الخميس 01 / ديسمبر / 2022

بايدن وتايوان: لا نعرف أين نحن

محمود الريماوي
محمود الريماوي

لا تعرف رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، ما إذا كانت ستزور تايوان أم لا، لكنها تعرف أنه يجب إظهار الدعم لهذه الجزيرة. هذا هو فحوى آخر مواقفها بشأن زيارة مفترضة تسبّبت بأزمة فعلية بين الولايات المتحدة والصين التي هدّدت بالتدخل عسكريا إذا ما زارت رئيسة السلطة التشريعية الأميركية الجزيرة (هي مجموعة جزر، لا جزيرة واحدة)، والتي تتمسّك الصين بإعادتها إليها سلما أو حربا. ولا يبدي المسؤولون الأميركيون تيقنهم من إجراء الزيارة، غير أنهم لا ينفون الاستعداد للقيام بها. وكانت صحيفة فايننشال تايمز قد ذكرت أن بيلوسي ستقوم بهذه الزيارة في أغسطس/ آب المقبل، وهو ما أثار ردود فعل صينية عنيفة، تحذّر من عواقب خطيرة.

معلوم أنه منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في الأسبوع الأخير من فبراير/ شباط الماضي، والأنظار تتجه إلى بكين لمعاينة الموقف الصيني إزاء هذا التطوّر، وما إذا كانت بكين سوف تستغل أجواء كسر القواعد الدولية لممارسة مزيد من الضغوط الشرسة على تايوان. والذي حدث أن بكين أنحت باللائمة بقيام الغزو على الولايات المتحدة والغرب، وأيّدت عمليا، ولكن باحتشام، استباحة الأراضي الأوكرانية. وفي هذه الأجواء، تصلبت المواقف الصينية ضد تايوان، وزادت التحرّكات العسكرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، وفي أجواء تايوان، وذلك بعدما تيقنت بكين أنه لن يقع تدخل عسكري غربي مباشر لدعم أوكرانيا. بل إن الولايات المتحدة تمتنع عن تقديم بعض الأسلحة النوعية بعيدة المدى إلى كييف (خشية الانجرار إلى حرب عالمية، كما يقول مسؤولون أميركيون، فيما يقول المسؤولون الروس إن الحرب يتعيّن أن تظل محصورة داخل الأراضي والمياه والأجواء الأوكرانية، وأن لا تتجاوز ذلك إلى الأراضي الروسية، وهو اشتراط غريب). ومع دخول الحرب شهرها السادس، من دون أن تلوح في الأفق نهاية لهذه الحرب، ومع تعطّل المفاوضات نتيجة إصرار الجانب الروسي على أن الاستسلام هو الخيار الوحيد أمام الأوكرانيين. في هذه الظروف، تأتي الأنباء عن احتمال قيام رئيسة السلطة التشريعية الأميركية بزيارة تايوان، وهو توقيت مثير، إذ لم تجد أزمة أوكرانيا بعد طريقها إلى الحل على أي وجه، وما زالت تهدّد العمق الأوروبي. ففيما تتزايد الأصوات الداعية إلى الحفاظ على العلاقات الغربية مع بكين، فإن فكرة زيارة بيلوسي تعكس قدرا من التصعيد السياسي والأمني والاستراتيجي، حتى أن الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن، يوم 21 يوليو/ تموز الجاري، أن “الجيش (الأميركي) يعتقد أنها ليست فكرة جيدة، لكنّي لا أعرف أين نحن”، وذلك وفقا لفرانس برس. وهو تصريحٌ في غنى عن التعليق عليه، حين لا يتوانى رئيس عن القول: لا أعرف أين نحن! وذلك قبل نحو أسبوع من اتصال هاتفي مقرّر بينه وبين الرئيس الصيني شي جين بينغ، الخميس 28 يوليو. ومع أن بيلوسي ليست مسؤولة في الإدارة الأميركية، إلا أنها تعدّ من أركان الدولة، وقد جاءت فكرة الزيارة في خضم التنافس بين الحزبين، الديمقراطي الذي تنتمي إليه بيلوسي والجمهوري على أكثر من مستوى، بما في ذلك التنافس الحزبي على دعم تايوان، مع أن دعم أوكرانيا لم ينقذ هذا البلد من التقويض والتدمير المتوالي فصولاً على أيدي القوات الروسية. وتنجح موسكو في جرّ واشنطن لبحث قضايا فرعية، كالتفاوض بشأن إطلاق شخصين، والنظر في اتفاقية تصدير الحبوب، وذلك بعيدا عن وجوب وقف الحرب. وفي سياق تعويد العالم على أن يألف الحرب الروسية الطاحنة على الوجود الأوكراني، وباعتبار ذلك “حقاً سيادياً” لروسيا!

يقضي المنطق والمصلحة، الآنية كما البعيدة، بالتراجع عن فكرة زيارة نانسي بيلوسي لتايوان

ويذكر هنا أن الولايات المتحدة تراوح في موقفها حيال الصين بين اعتبارها تهديدا واحتسابها منافسا اقتصاديا يتطلب تنظيم العلاقات معه. وقد جاءت حرب بوتين لتضع روسيا في موقع التهديد. وتتجنّب واشنطن وضع الطرفين الصيني والروسي معا في خانة واحدة، تفاديا لإقامة حلف عسكري واستراتيجي بينهما، في حال إظهار عداء أميركي من المستوى نفسه نحو الطرفين. علماً أن المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم بايدن، صرّحوا، غير مرّة، بأن تهديد تايوان عسكرياً من بكين سوف يؤدّي الى تدخل عسكري أميركي دعما لتايوان. ويتناوب الطرفان الأميركي والصيني على إطلاق مواقف تنذر بالاقتراب من سياسة حافّة الهاوية. ومع أن مسؤولين أميركيين سبق أن زاروا تايوان، إلا أن نانسي بيلوسي تعتبر أرفع شخصية أميركية تعرب عن النية بزيارة هذا البلد. وهو ما جوبه بتجييشٍ من بكين، رغم التصريحات الأميركية المتواترة بأن الموقف من تايوان لم يتغير، والقاضي بالامتناع عن إقامة علاقات دبلوماسية أو تبادل زيارات لمسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين. ومن الواضح أن عزم بيلوسي على الزيارة قد جرى بمبادرة منها، وباستثمار أقصى لما يتيحه لها موقعها التشريعي، ولكن من غير تنسيقٍ كافٍ مع المؤسسات المعنية، بما في ذلك البيت الأبيض والوكالات الأمنية ووزارة الدفاع، وهو ما عكسه تصريح بايدن عن تحفّظ الجيش حول الفكرة.

الولايات المتحدة تراوح في موقفها حيال الصين بين اعتبارها تهديدا واحتسابها منافسا اقتصاديا يتطلب تنظيم العلاقات معه

يقضي المنطق والمصلحة، الآنية كما البعيدة، بالتراجع عن فكرة الزيارة، تفادياً لفتح “جبهة” جديدة، ولأنه لا مسوغات كافية لهذا الترفيع في مستوى الزيارات الرسمية المتبادلة. وإذ تتجه الأنظار إلى البحث عن مصالح خفية وضيقة من فكرة الزيارة، مثل شحن أجواء الحملة الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فإنه يسترعي الانتباه أن الصين بدورها تستعد لعقد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي قبل نهاية العام الجاري، وهو الحزب الحاكم والوحيد في بلد المليار ونصف المليار نسمة، ولا بد أن قضية تايوان سوف تخيّم على أجواء هذا المؤتمر، بل وعلى الفترة الحالية الممهدة لانعقاده.. لكم انتخاباتكم ولنا انتخابات.

قد يشكّل التراجع عن فكرة الزيارة أو تأجيلها إلى أمد غير معلوم مسّاً معنوياً ورمزياً بمكانة واشنطن، غير أن المضي في ترتيبات الزيارة يحمل ضرراً أكبر، وهو المغامرة باحتكاك عسكري جانبي بين الطرفين، وإغلاق قنوات الحوار، وهو ما لا يسعى إليه الطرفان في هذه المرحلة، ولعلّ الاتصال الهاتفي الذي جرى، أخيرا، بين بايدن وبينغ أدّى إلى تبريد الأجواء التي سخّنتها نانسي المعروفة بمزاجها الناري.

للدخول إلى رابط التسجيل للحصول على مساعدة من المنظمات والجمعيات الأهلية: (مــن هــنــا)

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on vk
Share on whatsapp
Share on skype
Share on email
Share on tumblr
Share on linkedin

زوارنا يتصفحون الآن