم قوافل من الشهداء وأنهار من الدماء وآلاف من السجناء مشاعر الأخوة والصداقة بمساندة مخططي التطبيع دافعة نحو تقبلها كوجوداً حقيقياً لا مفر منه إلا اليه.. ولا نملك لدفعه من سبيل..!

فتحت شعارات السلام الإنساني والتسامح بين الأديان وتبادل الثقافات أتقنت إسرائيل الرقص على شتّى الحبال وعينها هذه المرة على المناهج التعليمية العربية التي باتت اليوم مستباحة، وضمن دائرة الاستهداف والتغيير والتحريف، لتصبح مناهج تلاميذنا كتحصيل حاصل، تكريساً لفكرة التعايش والقبول المتبادل بل وتدعو الى حذف آيات من القرآن الكريم تحت حجة التحريض و التشجيع على الإرهاب، في الوقت الذي يتردد على مسامعنا ليلاً نهاراً شعارات عنصرية من قبل العصابات الصهيونية، مليئة بالحقد والرغبة بالانتقام تنادي بقتل العرب وطردهم، وكأن الإشكالية اليوم هي بين الأديان وليست قضية اغتصاب للأرض والحق والانسان، ليطرح تساؤلاً عن أي وعي عربي يريدون أن يتشكل وطبيعة الواقع العربي اليوم لا يحتمل مزيداً من التنازلات او التفريط ..؟!

فلم تعد نرجسية إسرائيل بعبارتها “لن ننسى..لن نسامح..لن نغفر” التي يرددها القادة الإسرائيليين اثناء إحيائهم لذكرى الهولوكوست هي الحدث، بقدر تعريتها لساسة الامارات والخليج الذين لا يجيدون شيئا سوى تصفية القضية الفلسطينية وقد وصل بهم الحد كسابقة هي الأولى عربياً وأخلاقياً بعدما باتت الخيانة في ثقافتهم وجهة نظر , برفعهم علم إسرائيل على برج خليفه تارة و بإحيائهم مراسم الهولوكوست في عقر دارهم وجنباً الى جنب مع اشقائهم الإسرائيليين تارة أخرى يستلهمون نهجهم ، بوقوفهم منحني الرؤوس خاشعين صامتين وبإمعان غريب في التطبيع والتتبيع وتذويب الذات بالتبعية المطلقة للعدو، بعدما ألغوا حضارات بلادهم وانسلخوا عن كل القيم والثوابت في الوقت الذي كان العالم يتناسى الهولوكوست الحقيقي الذي حل علي الدول العربية والحافل بالجرائم والفظائع الذي تتعرض له وما زالت من قتل على الحواجز وهدم وتهجير وسرقة للأراضي لا يتردد عاقل سوي النفس عن ادانتها ، فضلاً عن الحصار والتجويع الذي يتعرض له المدنيين ، متجاهلين مسؤولياتهم الأخلاقية اتجاه مجتمعاتهم وهل هناك من سيلزمهم بها…؟؟ خصوصاً ان تلك الشعوب قد أسست اقتناعاً اتفق عليه الرافضون والوسط والمؤيدون ان ما يحدث ليس هو ما نريد والكل بات يجزم بأن التطبيع مع إسرائيل ما هو الا البداية التي ستدفعنا لرؤية ذاتنا بعيون الآخرين…

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook

زوارنا يتصفحون الآن