الثلاثاء 30 / نوفمبر / 2021

الولايات المتحدة والصين.. إما تجزئة الليبرالية أو المواجهة

الولايات المتحدة والصين.. إما تجزئة الليبرالية أو المواجهة
زيارة جو بايدن إلى الصين في 2013 - أرشيفية

يرسم الرئيس الأمريكي “جو بايدن” منهجاً مختلفاً، ومتأخراً في الوقت نفسه، لإنقاذ مكانة الولايات المتحدة المهيمنة في العالم.

فقد اقترح خلال مكالمة مع رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” أن تكون لدى الدول الديمقراطية خطة للبنية التحتية لمنافسة المبادرة الصينية المعروفة بالحزام والطريق.

الاقتراح الأمريكي يبدو تعزية لشيء كان بالإمكان القيام به قبل سنوات، أما اليوم، وبينما يترنح العالم تحت تداعيات الخسائر الباهظة لتفشي وباء كورونا، فإن زمن المبادرات العالمية من هذا النوع المقترح قد فات أوانه. على أن ما وراء مقترح بايدن بطرح مشروع موازٍ للصين، تكمن أزمة النظام العالمي، وتحديداً أزمة الليبرالية السياسية في مواجهة الليبرالية الاقتصادية الممسوكة من الدولة، وهو ما تجسده الصين. إن مقدار التداخل المشترك بين الاقتصاد والسياسة هو ما سيحدد مسار العلاقات بين القوتين.

العالم غير الليبرالي

ناقش ألكسندر كولي ودانييل نيكسون في مقال مشترك بمجلة فورين أفيرز الأمريكية ملامح العالم غير الليبرالي. ويقارن في البداية أن “النظام الدولي الليبرالي” يتعرض لضغوط شديدة من الداخل والخارج. في هذه الأثناء، تسعى القوى غير الليبرالية الجريئة إلى تقويض العناصر الأساسية للنظام الليبرالي. وعلى حد تعبيرهما: مارست الصين وروسيا، على وجه الخصوص، القوة الدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية لطرح رؤى بديلة.

اقرأ أيضا:

روسيا: نعمل مع الصين على حماية علاقاتنا من تهديدات الدول غير الصديقة

وزير الدفاع الأمريكي يتوجه لآسيا لمناقشة “ردع الصين”

لكن إذا كان النظام الدولي الليبرالي الحالي في مأزق، فما هو نوع النظام غير الليبرالي الذي قد ينشأ في أعقابه؟ هل يعني النظام غير الليبرالي بالضرورة التنافس على السلطة المجردة بين القوى العظمى القومية المتزايدة، والحمائية المتفشية، وعالم معادٍ للحكم الديمقراطي؟

الواقع أن كلاً من كولي ونيكسون يوصفان بدقة أن الأزمة الحالية ليست بين نظام ليبرالي كلّي ونظام بديل معادي له، إنما هناك تقسيم لثلاثة مستويات لهذا النظام الدولي، وهذا يعني أن القوى البديلة هي أيضاً في جزء منها ليبرالية، لكن الخلاف يدور على المستوى السياسي لليبرالية لدرجة كبيرة إلى جانبين مستويين آخرين، هما الليبرالية الاقتصادية والليبرالية الدولية (الحكومة العالمية) المتمثلة في المساواة في الصفة القانونية من خلال جعل المعاهدات الدولية هي القانون الناظم للعلاقات.

التوتر الحالي، على المستوى التنظيري بين الولايات المتحدة والصين، يتمثل فيما إذا كان من الممكن تجزئة النظام الدولي إلى وحدات مستقلة، وهو ما تراه واشنطن أن بكين تسعى إليه، أو أخذه بكليّته. لأنه في الحالة الأولى، يمكن أن تستخدم الترتيبات الاقتصادية الليبرالية لأغراض غير ديمقراطية، ومضادة لمنهج حقوق الإنسان والحريات السياسية.

خلاصة ما توصل له كل من ألكسندر كولي ودانييل نيكسون في مقالة (فورين أفيرز) أنه “ربما لا يتم تهديد أي بُعد من أبعاد النظام الدولي حالياً أكثر من الليبرالية السياسية. كانت المبادئ الديمقراطية الليبرالية مصدر إلهام عميق لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي أكد تعزيز وحماية الحقوق الفردية ومحاسبة الأفراد على مشاركتهم في الجرائم أو الفساد”.

إرث من الفشل

المعضلة الأكبر أمام الولايات المتحدة أن الليبرالية الاقتصادية (السوق المفتوح وحرية التجارة) هي رافعة الصين للثروة والقوة. ليس فقط ذلك، بل سلاحها الأقوى في مواجهة خطابات «الليبرالية السياسية» القادم من الغرب، وما الأزمة في شينجيانغ والأويغور سوى وجه من وجوه ارتباط الملف الحقوقي بالنظام السياسي الغربي. وعليه، فإن مسار تجزئة الليبرالية إلى تحرير التجارة، وهو المسار الصيني في مشروعها الحزام والطريق، والجانب الآخر النظام الديمقراطي الحقوقي، وهو المسار الأمريكي ورأس حربتها في محاولات عرقلة الصين بملفات حقوقية، لا يبدو أنّ النظام الدولي الأحادي الليبرالي، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، يعيش سوى أكثر أيامه انحطاطاً، خصوصاً مع تراكم حزمة من الأخطاء والفشل والخيبات، وتنظيم القوى غير الليبرالية هجمات مضادة فتّاكة ضد مظاهر الحريات السياسية، ووقوف ممثلي الليبرالية السياسية عاجزين، ولا مبالين، أمام التلويث الإرهابي للثورات الشعبية على أيدي قوى إقليمية وإتاحة المجال للهجمات المضادة.

رغم الحدة التي أبداها الرئيس جو بايدن، وأنه لن يسمح للصين بالتفوق طالما هو موجود، فإنه من المستبعد أن ينجح أي من الطرفين في فرض رؤيته، وهذا يعني أنه لا عودة إلى هيمنة الليبرالية الشاملة، إنما سيكون التصالح مع تجزئتها، بين السياسة والاقتصاد، هو المسار الأقل كلفة من المواجهة الشاملة، التي ستقود في النهاية إلى حرب أو ما يوازيها في النتائج.

Share on vk
Share on pinterest
Share on reddit
Share on linkedin
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on facebook